محكمة مدبري انقلاب 89 .. جلسة «ساخنة»




الخرطوم : رقية يونس

شهدت جلسة  أمس لمحاكمة مدبري انقلاب 30 يونيو 1989م المتهم فيها الرئيس المعزول عمر البشير ، و(27) آخرين مداولات ساخنة كان اطرافها  هيئة المحكمة والاتهام والدفاع  وذلك خلال تقديم المحامي ابوبكر عبدالرازق ممثلا لدفاع المتهم ابراهيم السنوسي، مرافعاته رداً  على خطبة الاتهام الافتتاحية، حيث ظل عبدالرازق طوال (40) دقيقة يقلب صفحات مرافعاته المكونة من (7) ورقات التي كان يحكم قبضته اليمنى عليها ويضعها نصب عينيه حاجباً  عدسات التلفزة المحلية من التقاط صورة واضحة المعالم لوجهه وقتها، وظل عبدالرازق يقرأ بصوت حماسي جهور ما خطته يراعه ويكيل مابين سطورها اتهامات لاذعة للنائب العام تاج السر الحبر، تارة وللوثيقة الدستورية والمجلس العسكري تارة أخرى.
في المقابل أوقف قاضي المحكمة المحامي ابوبكر عبدالرازق، لعدة مرات وطالبه بالالتزام بتقديم خطبة قانونية والابتعاد عن تقديم خطبة سياسية، كما رفضت المحكمة حديثه عن الوثيقة الدستورية والاشارة امامها وقالت له (ان الوثيقة الدستورية هي السارية الآن شئت أم أبيت حتى يتم الغاؤها او تعديلها وان كان لديك اعتراض عليها فاذهب واطعن فيها)، ورغم تنبيهات المحكمة للمحامي بالتقيد بالمرافعة القانونية فقط الا انه ظل يكرر انتقاداته للوثيقة مما استدعى قاضي المحكمة بإيقافه عدة مرات وقال له (أإذا لم تلتزم بقانونية المرافعة سوف يفصل عنك ميكرفون الصوت) وقال القاضي: (ياشرطي افصل الميكرفون) بعدها واصل عبدالرازق في تلاوة مرافعاته حتى تغيرت نبرة صوته واستأذن من المحكمة وطالب باعطائه قطرة ماء ليبلل بها حلقه   الا ان قاضي المحكمة فاجأه سريعا وقال له: (القاعة دي ما فيها موية) .
في ذات الوقت اعترض ممثل الاتهام عن الحق العام على اتهامات عبدالرازق للنائب العام، اضافة استشهاده بقضايا كفض الاعتصام التي ليست لها علاقة لها بالخطبة ولم ترد فيها او القضية، وهنا أوقفه القاضي وقال له: المحكمة لا تأخذ بما ورد في خطبة الاتهام والرد عليها من الدفاع وانما تأخذ بالبينات والحشاش يقدم بيناته.

رفض طلب وتعليل
ورفضت هيئة المحكمة المكونة من عضوية ثلاثة قضاة يترأسهم قاضي المحكمة العليا عصام الدين محمد ابراهيم وقاضي محكمة الاستنئاف محمد المعتز  والرشيد طيب الاسماء، رفضت استبعاد (4) وكلاء نيابة و(4) محامين قانونيين من تمثيل الحق العام في القضية الى جانب النيابة العامة، وبررت المحكمة رفضها لطلب دفاع المتهم الرابع والثلاثين و (10) آخرين من هيئة الدفاع عن المتهمين الا انها وبمراجعة ملف التحريات للدعوى الجنائية لم تجد استجواب اي من المحامين ووكلاء النيابة المذكورين في طلبات الدفاع باستبعادهم، وشددت المحكمة على ان يومية التحري كشفت عن المبلغ ويدعي حاتم الوسيلة الريح ، وليس المحامين القانونيين في الاتهام، ونبهت في ذات الوقت المحكمة الى انه بالفعل قد تبين لها ان المحامين المذكورين في طلبات الدفاع قد قدموا عريضة شكوى بالبلاغ لدى النيابة واقتصر دورهم بإبلاغ النيابة المختصة بواقعة البلاغ فقط، وبدورها قامت النيابة بالمواصلة بالتحريات الذي هو من حقوقها وسلطاتها المطلقة، واردفت المحكمة قائلة: بان تولي (4) وكلاء نيابة إجراءات التحقيق في الدعوى الجنائية لا يسلبهم حقهم في مباشرة الإدعاء امام المحكمة ، في ذات السياق نوهت المحكمة بانها من خلال اطلاعها على طلبات الدفاع والرد عليها من قبل الاتهام بوجود أخطاء شائعة والفاظ قانونية استخدمت في غير محلها، ودعت المحكمة طرفي الدعوى الجنائية مراعاة الدقة في تناول الألفاظ القانونية وفق القواعد القانونية المعروفة، ولفتت المحكمة الى ان المتهمين يواجهون اتهاما يتعلق بالحق العام ويكون فيه المبلغ شرطي او وكيل نيابة عكس قضايا الحق الخاص الذي يكون فيها الشاكي هو صاحب الحق وان الجريمة وقعت عليه، وأشارت المحكمة الى انه وبالتالي فان موقع من حرك اجراءات الدعوى الجنائية هو مبلغ وليس شاكيا كما ورد في طلبات الدفاع.
