حوار هادِئ مع اللجنة المركزية للحِزب الشيِّوعي السُوداني


إجتمعت اللجنة المركزية للحِزب الشيِّوعي السوداني يومي السادس والسابع من نوفمبر الجاري وقررت وبعد نقاش مطول حسب البيان الصادر منها الخروج والإنسحاب من تحالفي قوي الإجماع وتحالف قوي الحرية والتغيير .. وأعلنت جملة من الأسباب التي دعتها لذلك القرار .. وأعلنت ضمنياً إستعدادها لإسقاط النظام و سعيها لعقد تحالفات جديدة مع كل القوي التي تتفق معها في رفض سياسات الحكومة الحالية الإقتصادية والسياسية عدا الإسلاميين ! ..

وأعقب ذلك القرار والبيان مؤتمر صحفي للحزب تحدث فيه سكرتيره السياسي وأكد علي القرار و تناول مسبباته من وجهة نظرهم ، إضافة لعدد من التصريحات لقيادة الحزب مضت في ذات الوجهة ..
بدايةً لا أحد ينكر الدور الكبير الذي لعبه الحزب الشيوعي في مسيرة مقاومة النظام الإستبدادي السابق وكم التضحيات التي قدمها وعضوية وكوادر الحزب حتي تم إسقاط النظام بعد ثورة ديسمبر العظيمة .. ولا أحد يُنكر أهمية وجود الحزب الشيوعي السوداني داخل تحالف الحرية والتغيير و الأدوار السياسية التي ظل يلعبها ويقوم بها مُنذ تأسيس التحالف وحتي بداية الفترة الإنتقالية وسُلطتها ..

وكذلك وجود كوادر الحزب داخل اللجان المُختلفة للتحالف وهياكله .. و من المعلوم للجميع آراء الحزب الشيوعي والتي ظل يُعلنها و تبايناته مع بقية مكونات التحالف .. فالحزب لم يُخفي خلافه مع بعض شركائه المدنين في التحالف والذين ظل يصفهم علي الدوام بقوي الهبوط الناعم .. وظهرت هذه الخلافات وبصورة كثيفة خلال مسيرة العام ورُبع العام مُنذ تشكيل حكومة الثورة والسلطة الإنتقالية ..

هذه الخلافات نفسها ساهمت في إضعاف التحالف باكراً وباعدت الشُقة ما بينه وبين أحزاب كحزبي الأمة والمؤتمر السوداني أو علي وجه الدقة مع كتلة نداء السودان ومكوناتها الرئيسية بما فيها الجبهة الثورية ..
أعلن الحزب من قبل ولجنته المركزية قراراً بعدم المُشاركة في المجلس التشريعي والسلطة التنفيذية للحكومة وأعلن رفضاً للوثيقة الدستورية نفسها ، ثم تراجع بعد ذلك عن قرار عدم المُشاركة في التشريعي بعد عدد من الإنتقادات و الرجاءات لأعضاء وأصدقاء للحزب وحادبين علي الثورة والوطن ..

ولكن هذا القرار بعدم المشاركة ورفض الوثيقة الدستورية كان قد بذر بذرة ومناخ غير صالح للعمل داخل التحالف نفسه ، فأصبحت لغة الحزب وبياناته المتعددة سواء للمكتب السياسي أو سكرتارية اللجنة المركزية تقدم نقد بإستمرار لمُعظم سياسات الحكومة وتحركاتها وكذلك لشركائه ، وظل علي الدوام سكرتير الحزب السياسي وكذلك مسؤوله الإعلامي في كل سانحة للإطلال علي الجماهير يُهاجمان حلفائهم بصفة التخوين تارة والتآمر تارة أخرى .. كل هذا لا شك لا يُساعد علي العمل المشترك .. فالتحالف دون شك مُكون من قوي سياسية أخري لديها بالضرورة رؤية قد تكون مُختلفة عن الحزب الشيوعي وسياساته .. وليس واجباً أن تتفق معه في كل ما يري أو يُقرر .. ووضح هذا في العديد من الملفات خاصة الإقتصاد و السلام والعلاقات الخارجية ! ..

وحتي نكون مُنصفين فالتحالف نفسه لم يكن يمتلك رؤية مُسبقة وموحدة ما قبل تشكيل الحكومة وما بعد فترة إنتهاء التفاوض علي الوجه الذي جاء بالشراكة مع العسكريين وبالوثيقة الدستورية ..

الواقع الآن يقول أن الحزب الشيوعي السوداني خارج منظومة تحالف جاء بالحكومة الحالية وبالتالي هو مشارك ومسؤول عن إختيارها ، وكذلك الإصرار الكبير علي وصف من تبقي من قوي التحالف بقوي الهبوط الناعم ووصمهم بعدم الثورية وأنهم بهذا ضد مصالح الجماهير والشعب السوداني وأنهم حُلفاء العسكر والرأسمالية الطفيلية وكل تلك النعوت الخشنة لا شك أنها تحفِر عميقاً في إذدياد شُقة وهوة الخلافات والتي تزيد في إنقسام قوي الثورة والشارع دونما أي شك و تُحدث شروخ في الوحدة التي قامت عليها أعظم ثورة في القرن العشرين في كل العالم ، وتُعطي أعداءها في الداخل والخارج الفرصة للإلتفاف عليها ومحاولات إجهاضها وفرض السيطرة علي مفاصل البلد وتشويها ، مع تمدد العسكرين وحلفائهم لكي يبقي التمكين و يعود الإستبداد رويداً رويدا ! ..

