ما وراء القاعدة الروسية المجانية


توصلت حكومة السودان لاتفاق بناء عليه ستبني روسيا قاعدة بحرية على ساحل البحر الأحمر السوداني. وهذه القاعدة هي الأولى لروسيا في إفريقيا وتأتي في اطار مساعيها إلى توسيع وجودها العسكري العالمي.

وسيتم توفير القاعدة مجانًا رغم ان الحكومة قد تحصل علي بعض قطع السلاح القديم الذي لا تحتاجه روسيا. ويعطي الاتفاق موسكو الحق في جلب أي أسلحة وذخيرة ، بما في ذلك سفن تعمل بالطاقة النووية وجلب غيرها من المعدات التي تحتاجها عبر مطارات وموانئ السودان .

قرار استضافة القاعدة الروسية غريب وشاذ الأفق في أبعاده الاستراتيجية كما إنه انتهاك لنص وروح برنامج الثورة ووثائقها التي تدعو الِي سياسة خارجية متوازنة تبتعد عن المحاور والاستقطاب الخارجي.

وتمثل هذه الخطوة خطرًا كبيرًا على أمن السودان لأن روسيا ستكون قادرة على جلب أسلحة نووية إلى القاعدة التي ستكون منفذها الثاني فقط الِي المياه الدافئة بعد طرطوس في سوريا. وبما ان روسيا لاعب أساسي في معادلة الشرق الأوسط فان أي انفجار للأوضاع الإقليمية سيضع السودان في مرمي نيران الجميع بما فيها قوي عظمي وقوي إقليمية طويلة الذراع وسلاحها موهو لعب عيال.

من المرجح أن تثير هذه الخطوة غضب إدارة بايدن ودول والاتحاد الأوروبي وغضب أصدقاء الحكومة في الخليج الذين يقاتلون ضد روسيا في الحرب الأهلية السورية التي تقف فيها روسيا وايران مع نظام الأسد.

ما يشكك في مهنية واتساق السياسة الخارجية حقيقة ان أمريكا والاتحاد الأوروبي وأهل الخليج هؤلاء هم الحلفاء الذين ظلت الحكومة تعول عليهم لتزويدها بالمساعدات الاقتصادية التي تحتاجها بشدة . لذا تبدو خطوة القاعدة الروسية حماقة مضاعفة من جنس سمك لبن تمرهندي من قوم لا يدرون أبعاد ما يفعلون.

ووصفت الفاينانشيال تايمز المؤثرة القاعدة الروسية بأنها ضربة لواشنطن التي يبدو انها في حالة إنكار, فقد نفى مسؤولون أمريكيون نبأ والقاعدة ووصفوه بأنه غير حقيقي. ولم ترد أي تعليقات من السلطات السودانية. متعودة دايما.

لكن السؤال هو ما الذي يدفع الحكومة السودانية لارتكاب هذه الحماقة؟ لا تتوفر معلومات كافية حتى الآن ولكن مع ذلك يمكننا التكهن. بعيدا عن إمكانية تقديم حوافز شخصية لبعض صناع القرار يمكن التخمين بأن هذه الخطوة ترمي الِي تحقيق هدف أو اثنين.

الهدف الأول يتعلق بـعودة الحزب الديمقراطي إلى البيت الأبيض الذي ربما ادخل ذعر في قلوب بعض أصحاب المناصب العليا فشعروا بالرعب من احتمال ملاحقة المحكمة الجنائية الدولية لهم.

في هذا السيناريو, يوفر الاتفاق كفيل نافذ يتمتع بـحق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن ويستطيع توفير حماية من المحكمة الجنائية الدولية.

وهذا التوجه ليس غريبا فالهدف الأول للسياسة الخارجية السودانية في فترة ما بعد البشير ظل شراء الحماية من المحكمة الجنائية بأي ثمن وعرض السيادة الوطنية في الدلالات كبرت أم صغرت.

وربما أدرك الدب الروسي انه اذا كان بالإمكان استعمال بعبع المحكمة الجنائية لفرض التطبيع, فإنه من الممكن استعماله لانتزاع موضع قدم ثمين في المياه الدافئة التي لا تتجمد عكس مياه روسيا.

ويرتبط بهذا السيناريو ان الدب الروسي سوف يوفر حماية للمكون العسكري من أي توجهات غير مريحة قد تأتي من بعثة الأمم المتحدة التي من المحتمل أن تبدأ في الوصول في بداية 2021. كان من المتوقع أن البعثة سوف تحسن ميزان القوة نسيا في مصلحة الشق المدني ولكن الحضور الروسي قد يعطل الكثير من مخالب البعثة ويوفر حماية للنفوذ العسكري.

الاحتمال الآخر هو أن الصفقة الروسية تهدف إلى توفير غطاء يبرر صفقة أكبر قادمة في الطريق سيتم التوقيع عليها مع دولة أو دول أخرى. في هذا السيناريو توفر القاعدة الروسية مظهر خادع من علاقات دولية متوازنة وتنفي تهمة الانحياز الصارخ عن السياسة الخارجية. عموما الاحتمال الأول هو الأرجح مصحوبا بالاحتمال الثاني أو بدونه.

اترك تعليق