((همس الحوف) .. خطورة ما بعد السلام) – صحيفة الوطن الإلكترونية




الباقر عبد القيوم علي

تضج الأسافير هذه الأيام ما بين الفعل وردة فعله و ما يخفيه ذلك من توتر عنيف خلف الصدور و ما يُخلفه أيضاً من أسقاطات سلبية تنزع الطمأنية من قلوب الشعب بأكملة من الرعب المبثوث في الفضاءات الإسفيرية و هذا هو ما يسوقنا لقراءة حقيقة تشخص لها الأبصار من ضبابية المشهد السياسي و قتامة المستقبل ، بالرغم من أن الحرب قد وضعت أوزارها بلا رجعة حسب تصريحات المتفائلون من قادة الحركات المسلحة ، و لكن الواقع يكذب حقيقة هذا التفاؤل من كثرة الإنقسامات و التشظي في بعض هذه الحركات و هذا هو ما يجعلنا أن نسيئ الظن في مضمونه و كأنه أتى وبالاً علي أهل الشمال نتيجة تلك الرسائل التهديدية التي ترد بصورة شبه يومية عبر مقاطع فيديو قصيرة فحواها القتل و التنكيل لجميع أهل الشمال بدون إستثناء من بعض ضعاف النفوس من شباب غرب السودان ، و نجد أن هذه المقاطع قد تم إعدادها بعناية فائقة و محسوبة الأهداف ، و موجهة المقاصد ، و كما نجد ان تصويرها قد تم بتقنة عالية ، الشيئ الذي يسوق الافكار إلى ان هذا الامر خلفه مؤسسات لها أجندتها و أهدافها ، و ليس من قام بها أفراد ، و ذلك بهدف إرسال رسائل قبيحة المحتوى من أجل بث الرعب و إثارة الفتنة الحارقة التي قطعاً سوف تؤدي إلى تفتيت هذ النسيج الاجتماعي السوداني المتناغم الذي لم ينفصل في يوم ما ، و ما يؤكد ذلك من ثوابت فإننا نجد في الثورة المهدية خير شاهد على ذلك ، فحينما كان الإمام محمد أحمد المهدي من شمال السودان قائداً لها ، كان خليفته عبد الله التعايشي و معظم جنده من غرب السودان والذي أصبح فيما بعد قائداً للمهدية .

العنصرية هي قضية يصنعها الساسة أولاً وأخيراً ، و إن مسألة وجودها وانتشارها بين مكونات الشعوب مسألة ثقافة مجتمعية ، و في هذه الأيام إزدادت حدة وتيرتها في السودان بعد توقيع إتفاق السلام وتفعيله على أرض الواقع ، و الذي يعتبر (فطيراً) و قد فرض قيوداً إجتماعية و مالية ضخمة على بقية مكونات المجتمع السوداني الغير دافوري لصالح دافور الكبرى ، وكل ذلك يمكن أن يهون ويتجاوزه الشعب السوداني إذا كان هذا الإتفاق يأتي بسلامٍ حقيقي و شامل يستطيع إخراس كل أصوات البنادق و إلي الأبد ، ولكن ما يحول بينه وبين تطبيقه بالصورة المُثلى هو الخطاب العنصري الذي أصبح مسكوتاً عنه ، و الذي ظهر في أبشع صوره و بلهجات عنيفة في شكل تهديد صارخ ، و لهذا نجد أن هذه المقاطع قد قامت بفضح هشاشة هذا السلام المفترى عليه إسماً و مضموناً ، و كشفت عن نوايا أصحاب الأمراض النفسية من بعض شباب دارفور بما يضمروه من عداء سافر لإخوانهم الشماليين ، و كل هذا كان بسبب الجهل و التغييب عن الحقائق طيلة حقبة الإنقاذ و ما زال بعض هؤلاء الشباب يعتقدون ان الإنقاذ هم أهل الشمال فقط ، بالرغم من ان الإنقاذ نفسها في أيامها الأخيرة قد حاولت جاهده تصحيح ما أفسدته حربها ضد الحركات المسلحة ، و لقد دعتهم لسلام شامل شاركت في حواره معظم هذه الحركات التي وقعت على سلام جوبا.

بالرغم من أن المساحة الواسعة للحريات في هذ الأيام و التي قام الشباب بتفسيرها بصورة مغلوطة ، ولذلك نجد أن معظمهم لجأوا إلى العنف بجميع أشكاله ، إلا انه ليس هنالك أحد يستطيع ان يجد مبرراً كافياً لهؤلاء الشباب من ركوب هذه الموجة التي سوف تؤجج الفتنة التي سوف يولدها العنف اللفظي و التهديد السافر بالقتل و التنكيل باهل الشمال ، و الذي أصبح هاجساً مؤرقاً لمضاجع الكثيرين من السودانيين ، و الذي عبره سوف ينقل به الإستعداد العكسي لمقابلة هذا التهديد إلى المربع الثاني ، و هذا ما يعد نذر شؤم للمرحلة المقبلة التي سوف تؤدي إلي ردة فعل مضادة قد لا يحمد عقباها ، و التي سوف تكون نواة فتنة ينتقل بها الصراع بين جميع مكونات النسيج الإجتماعي حسب التصنيف العرقي مما قد يؤدي إلى إنتقاص الاحترام العام بين جميع مكونات هذا الشعب.

على الدولة حزم أمرها وتدارك هذه الفتنة ودكها في مهدها قبل إستفحالها و ضبط كل المتجاوزين الذين دعوا لها بإرهابهم للناس وألا تأخذهم في ذلك رأفة تجاههم ، كائن من كانوا وان تقوم بتقديمهم إلى محاكمات عادلة تضمن تطبيق القانون عليهم ، فمن قاموا بهذه التهديدات من السهولة الوصول إليهم ، ويجب على الدولة ألا يكون لها أي شاغل خلاف هذه القضية التي سوف يكون حلها عصياً إذا ما تقدمت خطوة إلي الأمام.


اترك تعليق