هنالك سؤال جوهري ندفع به إلي اللجنة المركزية للحِزب الشيِّوعي السوداني ، وهو أين هي القوي الثورية داخل الجيش السوداني بتركيبته الحالية والتي لم يحدث فيها أي تغيير جذري إلي الآن يُزيل من تمكينها مما يسمح بإنحياز الجيش للشعب حال أي تصعيد ثوري جديد ؟ .. وإذا أفترضنا جدلاً أن هذا السؤال قد خطر علي بال اللجنة المركزية أثناء مُداولاتها ونقاشاتها طوال يومين حتي خرجت بقراراتها هذه فما هي الإجابة التي قد توصلت إليها ؟ .. هل ضٓمِّن من وافقوا وأيدوا خروج الحزب عن التحالف وإتجاهه لإسقاط الحكومة الحالية والنظام والمُضي في التصعيد والفعل الثوري واللجوء للشارع والتظاهر مُجدداً أن الجيش سينحاز ويُسلمهم وحلفاؤهم المتوقعون السلطة كاملة المدنية !! ..

وهل التصعيد الثوري الذي ينوي الحزب إستمرار الثورة به سيكون سلمياً ويستمر علي ذات المسار الذي كانت عليه الثورة ،
و إذا أفترضنا أن إجابة هذا السؤال كانت بنعم ، ستكون سلمية ، فهل في حسابات اللجنة المركزية عدد من يتوقع أن يسقطوا كضحايا لذات الآلة القمعية التي لا تزال موجودة ! ..
والسؤال الأخير هل في حسابات اللجنة المركزية للحِزب الشيِّوعي السوداني أن سيناريو الفوضي والمجازر العشوائية قد يكون حاضراً وبقوة خاصة في ظل وجود مليشيات وعناصر النظام السابق ومن لهم مصلحة في العنف وسيلان الدماء الذي من المُرجح حدوثه عطفاً علي الواقع والسوابق وما أحداث الشرق ودارفور الأخيرة ببعيدة ! ..

والأخطر من كل هذا هل فكر أعضاء اللجنة المركزية للحِزب الشيِّوعي السوداني أن سيناريو الإنقلاب العسكري سيكون مُمهداً حال الذهاب تجاه هذا المسار وفي هذا التوقيت ! .. وعلي أخفّ الأضرار فإن سيناريو تقييد الحُريات وإعلان حالة الطوارئ بل وعودة الإعتقالات والترهيب ستكون حاضرة بذريعة الحفاظ علي الأمن و التمثيل بعمل مُحاكمات وفتح بلاغات وغيرها من الخروقات لنصوص الوثيقة الدستورية بُحجة إعلان حالة الطوارئ !! ..

هل ناقشت اللجنة المركزية للحِزب الشيِّوعي السوداني كل هذا ووقفت عليه لتخرج بمثل هذا القرار غير السليم في تقديرنا وتقدير من يتفق معنا حتي من بين عضوية الحزب الشيوعي السوداني نفسه وأصدقائه وحُلفائه ! ..
هل أدمن الحزب الشيوعي اللغة الخشنة المُعارضة وتخلي عن المرونة والحكمة لأجل تيارات داخله ظلت تتشدد علي الدوام وتري أن الصواب لا يُفارقها ! ..
لماذا لا ينحاز الحزب الشيوعي السوداني ولجنته المركزية لمنطق الإصلاح وإن كان بطئياً ولكنه يُجنب البلاد الكثير من الشرور ! ..

من قال لأعضاء اللجنة المركزية أن مسيرة الإنتقال للديمُقراطية والسلام والوحدة والعدالة والإستقرار في السودان وإصلاح معاش الناس فيه ستمُر دونما أي صعوبات وعثرات وتعقيدات وستكون مفروشة بالورود والحرير ! ..
من يقول لأعضاء اللجنة المركزية أن الحقيقة ليست مِلكاً لهم وحدهم ولا الصواب ! ..

من يقول لعضوية الحزب الشيوعي أن البناء ليس كالهدم ! وأن العالم الآن ليس أيام نفوذ وسطوة موسكو وبرلين الشرقية وصوفيا و بودابست و بُراغ ! ..
من يُخبرهم أن الإصرار علي مُعٓاركة الجميع لن تُقصم غير ظهر البلد بإسم الثورة والفعل الثوري برُغم أن في تقديرنا هذا ليس من سلوك الثوار الحقيقيون ..
الثورة عمل مُستمر نعم ، لكنه ليس فقط بزاوية شوف وحيدة و إنما تستصحب كل زوايا الإبصار ! ..
أخيراً وبكل الصدق إلي اللجنة المركزية للحِزب الشيِّوعي السوداني تراجعوا وعودوا للصواب ، فهذا الحزب الذي نعلمه يقوم علي مبادئ النقد والنقد الذاتي وتاريخه ملئ بالمُراجعات والتصحيح ! ..

[email protected]

اترك تعليق