تقارب سوداني أميركي وقاعدة روسية.. خبراء يفسرون تحركات السودان


مباحثات سودانية-روسية لإنشاء قاعدة بحرية على البحر الأحمر، بالتزامن مع انفتاح الخرطوم على كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، ينذر بتعقيدات مستقبلية كما يرى مراقبون.

وتأتي أنباء إنشاء القاعدة الروسية في السودان، بالتزامن مع انفتاح السودان مع الولايات المتحدة الذي تمثل في تطبيع العلاقات مع إسرائيل ودفع التعويضات لضحايا العمليات الإرهابية وإزالة السودان من القائمة الأميركية للإرهاب.

وتعتزم موسكو تأسيس مركز لوجستي للبحرية في السودان، بموجب اتفاق يحمل توقيع رئيس الوزراء ميخائيل ميشوستين، ويعود تاريخه إلى السادس من نوفمبر، لكن تم الإعلان عنه هذا الأسبوع.

المحلل السوداني، عثمان ميرغني، قال لموقع الحرة إن التفاهم السوداني-الروسي الأخير، ليس الأول من نوعه، فقد سبق وأن تشاور السودان مع الاتحاد السوفيتي لبناء قاعدة عسكرية مطلة على البحر الأحمر.

وأضاف ميرغني “بدأ الأمر في عهد الرئيس السابق عمر البشير، فخلال زيارته الشهيرة إلى موسكو ومقابلته للرئيس فلاديمير بوتين، طلب منه الحماية ضد معسكر الولايات المتحدة، وطلب بالتحديد أن يكون لروسيا قواعد عسكرية، ومنذ تلك اللحظة حصل تفاهم بين البلدين، خصوصا وأن السودان يعتمد بشكل أساسي وإلى هذه اللحظة على السلاح الشرقي من روسيا والدول الأخرى التي كانت تتبع الاتحاد السوفيتي في الماضي”.

لكن، أشار المحلل السوداني، إلى أن التفاهمات الروسية السودانية الأخيرة بخصوص القاعدة البحرية، لم تكتمل بعد، وإنها في طور الدراسة، مضيفا “يبدو أن السودان يتجه لنوع ما من إيجاد حماية خارجية لشواطئة وحدوده الشرقية، وسط التداخلات الإقليمية وفي ظل التوترات على الحدود الشرقية مع إثيوبيا”.

وتشهد حدود السودان تدفقا للاجئين الإثيوبيين، على خلفية الصراع الإثيوبي الداخلي، بين جبهة تحرير تيغراي الانفصالية، وسلطات أديس أبابا المركزية، والذي راح ضحيته المئات حتى الآن، فضلا عن نزوح الآلاف.

ولفت ميرغني إلى أنه كان يوجد حديث في السابق عن قاعدة تركية (في عهد البشير)، واليوم عن قاعدة روسية، الأمر الذي يشير إلى أن السودان يتجه إلى نوع من التحالفات العسكرية وليس السياسية، مع بعض الجهات، التي يمكن أن تعزز من قدراته الدفاعية، خاصة وسط حالة الضعف التي تعتبر القوات الجوية والدفاع الجوي والبحري السوداني.

قاعدة محدودة

ويعتقد المحلل السوداني، أن هذه القاعدة في حال إنشائها، لن تتطور لتصبح قاعدة عسكرية كاملة، فحتى الآن الحديث عن قاعدة لوجستية لدعم البحرية الروسية، وليست قاعدة عسكرية دفاعية كاملة، والحجم الذي تتحدث عنه روسيا مساحة محدودة، بل ربما مجرد مرفأ على الضفاف السودانية يسمح للسفن الروسية بإعادة التموين والصيانة والعمليات البسيطة.

ووفقا لنص الاتفاقية السودانية-الروسية، سيستوعب المركز اللوجستي البحري ما يصل إلى 300 جندي وموظف. وستكون القاعدة قادرة على استيعاب ما يصل إلى أربع سفن بحرية، بما في ذلك السفن المزودة بتجهيزات نووية.

ويقول موقع “ديفنس نيوز” إن الحكومة السودانية ستزود روسيا بالبنية التحتية اللازمة للموانئ وقطعة أرض مجانية، ونص الاتفاق على أنه سيُسمح لروسيا بنقل “أي نوع من المعدات العسكرية أو الذخيرة أو المواد” عبر الموانئ السودانية المطلوبة للمركز.

وسيعمل المركز تحت الولاية القضائية الروسية، وستستمر الاتفاقية لمدة 25 عاما، مع خيار تجديدها لمدة 10 سنوات أخرى.

وتتطلع موسكو إلى زيادة نفوذها في إفريقيا التي تتمتع بثروة معدنية كبيرة ولديها أسواق مربحة محتملة للأسلحة روسية الصنع. واستضافت السلطات الروسية في 2019 أول قمة بين روسيا وإفريقيا والتي عقدت في سوتشي.

أما جيبوتي، التي تقع أبعد باتجاه الجنوب الشرقي وتتميز بموقع استراتيجي عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر على الطريق إلى قناة السويس، فتستضيف قواعد بحرية صينية وأميركية وفرنسية، في حين تستخدم قوات بحرية أخرى كثيرا موانئها.