سيخرجون أنقياء
فى ذات السياق هاجم المحامى أبوبكر عبدالرازق، ممثلاً عن دفاع المتهم نائب الأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي إبراهيم السنوسي ،  خطبة الاتهام الافتتاحية التي تلاها النائب العام تاج السر الحبر خلال رده عليها، لافتا الى ان المتهمين سيخرجون أكثر عزيمة ومضاءً وقدرة يخطون السير الجديدة والفكر يبدلون حال العجز والفشل والشلل وعداً وقمحاً وتمني سيخرجون أنقياء كنقاء الذهب عندما تفتته النار لن يتساقط منهم أحد لان الأمر ليس عندهم ليس عرضا قريبا أو سفرا قاصداً بل مسيرة مطولة.
شيوعي ونشاط سياسي
وقام عبدالرازق بالترحم على روح الفقيد  المحامي علي محمود حسنين مقدم الشكوى في البلاغ بمعية آخرين، كما ترحم على روح الشهيد المعلم أحمد الخير، ووصفه بانه أيقونة الثورة، بالاضافة الى ترحمه على شهداء اعتصام القيادة العامة الذين قضوا نحبهم بموافقة الحاضنة السياسية للنائب العام وعجزت تحقيقاته في الوصول لمتهم في وقائع استشهادهم، فضلا عن  ان النائب العام لم يذكر نفسه كشاك في هذا البلاغ وان ذلك يمثل مخالفة صريحة لنص المادة (40) من قانون الاجراءات الجنائية لسنة 1991م والتي تنص بانه لا يجوز للضابط المسئول أو وكيل النيابة ان يتولى التحري في اي دعوى جنائية يكون هو طرفاً فيها أو تكون له فيها مصلحة خاصة ، مشدداً على أن النائب العام كون لجنة التحري واشرف على التحريات في كل مراحلها وأمر بإحالة أوراق البلاغ للمحكمة في مظهر احتفالي وزفة سياسية لتسليمه بنفسه في مؤتمر صحفي  في ظل غياب ممثلي دفاع المتهمين وانتهاك صارخ لمبدأ المساواة امام القانون ،فضلا عن ان لجنة التحقيق التي كونها النائب العام غالبها من سياسيين ينتمون للحزب الشيوعي وأحزاب اتحادية متعددة وكلهم خصوم للمتهمين، وفجر المحامي عبدالرازق مفاجأة داوية عن انتماء النائب العام تاج السر الحبر ، للحزب الشيوعي منذ أن كان طالبا بالجامعة أضافة الى نشاطه السياسي الصارخ الأمر الذي يتعارض مع احكام المادة (13/ج ) من قانون النيابة العامة الذي يمنعه أن يكون ناشطا سياسياً  الأمر الذي يجعل الحبر ، غير أهل لمنصب النائب العام لتقديم خطبة الاتهام لأن منصة العدالة للحيدة والنزاهة والاستقامة ولا كان لمثله ان يعتليها او يرتقي مرتقاها الصعب وهو الاقل من ان يوفيها شروطها، وأردف بقوله: لا يمكن لخصم ان يعتلي منصة العدالة باسم مستعار لتصفية خصومته السياسية ويلبس لبوساً غير الذي كان يلبس ويتزيا بزي جديد غير الذي كان يتزيا به، وابان بان العدالة أكرم من أن يمثلها صاحب مصالح متضاربة أو طرفاً في الدعوى او صاحب مصلحة فيها.
