تل أبيب.. طرق جديد للأبواب




الخرطوم: أحمد طه صديق

قبل عدة سنوات خلت إبان العهد المايوي برئاسة جعفر نميري، قال لي أحد نواب البرلمان الذي كان صديقاً لفيليب غبوش، إنه سأله في ساعة صفاء عما إذا كان قد زار إسرائيل حقاً أم لا، فأكد له بشجاعة إنه بالفعل كان هناك قبل سنوات، والحدث لم يكن حدثاً معزولاً بالنظر إلى علاقة العديد من الحركات المسلحة بإسرائيل بحثاً عن الدعم، ففي الوقت الراهن هناك العديد من الحركات المسلحة لديها مكاتب في إسرائيل، وربما حركة تحرير السودان بزعامة عبد الواحد محمد نور كانت الأسبق، ولهذا يرى العديد من المراقبين أن شفرة موافقة عبد الواحد على الدخول في مفاوضات مع الحكومة لا تملكها إلا إسرائيل بالرغم من النزعة اليسارية لخطابه السياسي، ولذلك كلما توطدت علاقة إسرائيل بالخرطوم اقترب وصول الحكومة مع عبد الواحد لتفاهمات فاصلة .

تل أبيب على الخط
يبدو أن إصرار إسرائيل على إكمال عملية التطبيع مع السودان لا تحدها حالياً حدود، فبالرغم ظروف جائحة (كورونا) والأوضاع الانتقالية غير الواضحة بعد توقيع السلام مع الجبهة الثورية، الا أن إسرائيل تدرك أبعاد التحولات السياسية على الخريطة التي أفرزتها عملية السلام وبعد الأحزاب اليسارية عن الملعب السياسي المؤثر وقرب حدوث التشكيل الوزاري والسيادي الجديد وما سيفرزه من مستجدات شبه انقلابية، وكلها جعلت إسرائيل تستبق الإجراءات الرسمية التي ستضفي لا محالة الى التطبيع كواقع ملموس بعد تشكيل المجلس التشريعي المتوقع، فآثرت اتخاذ خطوات استباقية من شأنها ان تجعل التطبيع أمراً محسوساً على الأرض يلمسه المزارع في محصوله قريباً، ويشعر به المستثمرون عبر شراكاتهم مع نظرائهم الإسرائيليين، فقد حملت الأنباء أول أمس أن وفداً أمنياً إسرائيلياً سيزور الخرطوم خلال الأيام القادمة لبحث اتفاقيات التعاون الأمني مع السودان، وقالت صحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية إن ماعوز مستشار رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لشؤون العالم العربي واحد عملاء الشاباك (وكالة الأمن الأسرائلية) سيترأس الوفد الذي سبق ان زار السودان في اليوم السابق لإعلان بدء إقامة العلاقات ووضع التفاصيل النهائية للاتفاق، كما اشارت الصحيفة الى أن وفداً اقتصادياً وفنياً سيصل الخرطوم خلال أسابيع، وسيناقش قضايا الري والزراعة التي تمتلك فيها إسرائيل التكنولوجيا المتقدمة وقد استفادت منها حتى الدول المتقدمة .
مستقبل العلاقات بعد رحيل ترامب
ويرى كثير من المراقبين أن خطوات التطبيع مع إسرائيل ستمضي إلى نهاية الشوط، كما أن البيت الأبيض بعد رحيل ترامب ودخول الوافد الجديد بايدن لن يمنع خطوات رفع السودان من قائمة الإرهاب أو المضي قدماً في سياسة التحفيز الاقتصادي للخرطوم، على خلفية عمليات التطبيع الجارية الآن بين تل أبيب والخرطوم، وكان موقع (ناشونال انترست) المُختص في السياسة الخارجية الأمريكية، قد اكد دعم إدارة الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن السودان اقتصادياً لحماية صفقة التطبيع بينه وبين إسرائيل من التوقف أو حتى الانهيار، وقال: (يأتي تعزيز التطبيع السوداني الشامل مع إسرائيل متسقاً تماماً مع تصريحات فريق بايدن الأخيرة حول دبلوماسية الشرق الأوسط، كونها تُمكِّن من دفع السلام بين إسرائيل والفلسطينيين)، في وقت تعهّد فيه أحد كبار مُستشاري السياسة الخارجية لبايدن انتوني بلينكين أخيراً بأن إدارة بايدن ستواصل السعي والدعوة للتطبيع بين الدول العربية وإسرائيل، واعتبر أن من شأن قيام دول عربية إضافية بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل، منح الإسرائيليين ثقة أكبر للمضي قدماً مع الفلسطينيين وإرسال رسالة إلى الفلسطينيين، مفادها أنّ عليهم الانخراط فعلياً والتفاوض بطريقة هادفة، ونوه الموقع بحسب صحيفة (الصيحة) بأنّ إدارة بايدن ستعمل على دعم الخرطوم اقتصادياً لضمان استمرار التطبيع وتطويره، واعتبر أنّ فرض التطبيع على الشارع السوداني دون دعم اقتصادي فاعل سيجبر الحكومة على الاستجابة للأصوات الرافضة للتطبيع ومن ثم الانسحاب منه كما فعلت دول عربية سابقاً، وطالب إدارة بايدن بدعم اتفاق التطبيع لضمان استدامته، وقال إنه في حال لم يتم تعزيزه بشكلٍ مُناسبٍ، فإنّه مُهدّدٌ بالتوقُّف أو حتى الانهيار، وأوضح أن استمرار التحول الديمقراطي في السودان والتطبيع مع إسرائيل يعتمدان بشكلٍ أساسي على التقارُب بين الخرطوم وواشنطون وخاصة في ملفي رفع البلاد من قائمة الإرهاب والدعم الاقتصادي الأمريكي المباشر.
أخيراً:
من الواضح أن التطبيع مع إسرائيل بات أمراً واقعاً ينتظر البصمة النهائية من المجلس التشريعي الجديد الذي ستقود تركيبته إلى الموافقة رغم بعض الأصوات هنا وهناك، ولكن الكلمة الأخيرة ستشير الى أن كلمة (نعم) ستكون هي الفيصل النهائي لتمرير القرار التاريخي الذي فرضه واقع السودان المتأزم الباحث عن الدقيق والوقود والدواء، ويحاصره سيف العقوبات القاسي .




اترك تعليق