ياسر عرمان يكتب: ثلاث ثورات وثلاث انقلابات في حياة الإمام(2 )




في بلادنا كل ثورةٍ تنتهي بانقلاب، وكل انقلابٍ ينتهي بثورة، وتبقى قضية نجاح الانتقال مأزقٌ تاريخيّ!

*17 نوفمبر 1958م:-*

قال الإمام الصادق بعد أن تم تسليم السلطة للفريق إبراهيم عبود من قِبَل الإمام عبد الرحمن ورئيس الوزراء عبد الله خليل، وبعد أن استقبل والده في مطار الخرطوم وأخذهُ إلى سرايا الإمام، وبدون أن يقول الإمام الصديق لوالدهِ: “السلام عليكم”، انفجر متسائلاً: “دة شنو يا سيدي العملتوه دة؟”، أجاب الإمام عبد الرحمن: “يا صديق الأحزاب والخلافات”، وردّ الإمام الصديق وفق رواية الإمام الصادق قائلاً: “يا سيدي المسائل في يدنا نديها لغيرنا؟”. حصل هذا المنظر الدرامي أمام الناس على حدّ تعبير الإمام الصادق، فأمسك الإمام عبد الرحمن ابنهُ الصديق من يدهِ واختلى بهِ.

هذا الحدث سيشكل كامل مسار رحلة الإمام الطويلة والمعقدة في العمل السياسي، ما بين ثوراتٍ، وانتخاباتٍ، وانقلاباتٍ، وسيدفع ثمنه الشعب والإمام وحزب الأمة، سجناً وتشريداً وهجرة، وتقلبات سياسية طويلة انتهت برحيل الإمام الصادق في جمعة 27 نوفمبر 2020م.

يبدو لي أن انقلاب عبود كان “سِفر البدايات” في حياة الإمام، والرحلة المعقدة التي عاشها السودان والإمام من أنظمةٍ شمولية تنتهي بثورة، وثورة تنتهي بانقلاب مع فاصلٍ لحكومةٍ منتخبة وحروبٍ أهلية هي بمثابة موسيقى تصويرية في خلفية مشهد السودان.

الحروب معظمها تنتهي باتفاق مع الشمولية، وعجزت الفترات الانتقالية والأنظمة الشمولية من إنهاء الحروب، إلا محاولتنا الحالية، فإن ثورة ديسمبر حبُلت وحلِمَت بالسلام، وولدت مولوداً يحتاجُ إلى “عناية مركزة”.

*21 أكتوبر 1964م:-*

هي “سفرُ التكوين” في حياة الإمام، شاركَ حزب الأمة في مقارعة نظام عبود، ولا سيَّما الإمام الصديق، الذي تولى قيادة المعارضة لبعض الوقت، ورحل الإمام الصديق، ولم يرحل عبود بعد، وبدأ دور السيد الصادق المهدي وظلِّهِ السياسي يورق ويتسع، حتى أدرك فجر ثورة أكتوبر 1964م.

أجزُم أن مناخ ثورة ديسمبر 2018م في كثير من جوانبهِ ليس جديداً على الإمام، منذ أن واجه وهو في فجر الشباب رياح ثورة أكتوبر 1964م وأشرعتها التي مالت يساراً، وكانت الثورة فتيَّة، والإمام فتىً صاعد، وكانت الدولة الموروثة من الاستعمار شابّةٌ أيضاً، والذين لم يقبلوا بأن يأتي الإمام إلى إمامة المُصلِّين في ساحة الاعتصام، التقى الإمام معظمهم من قبل في 21 أكتوبر 1964م وهم يرددون “لا زعامة للقدامى”.