سنابك خيل الأجنبي
المحامي عبدالرازق، وخلال رده على خطبة الاتهام الافتتاحية شن هجومه اللاذع على الوثيقة الدستورية في الفترة الانتقالية للعام 2019م ووصفها بانها عبارة عن وقع سنابك خيل الاجنبي فرضا للوكلاء والعملاء على المجلس العسكري بالاكراه الملجىء لتظل عقدا سياسياً يشوبه عيب الإكراه وهو ذات المجلس الذي أتى ليقود انقلابا عسكريا على ظهر دبابة في (11 ابريل  2019م) وألغى بموجبه دستور (2005م الانتقالي)، واتهم عبدالرازق، سفارة الولايات المتحدة الأمريكية والسفارة الانجليزية بالخرطوم بجانب سفارتين لدولتين عربتين لم يذكرهما بفرضهم الوثيقة الدستورية بشكلها الحالي بالإكراه على المجلس العسكري مما تسبب في عزل القوى السياسية المؤثرة والحية، لافتا الى ان الوثيقة اجيزت بمعزل عن الشعب السوداني الذي يدعي النائب العام التحدث باسمه، واضاف بقوله: بان الوثيقة فرضت بمرسوم رئيس المجلس العسكري وقائد ثاني الانقلاب الفريق اول ركن عبدالفتاح البرهان.
إنتقام لا انتقال
ونبه عبدالرازق، الى ان الوثيقة الدستورية جاءت خالية من القاعدة القانونية التي تتعلق بالتجريد والعموم بحيث تناولت الأشخاص بصفاتهم لا باسمائهم والوقائع بشروطها إرساء لمبادئ المساواة والعدالة وحقوق الانسان بين الجميع من تجريد القاعدة القانونية ،واردف قائلاً: (بان تفصل الوثيقة الدستورية على شخص أو طائفة أو حزب فهو ما تنكره كل الشرائع القانونية، مشيرا الى أنها نوايا استهداف للخصوم السياسيين بجانب انها لم تصدر من الشعب السوداني ولا تمثله ولن يستفتى عليها ولا تمثل عهدا لابنائه، موضحاً بان الوثيقة صدرت عن سلطة دكتاتورية أتت عن طريق الانقلاب وأرغمت من هو أقوى منها ان تعقد زيجة سياسية تحت وطأة الإكراه الملجئ   كما ان شكلها لا يتسق مع فن صياغة الوثائق الدستورية، بجانب انها من حيث الموضوع عبارة عن عقد شراكة بين طرفين فقط لا عهد أمة، وأوضح عبدالرازق بقوله: (بان غالبية نصوص الوثيقة تفتقد لأصول فن الصياغة وجاءت نصوها نصوص انتقام لا انتقال وأحالت الامة الى اصطفافات ايدولوجية وبدلت نعمة الله لا أقول كفرا حتى لا يقال إننا نكفر الناس جريا على ظلال الكلمة الاجتماعية والسياسية والثقافية.
انقلاب ليس على الديمقراطية
وأوضح عبدالرازق، ان انقلاب 30 يونيو 1989م لم يكن على الديمقراطية والتدوال السلمي للسلطة كما تدعي الخطبة فقد نفذت أحزاب الشيوعيين والبعثيين والناصريين والاتحاديين انقلابهم الذي قادته القيادة العامة للقوات المسلحة برئاسة الفريق فتحي احمد علي ،وعضوية هيئة الأركان التي يوجد بها عبدالرحمن سعيد .وشدد على انقلاب 89م كان انقلابا على القيادة العامة ولم يكن نظاما ديمقراطيا قد انتهى بمذكرة الجيش.
وحول وصف النائب العام للمتهمين في الخطبة بعدم الادلاء بأقوالهم في التحريات بانه إصرار على الحنث العظيم افاد عبدالرازق بان هذا الوصف ينطبق على الذي كان شاكيا في البلاغ ثم مكونا للجنة التحقيق ثم نائبا عاما يعتلي منصة المحاكمة، وتساءل عبدالرازق هل يعتبر ذلك هو الوفاء بالقسم والأداء بعهد العدالة وأمانتها؟ ثم اضاف بقوله: (بانه كان على النائب العام اخلاقيا ً التنحي وان يدع الأمر لنائبه ليكون لجنة تحقيق محايدة يشرف عليها حتى يدلي المتهمون بأقوالهم امام العدالة لا أمام خصومهم السياسيين.
