دار الريح.. الزراعة هي المخرج ولكن! (2)


بغض النظر عن “الهيصة” التي تحدث في السودان هذه الأيام، وعلى الرغم مما تنطوي عليه من مخاطر واحتمالات مفتوحة على الاتجاهات كافة، إلا أن ذلك كله لا ينبغي أن يحول دون مناقشة موضوع الزراعة، باعتبارها نشاطاً حيوياً وتوجهاً استراتيجياً من أجل بقاء الإنسان والمخلوقات جميعاً على قيد الحياة. ومن هذا المنطلق فإن الزراعة بكافة أنواعها يجب أن تكون أولوية للدولة في كافة مستويات الحكم سواء في ذلك الحكم الاتحادي أو الولائي وحتى المحلي. وهذا يتطلب وضع استراتيجيات قومية ورصد ميزانية وتكليف بيوت خبرة علمية بغرض معالجة المسألة وتقديم المشورة الفنية لكل من يحتاجها في كل أرجاء الوطن.
وللأسف الشديد ظلت الزراعة تعاني الإهمال الشديد عبر سنين الحكم الوطني، بيد أن المستعمر قد خلّف لنا مشروعاً، يعتبر الأكبر من حيث المساحة والإنتاج في القارة الأفريقية كلها، وهو مشروع الجزيرة، الذي كان يمثل العمود الفقري لاقتصاد السودان، بما ينتجه من قطن، لكن التجربة وئدت بكل غباء وربما سوء نية في بعض الأحيان. وهذا إن دل على شيء إنما يدل على أن الزراعة ليست من ضمن أولويات الدولة، بل هي عمل يمارسه صغار المزارعين والمستثمرين؛ ولعل هذا ما جعل المنتجات الزراعية وتوأمها الثروة الحيوانية لا تسهم في الدخل القومي الإجمالي بالشكل المطلوب والمتوقع.
ومهما يكن الوضع، فإنني على قناعة تامة بأن الزراعة والثروة الحيوانية هي المحرك الأساسي لاقتصاد السودان، أو هكذا ينبغي أن تكون؛ خاصة في مناطق مثل دار الريح التي كادت تخلو من ساكنيها الذين لم يعد لأكثرهم أدنى ارتباط بالأرض؛ إذ صار شغلهم الشاغل هو البحث عن المعدن الأصفر في صحاري شمال السودان بين العقارب والثعابين. ولهذا السبب يجب أن تكون الخطوة الأولى في هذا الصدد هي اقناع المواطن وبصفة خاصة الشباب أن التعدين الأهلي ليس عملاً استراتيجيا؛ لأنه يعتمد على مصدر مستنفد عاجلاً أو آجلاً بل ينبغي الاستفادة من عائدات هذا النشاط في إيجاد بنية تحتية محلية تسمح بممارسة الزراعة وتربية الحيوان بطريقة حديثة تدر عائداً مجزياً للمنتج وتقدم تجارب ناجحة من شأنها جذب الآخرين للانخراط في النشاط الزراعي. وهذا المسعى يستوجب أن تولي الدولة عناية خاصة بالزراعة والمزارعين من حيث إيجاد الطاقة البديلة للمحروقات بأسعار تكون في متناول الجميع، وتوفير مدخلات الإنتاج الأخرى من بذور وتقاوي وأسمدة ومبيدات. ولابد من توفير تلك الآلات الزراعية البسيطة التي لا يحتاج استخدامها طاقة كهربائية أو وقوداً، بل تعتمد على قدرة الإنسان الجسدية ولكنها في ذات الوقت تعطي مردوداً إنتاجياً معتبراً وتوفر الوقت وتسهل العمل، وهي متاحة من أكثر من جهة سواء في ذلك دول الجوار مثل مصر أو يمكن استيرادها من الصين وبأسعار زهيدة جداً، حتى يتمكن المزارع البسيط من التخلص من الأدوات التقليدية تدريجياً، ويتحول تبعاً لذلك نحو التطوير والحداثة بقدر الإمكان.
والأهم من ذلك كله أن تكون هنالك إرادة من لدن الدولة وتوجه رسمي مدروس نحو النهوض بالزراعة والرعي في كل مناطق السودان، وبخاصة في دار الريح التي تتوفر فيها مصادر طبيعية أشرنا لها في ومضة الأسبوع المنصرم، بيد أنها معروفة وتتمثل في الأرض والماء والمورد البشري المقتدر. والمطلوب في هذا الصدد أن تقوم الجهات المسؤولة عن الزراعة والثروة الحيوانية بدروها كاملاً غير منقوص ودون التعذر بشح الإمكانيات، فتلك أسطوانة مشروخة هي التي قعدت بهذا النشاط، فليس أقل من الاستفادة من الإمكانيات المتاحة من كوادر بشرية يمكن أن تشارك في التدريب والتوجيه والإرشاد وحث المواطن على الزراعة بشتى الوسائل والطرق. ولماذا لا تكون هنالك شراكات ذكية بين المزارع والرأسمالية الوطنية مثلما فعل السيد وجدي ميرغني في منطقة خور أبو حبل حتى غير من نظرة الناس للزراعة وحقق إنتاجاً مجزياً يصلح لأن يكون تجربة نموذجية يمكن تطبيقها في أكثر من موقع!
ومن جانب آخر، يقول الدكتور الصاوي يوسف في مداخلة له: “مطلوب أن تقوم طليعة واعية من أبناء المنطقة، أعني دار الريح، بمبادرة لتكوين جمعية تعاونية إنتاجية تتغلب على كل ما يعترض سبيل النهوض بالزراعة من معوقات، وتصبح نموذجاً وقدوة للمواطنين الآخرين، وتكون نواة لمشروع أو مشاريع زراعية كبرى في مجال الإنتاج البستاني والحيواني والألبان وربما الدواجن والأسماك مستقبلاً”.
ومن المقترحات العملية للنهوض بالزراعة في دار الريح، ترشيد استخدام المياه عن طريق إدخال نظام الري بالتنقيط أو الرشاشات. ويمكن استبدال المضخات التي تعمل بالديزل بأخرى تعتمد على الطاقة الشمسية، التي قد تكلف كثيراً في البداية ولكنها تعد الحل الأمثل لمشكلة الوقود، سيما وأنها تقلل من تكلفة الإنتاج مستقبلاً.  ولماذا لا يدخل المزارع محاصيل ومنتجات نقدية بخلاف البصل والطماطم التي باتت تتعرض لكثير من الآفات. وهنالك تجارب ناجحة أثبتت أن بالإمكان زراعة البطاطس والثوم وغيرها. وأخيراً أعلموا أن العلف أغلى من النفط عالمياً ومحلياً فأكثروا منه وفقكم الله.

اترك تعليق