شــــــــوكــة حـــــــــوت الخرطوم لم تعد كما كانت – صحيفة الوطن الإلكترونية



ياسرمحمدمحمود البشر

للخرطوم (قريفة) من نوع خاص و(تمومة كيف) عندما كانت الخرطوم تتوضأ من نيليها الأبيض والأزرق لتصلى الصبح حاضراً حينما يسبقها صوت المؤذن من أعلى المآذن حىّ على الصلاة حىّ الفلاح والصلاة خير من النوم وحينما كانت الخرطوم بمدنها الثلاث تعرف الطمأنينة والرحمة وحتى مجرميها كانوا يتمتعون بقدر وافر من الأخلاق والكرم والشهامة حينما كان إنسان الخرطوم أنيق المظهر والمنظر والجوهر حينما كان أى بيت فى الخرطوم يستقبل عدد كبير من الضيوف عندما كانت النفوس أوسع من مساحات البيوت وكان أهل البيت لا يحملون من الهموم إلا هم إكرام الضيف بالحد الذى يشعرهم بالرضاء من أنفسهم تشبعت النفوس بالراحة النفسية وكل شئ فى متناول اليد وإذا ما قصر الحال فإن أقرب الجيران هو الأخ والخال والعم والضل الرهين (عندك ما عندك ما تشيل هم) عندما كانت الخرطوم رئة يتنفس عبرها العشاق لقضاء أجمل أيام العمر وتظل الزكريات باقية وخالدة ويبقى الغناء (لمتين يلازمك فى هواه مر الشجن).

كانت ومازالت مدن الخرطوم الثلاث تغمس أرجلها فى النيل وتداعب خصلاتها رياح الجمال وكانت زيارة حديقة الحيوان فرض عين ومداعبة التاريخ والعراقة والدخول إلى المتحف القومى قمة سنام الإعتزاز بإرث تاريخى تجاوز عمره السبع آلالاف سنة وتبقى الآثار أكبر دليل على ذلك ومن ثم يرنو نظرك نحو حدائق المقرن العائلى وهى تشد الإنتباه وما أجمل تنظيم لحظات الإنتظار ليأتى يوم الجمعة لتشد الرحال إلى حدائق المقرن وأنت تردد فى صمت جهير من الأسكلا وحلّ دمعى للثياب بّلْ ثم حدائق مايو التى تحولت إلى حدائق أبريل ولم يتم تحويلها ٤لتصبح حدائق يونيو فللثورات نصيب من الأسماء للأماكن العامة والمتنزهات وما أجمل لحظات الدخول إلى السوق العربى والمشى بتؤدة بشارع الأمم المتحدة والدخول إلى زنك الخضار ومن ثم الذهاب إلى السوق الأفرنجى وقبل ذلك ترى الواقفين تحت شجرة مظاليم الهوى تلك الشجرة التى كانت تقع فى الناحية الجنوبية الشرقية لمول الواحة الحالى وغرب موقف مواصلات أم درمان الواقعة غرب الجامع الكبير وكم من عاشق إنتظر الساعات الطوال تحت شجرة مظاليم الهوى وعاد بخفى حنين وهو لا يدرى أنه مرصود من قبل سلطان العاشقين.

كانت الخرطوم تتنفس ثقافة وإبداع وجمال وظهرت ثنائيات من لدن الإذاعة والتلفزيون وصديق أحمد حمدون وعبدالله الطيب ولسان العرب والفاتح الصباغ وأحمد سليمان ضو البيت والهلال والمريخ والموردة وعثمان حسين وحسين بازرعة ومحمد وردى وإسماعيل حسن والنقر فى الهلال وسامى عزالدين فى المريخ وجكسا وعلى قاقرين وثنائى العاصمة وأبوعركى ومحمد الأمين وعلى المك وصلاح أحمد إبراهيم وكانت الوصية وشجن وحى العرب وإبراهيم عوض وحكايتى مع الملام طالت الكاشف وغيرهم كثر تزدحم بهم الذاكرة ولا يتسع المجال لذكرهم ويا حبيبى أنا فرحان بيك أحمد المصطفى والجاغريو وسيد خليفة وخلف الله حمد وبادى محمد الطيب وأحمد الطيب وصلاح إبن البادية.

كان سكان الخرطوم يخافون الله بالفطرة فالتاجر صادق صدوق والموظف محترم والمعلم محل تقدير وإحترام ومهابة يتخذ المواطن قيمته مما يقدمه لمجتمعه ولوطنه وكانت السياسية قيم وأخلاق ومبادئ وليست لعبة قذرة لذلك تم ميلاد الديمقراطية فى الميزان والفردوس المفقود وطائر الشوم وتبر وتراب ضمت الخرطوم بين جوانحها كل السحنات والأجناس فعاشوا فى إخاء فلا يعرف الجار قبيلة جاره أو أصله وفصله إنما يعرفه بأخلاقه فقط عندما كانت القاهرة تكتب وبيروت تطبع كانت الخرطوم تقرأ وتقرأ حتى الثمالة وتتم عملية تفريغ المنتوج الأدبى بالمنتديات الثقافية والأندية وكانت بيوت الأفراح والأتراح عبارة عن مسرح للتكافل الإجتماعى بعيدا عن المظاهر الخداعة والنفاق والزيف الإجتماعى ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

نــــــــــص شــــــــوكــة

لم تعد الخرطوم كما كانت بعد أن فشل مشروع زيرو كوش زيرو عطش وأصبح الإنتماء للقبيلة أعمق من الإنتماء للوطن وضاقت النفوس ولم نعد نحتمل بعضنا البعض وغابت الحكمة ولم يعد رأيك صوابا يحتمل الخطأ ولم يعد رأي اخيك خطأً يحتمل الصواب وضاقت صدور الرجل وتفرقوا إلى أكثر من مائة حزب وأصبحت عملية تفعيل العضلات وتعطيل المنطق هى الخيار الأقرب ما عادت الخرطوم هى ذاتها أصبحت عصمتها فى يد السماسرة يحددون الأسعار وفق هواهم فى كل شئ وفقدت الخرطوم ألقها وبريقها وعزها وأصبح إنسانها غريب يبحث عن ذاته.

ربــــــــع شــــــــوكــة

الخرطوم تعمر عَمَار تصل سوبا ……… والباقى تموا خيال.

yassir.mahmoud71@gmail.com


اترك تعليق