تضارب صلاحيات

محللون آخرون يرون أن هناك تضاربا في صلاحية اتخاذ قرار إنشاء القواعد العسكرية في السودان، فمن ناحية سياسية يفترض أن تتولى وزارة الخارجية التابعة لمجلس الوزراء برئاسة عبد الله حمدوك، التفاوض باسم السودان في أمر هكذا.

لكن ما يحدث، هو أن وزارة الدفاع التابعة للمجلس السيادي برئاسة فريق أول، عبد الفتاح برهان، هي التي تتولى المحادثات مع موسكو بخصوص القاعدة البحرية، ما قد ينذر بخلاف بين الطرفين، كما يرى الكاتب السوداني يوسف الجلال.

وقال الجلال لموقع الحرة “الراجح الآن، أن هذه الخطوة (المباحثات)، أقرب إلى وزارة الدفاع السودانية، لأنها هي من تتفاوض مع وزارة الدفاع الروسية، ومن الراجح أن يكون لمجلس الوزراء كلمة ضد هذه الخطوة، لأن التشريع في السودان منقسم بين مجلس السيادة ومجلس الوزراء”.

وتنص الوثيقة الدستورية المنظمة للفترة الانتقالية في السودان، على أن يتولى مجلس السيادة ويدير الأمور العسكرية للدولة، فيما يتولى مجلس الوزراء الشؤون الخارجية الموكلة بطبيعة الأمر لوزارة الخارجية التابعة له.

ويرى الجلال أن القاعدة الروسية في السودان قد تضر حالة التقارب السوداني-الأميركي، خاصة فيما يتعلق بإزالة اسم السودان من قائمة الإرهاب، الأمر الذي يعطل دخول الاستثمارات إلى الأراضي السودانية

وفي أكتوبر الماضي، وعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بشطب السودان من القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب، وذلك بعد موافقة الخرطوم على دفع مبلغ 335 مليون دولار كتعويضات لأسر ضحايا الإرهاب، وذلك بعد أيام أيضا من إعلان اتفاق سلام العلاقات السودانية الإسرائيلية.

من جانبه، اعتبر السودان أن الإعلان الأميركي حول الاستعداد لشطبه من قائمة الدول الراعية للإرهاب يؤهله لكي يعفى من ديون بقيمة أكثر من 60 مليار دولار في ظل أوضاع اقتصادية متردية في البلاد.

سر التقارب السوداني-الأميركي

الباحث السياسي الأميركي بمركز “نيو أميركا فاونداشن” للدراسات السياسية، جيرمي هودج، يرى أن سبب القرارات السودانية التي تبدو في ظاهرها متناقضا، هو ميل النظام السوداني الجديد نحو الإمارات.

وقال هودج لموقع الحرة “إن النظام السوداني مدعوم بقوة من قبل الإمارات، وتحاول الخرطوم إعادة صياغة سياستها الخارجية، وعلاقاتها، بما يتوافق مع راعيها الأساسي (الإمارات)”.

وتابع هودج “هذا أيضا يشمل، روسيا، وإسرائيل، والولايات المتحدة، تلك الدول تتمتع الإمارات بعلاقات جيدة معهم. كل هذه العلاقات تخدم السودان، وعلى الرغم من وجود توترات روسية-امريكية بشكل عام، فإنه قد لا يؤثر ذلك على الحالة السودانية في المدى القريب”.

“تفضل الولايات المتحدة أن يكون لها سودان قريب من روسيا، بدلا من سودان قريب من الجماعات المرتبطة بالقاعدة والإخوان المسلمين”، يقول هودج.

لكن في نفس الوقت، لم يستبعد هودج تسبب التقارب السوداني الروسي في توتر بين واشنطن والخرطوم في المستقبل، مضيفا “لكن حتى الآن، وعلى المدى القصير، فإن انتفاح السودان على إسرائيل كاف للتغلب على التقارب السوداني-الروسي”.

من جانبه، يرى مدير السياسات بمركز “ديفنس بريوريتي” للأبحاث الأمنية، بنجامين فريدمان، أن موافقة السودان بإنشاء قاعدة عسكرية مرتبطا بشكل وثيق في رغبتها بتحقيق الرخاء الاقتصادي.

وقال فريدمان “إنه لا يتعين على السودان الانحياز إلى روسيا أو الولايات المتحدة، فالحرب الباردة منتهية”.

وأضاف في تصريحه لموقع الحرة “يبدو أنهم (السودانيين) يسعون للحصول على الفوائد الاقتصادية في المقام الأول، وهم عازمون على الحصول عليها مهما تطلب الأمر”.

وتابع المحلل الأميركي قائلا “وجود قاعدة بحرية في السودان، لا ينبغي أن يثير قلق الأميركيين، لديهم الحق في إنفاق ما يشاؤون من روبلات للقيام بدوريات في البحر، وسواء ذلك كان قرار حكيما أم لا، فإنه لن يمثل خسارة حقيقية لأمن الولايات المتحدة”.

الحرة

اترك تعليق