الحبر وشركة النيل
وختم المحامي أبوبكر عبدالرازق، رده على الخطبة قائلا: بان النائب العام دفع في خطبته بان جريمة تقويض النظام الدستوري هي جريمة مستمرة في قانون العقوبات السوداني لسنة 1983م علما بان القانون السوداني الإجرائي والموضوعي لا يعرف الجريمة المستمرة اطلاقا عبر طريقه وهذا ما ظلت ترسوه السوابق القضائية بحد تعبيره ،لافتا الى ان أحزاب  قحت أورثت خيبة وخبالا وأحلت بالأهل دار البوار كلها قد شاركت الانقاذ في الأجهزة التشريعية وبأمر الرئيس المعزول البشير (المتهم الثالث) في القضية – وبل ان النائب العام تاج السر الحبر ، كان نفسه كان مستشارا قانونيا ومحاميا لشركة النيل الكبرى للبترول احدى شركات الإنقاذ بموافقة أو رضا جهاز الامن والمخابرات، واضاف بقوله: (ان كانت هناك جريمة مستمرة فالنائب العام وحاضنته السياسية  أحد ملامح هذه الجريمة المستمرة وكان ينبغي ان يكون متهما في هذا البلاغ، مؤكدا بان انعقاد المحكمة جاء مخالفا لنص المادة (52) من نص الوثيقة الدستورية ولا ينعقد لها اختصاص وموالاة السير فيها كما ان السلطة القضائية غير مختصة من حيث الأصل بمصير هذه الدعوى التي انقضت بموجب التقادم وما كان لها ان تفتح ابتداء لولا الدواعي السياسية بذلك.
مخالفة وباطلة
في ذات السياق قدم المحامي تاج السر عكاشة ،ممثلاً لدفاع المتهم السادس عشر اللواء معاش عبدالله عبدالمطلب، وطالب  في رده على خطبة الاتهام الافتتاحية بشطب الاتهام والدعوى الجنائية في مواجهة موكله  لعدم تقلده اي منصب وزاري او دستوري طوال الثلاثين عاما الماضية  ، موضحا بان المتهم السادس عشر موكله كان ضابطا بالقوات المسلحة التحق بها في 16/8/1970م وعند قيام الانقلاب كان ضابطا برتبة عقيد وتدرج فيها حتى وصل رتبة اللواء ثم أحيل للتقاعد في (30/3/2002م )، وأردف المحامي قائلاً: بما ان المتهم عسكريا فهو خاضع لقانون القوات المسلحة وتقاعد للمعاش وبالتالي لا يخضع للمساءلة وتنتفي ضده اي مسائلة قانونية او جنائية.
وأرسل المحامي عكاشة، صوت لوم في رده على الخطبة لوكيل النيابة المشرف على إجراءات التحقيق في البلاغ لتوجيه تهمة للمتهمين العسكريين بورقة اتهام منفصلة بمخالفة قانون العقوبات لسنة 1983م وقانون القوات المسلحة لسنة 1986م ووصفه بانه إجراء باطل ومخالف للقانون ولمبدأ الشرعية لا سيما وان المتهمين العسكريين يخضعون لقانون القوات المسلحة ،والذي نص على ان ارتكاب اي نظامي بالخدمة مخالفة لقانون العقوبات او اي قانون آخر داخل البلاد او خارجها تتم محاكمته وفقا لقانون القوات المسلحة دون سواه ، مشددا على ان إجراءات محاكمة اي من منسوبي القوات المسلحة ومنسوبيه يعتبر من المعلومات السرية التي لايجوز افشاؤها وفقا لنص المادة (96) من قانون القوات المسلحة.
جلسة  الفصل
في ذات الاتجاه قررت المحكمة تحديد جلسة اخرى في (8/ من ديسمبر المقبل (للفصل في بقية طلبات طرفي الدعوى الجنائية المودعة امامها ، وشددت المحكمة على انها لن تنظر في طلبات سبق وان تم الفصل فيها وضربت مثالاً بالطلبات المتعلقة بسقوط الدعوى الجنائية ضد المتهمين للتقادم الذي سبق أن فصلت فيه المحكمة سابقاً.




اترك تعليق