السودان: محجوب مدني محجوب يكتب: بين الولاء الضيق والولاء للوطن




تجدهم يوقفون الدنيا ولا يقعدونها على قضية يزعمون انها تمس الوطن، وتمس حماه، وخطر عليه غاية الخطورة.
ويظهرون، ويدللون، ويرسلون الرسائل بشتى الطرق من أجل الحذر منها، ومن أجل خوفهم على الوطن وخوفهم على ضياعه.
وتظهر قضية أخرى أخطر من القضية التي طرحوها بمراحل، وخطورتها لا تحتاج إلى إثبات، وإلى دليل، ولكنهم رغم ذلك يمرون عليها مرور الكرام، ولا يشيرون إليها مجرد إشارة.
هذه المفارقة سببها واضح، وبين وهو أنهم يضخمون القضايا، ويشيرون إلى خطورتها إذا كانت تخدم ولاءهم، ويتناسون ويتجاهلون القضايا، وإن كانت ظاهرة ظهور الجبال؛ لأن ظهورها ووضوحها والإشارة إليها يضعف ولاءهم.
هذه كل المسألة، فقضايا الوطن صغيرها، وكبيرها، وحقيقتها، وشائعاتها تدور حول فلك الولاء الضيق، ولا تدور حول فلك الوطن.
قضية تمس النظام السابق ويمكن أن تدمر الوطن بكامله لا يلتفت إليها، ولا يتحدث عنها، وقضية تمس الحكومة الانتقالية تقام لها الدنيا.
فخطورة القضايا عندنا في السودان، وظهورها إعلاميا ليس بسبب حالتها، ودرجة خطورتها، ووصفها، وإنما بسبب مصدرها، فإن كان مصدرها يدعم الولاء الضيق، فهذه قضية عظيمة، وخطيرة وسوف تدك السودان دكا، وإن كانت شائعة، ولم يتحقق من صوابها بعد.
وإن كانت القضية لا تدعم الولاء الضيق فهذه القضية لا تستحق الوقوف عندها، وليست ذات أهمية، وإن كانت تفاصيلها تقشعر لها الأبدان، ونتائجها تسير بها الركبان .
أي سخف، وأي متاجرة بقضايا الوطن يستخدمها من يدعون الوطنية وحب الوطن؟؟؟
بل يذهب بهم الأمر إلى أبعد من ذلك، فهم يثيرون قضية غلاء المعيشة وصفوف العيش، والبنزين إن كانوا لا يمثلون الحكومة أما إن كانوا يمثلون الحكومة، فهذه الأمور يعتبرونها سخيفة وبسيطة، ومن يتناولها ليس له موضوع، وساذج.
وصار الوطن بذلك هو الذي بلا قضية، وبلا وجيع فقضاياه يتم تناولها حسب ما تقدمه من خدمة للولاء الضيق، فإن كانت تخدمه، فهذه أم القضايا، وإن كانت لا تخدمه فلا يلتفت إليها.
وهكذا تسير المسيرة في كل الاتجاهات، فإن ظهر حل في الأفق يمكن به أن يفك شفرة من شفرات السودان المستعصية وقف في وجهه، وهوجم، وسخر منه أشد السخرية لا لشيء إلا بسبب عدم خدمته للولاء الضيق.
ويكثر الحديث عن الموقف المقابل له لا لشيء إلا بسبب أنه يخدم ذلك الولاء.
تقسم الوطن أشلاء بسبب الولاء الضيق.
تشتت المصانع، والمزارع والموانئ بسبب الولاء الضيق.
هاجر الأكفاء وشردت المؤهلات، وحلت محلهم الدهماء والجهلاء بسبب الولاء الضيق.
دافعوا عن ولائكم الضيق.
اجمعوا له القضايا التي تدعمه، وتجاهلوا القضايا التي تضعفه أو تهمشه.
لكن الشيء الذي لن تستطيعوا أن تصلوا إليه هو إقناع أحد بذلك، فالكل أدرك هذه التمثيلية، واللعب بقضايا الوطن، وتكرارها يوميا أصبح مملا وباردا وسمجا.




اترك تعليق