الرياضة.. تسجل أهدافاً في مرمى السياسة




الخرطوم: أحمد طه صديق
في أحد احتفالات مدرسة حنتوب الثانوية سابقاً بيوبيلها الفضي، حرص الرئيس الراحل نميري المحب للرياضة والمفاجآت، على أن يسجل دعوة لزميل الدراسة محمد إبراهيم نقد زعيم الحزب الشيوعي، والذي كان آنذاك متخندقاً في مخبئه، للمشاركة في الاحتفال، وبالفعل لبى (نقد) الدعوة وشارك في المباراة الاستعراضية مع خصمه اللدود وزميل دراسته نميري. وبعد المباراة عاد إبراهيم نقد لمخبئه الذي لم يكن مجهولاً لدى أجهزة أمن النظام المايوي، ولكنها كانت تفضل أن يظل الزعيم الشيوعي محصوراً في كهف اختياري يحد من حراكه السياسي ويكشف لهم الكوادر السرية من الحزب التي تزوره،
لكن حب الرئيس نميري للرياضة وبحثه عن الألق السياسي من خلالها تمثل أكثر في رعايته مباراة تنافسية بين فريقي القمة الهلال والمريخ للتنافس على كأس من ذهب. وكان نميري يحرص على مشاهدة المباراة عبر التلفاز وتقديم الكأس والجوائر، لكن في إحدى هذه المنافسات حدث شغب جماهيري بحضور النميري في عام 1977م, الأمر الذي أغضب النميري ودفعه لإلغاء الأندية الرياضية والاستعاضة عنها بما سماها الرياضة الجماهيرية، لكن سرعان ما تراجع عن القرار بعد حوالى عام وأعاد النشاط الرياضي. الا أن العديد من اللاعبين وقتها كانوا قد هاجروا خارج السودان، وتأثرت المستويات الفنية لدى العديد من الأندية وانعكست على نتائج الفرق في المنافسات الخارجية والمنتخب الوطني .
ولا شك أن الرئيس نميري أدرك حجم السخط الشعبي الكبير بعد قراره الأهوج بإيقاف النشاط الرياضي، سيما أن فريقي القمة الهلال والمريخ يمتلكان رصيداً جماهيرياً كبيراً، فأدرك النميرى أن القرار سبب له استنزافاً للنقاط السياسية، وأن معاندة المستطيل الأخضر لا تعني سوى الخسارة في ملعب السياسة .
التزلف في بلاط الرياضة
ربما كان نظام الإنقاذ البائد يعد من أكثر الأنظمة التي حاولت استغلال الرياضة لمكاسب سياسية، فقد مدت أياديها الأخطبوطية تجاه الاتحادات الرياضية بكافة انواعها المختلفة، بل عمدت في إحدى السنوات إلى إبعاد القطب الرياضي والإداري المخضرم بروفيسور كمال شداد من اتحاد الكرة، ويقول السباح كيجاب المقرب من نائب رئيس البشير الزبير محمد صالح، إنه كان معه ذات يوم والزبير يمارس هوايته المحببة السباحة، وإنه عندما فرغ طلب منه أن يصدر أمراً بعودة شداد للاتحاد، وكان شداد على خلاف مع رئيس المجلس الأعلى للرياضة العقيد آنذاك يوسف عبد الفتاح، فقال له الزبير في ما معناه (نحن ما بنخذل زولنا لكن خلي شداد يمشي المحكمة)، والمحادثة القصيرة كانت من شأنها أن تفتح الأبواب المغلقة في المحاكم، وأن يمتلك بعدها شداد بطاقة الدخول في الاتحاد بأمر قضائي .
غير أنه خلافاً للتدخلات السافرة من قبل نظام الإنقاذ في الشأن الرياضي، كانت رموز النظام تتهافت مسرعة عند حدوث أي انتصار كروي خارج الحدود لأحد الأندية أو المنتخب الوطني، بل أنه عندما فاز فريق المريخ بكأس سيكافا (مانديلا) حرص وزير الشباب والرياضة على أن يكون داخل الطائرة مع أفراد الفريق المنتصر، بل ربما كان حاملاً للكأس لمقابلة الحشود الضخمة في مطار الخرطوم، أما الرئيس المخلوع فقد حرص على دعوة فريق أطفال بطولة (جيم) الذين ظفروا بالبطولة بجدارة واستحقاق، وتكريمهم داخل القصر الجمهوري، وبالطبع أن تحفيز الفرق التي تحقق إنجازاً باسم السودان أمر مطلوب، لكن يظل هناك فرق بين الدعم الخالي من المظاهر السياسية والدعم المتضخم بالبربقاندا الانتهازية والموغلة في مياه السياسة .
أهداف في ملعب السياسة
أمس الأول فاز المنتخب الوطني على نظيره الغاني عبر ملحمة تاريخية ذرف فيها المشاهدون الدموع، وتحركت شلالات الفرحة من كوامن الحزن والإحباط في خضم الأزمات الحرجة التي تمر بها بلادنا من نقص في الدقيق والمواد البترولية والدواء، ومهددات أمنية تطل برأسها من حين إلى آخر، فبعد كل ذلك الركام القاسي شقت الابتسامات والفرح وزغاريد النساء طريقها عنوة، وخرجت وسائل التواصل الاجتماعي من موجات الإحباط واليأس وهي تتمسك بأمل أخضر قادم، وتنعي مرحلة من الفشل والإخفاق الرياضي المتوارث تسبب فيه قادة سياسيون وأقطاب رياضيون وتنافس رياضي غير نظيف في معتركات الانتخابات الرياضية .
فإذا كان السياسيون في هذا العهد قد فشلوا في الاصطفاف الوطني الشفاف وقدموا تجربة تحمل في أحشائها استقطاباً للانقلابيين والطامعين في سدة الحكم ودعماً للقوى الظلامية التي لم ترو شبقها في السلطة رغم العقود الثلاثة، فإن انتصار السودان الكروي أول أمس يعني أن الروح الوطنية كامنة في الوجدان الجمعي، وأن تلك الإرادة لا يمكن تليينها وتجييرها لأنها تحمل جينات شباب ديسمبر بصدورهم العارية وهم يواجهون رصاص القنص اللئيم .
فالنتيجة أمس الأول نقاطاً مستحقة لصالح الرياضيين وأهدافاً ملعوبة في مرمى السياسة .




اترك تعليق