حينما مالت أقمار أكتوبر يساراً كان وقتها أقمار اليسار في ريعان شبابهم، يتقدمهم عبد الخالق محجوب، والشفيع أحمد الشيخ، وفاطمة السمحة، وقاسم أمين، والحاج عبد الرحمن، وعبد الرحمن عبد الرحيم الوسيلة، وحسن الطاهر زروق، والجنيد علي عمر، وعز الدين علي عامر، والتجاني الطيب وجوزيف قرنق، وعمر مصطفى المكي، ومحمد إبراهيم نقد، وفاروق أبوعيسى…الخ، قادة سياسيين لم يكونوا وحدهم فحسب، بل صعد معهم المسرح، المبدعين: محمد المكي إبراهيم، محمد وردي، جيلي عبد الرحمن، وصلاح أحمد إبراهيم…الخ، وكان إشعاعهم كبيراً، لحِقَ في إضاءته بآخرين خارج دائرتهم، كالأستاذ أحمد المصطفى وحسن عطية وعثمان الشفيع، أصابهم بعضٌ من مسٍّ وجذبة من جذبات اليسار، وشارك بعض هؤلاء في مهرجانات الشباب في أوروبا الشرقية، بل لحِقَ تأثيرهم بأكاديميين بارزين، وعلماء أذكياء، وقانونيين حاذقين من لدّن التجاني الماحي، وطه باعشر، والسماني عبد الله يعقوب، وعابدين إسماعيل…الخ، وكان بعضهم ضيوفٌ أعزاء في مجلة “الفجر الجديد” التي أصدرها عبد الخالق محجوب تيمُنّاً بمجلة “الفجر” الأولى لصاحبها عرفات محمود عبد الله، حينها امتلك اليسار فضاءً عريضاً، وعلى الجانب الآخر كان التيار الإسلامي يمُطُّ أجنحتِهِ في مرحلةِ تأسيسٍ ثانية ويطلبُ القرب من حزب الأمة والأنصار؛ يقودهم الدكتور حسن الترابي الذي خرج من عباءة ثورة أكتوبر، وخرج قادة اليسار من عباءة معركة الاستقلال، كانوا أكثر تمرُّساً منذ تمارينهم الأولى في “الجبهة المُعادية للاستعمار” و “هيئة شؤون العمال” في عطبرة، واتحادات المزارعين التي قادت الاعتصامات في ميادين الخرطوم يتقدمهم شيخ الأمين محمد الأمين وشيخ الخير ود بريمة، كان اليسار والحزب الشيوعي تحديداً أكثر وضوحاً في تكتيكاته واستراتيجيته على نحوٍ عام مقارنةً بالآخرين، ومتجذراً وسط النقابات والطبقة الوسطى والمهنيين، وأتقن العمل السري منذ بداياتهم الأولى على أيام الاستعمار، واستطاعوا أن يديروا أشرعتهم نحو الريح ودفعوا ببرنامجهم نحو الصدارة، وطالبوا بتغييرات جذرية ذات طابع يساري وبمشروعٍ جديد، ولم يحسموا موقفهم تماماً من الديموقراطية في مناخ إقليمي وعالمي ذو أمواجٍ عاتية وعواصف وانقلابات عسكرية باسم القوميين واليسار، وفي هذا المناخ المضطرب التقى الإمام الصادق بالشيوعيين واليسار في الستينيات الذين حسم موقفهم الأستاذ محمد إبراهيم نقد لاحقاً من قضية الديموقراطية، وهي واحدة من اسهاماته الرئيسية.

كما التقى الإمام كذلك في أكتوبر بالإسلاميين في علاقةٍ من “الحلو مُر” كان أكثرها “مُرّاً” وقد تواصلت المباراة معهم حتى رحيله على طريقة “تنس الطاولة – البينغ بونغ” سريعة الإيقاع، وقد انتهت تجربتهِ معهم بنظامٍ فاشي حكم مدة ثلاثين عاماً تقريباً، زال بثورة ديسمبر 2018م التي أدركها الإمام وهو يقرأ من لوحٍ مكتوبٍ بمداد وتجربة أكتوبر 1964م.

كان الإمام في ديسمبر 2018م أكثر تمرُّساً وخبرة، مثل قادة الشيوعيين سابقاً بعد أكتوبر، بعد حياةٍ حافلة بالصعود وبالعواصف، وبعد تجربتين في الحُكم، وربما سيكون الإمام هو السوداني الوحيد الذي يتولى رئاسة وزراء السودان مرتين بالانتخاب.

(1)

نجا حزب الأمة بأعجوبة من عواصف هبّت يساراً ويميناً، فكرية وسياسية، وأكثرها تحدياً حكم نظام الإنقاذ، ومن بين عواملٍ عديدة كان للإمام فضل كبير في مواجهة هذه التحديات، والحفاظ على حزب الأمة إذا تحدثنا بصدق وشفافية، وذات مرة في عام 2014 في باريس قلت له: “نظام الإنقاذ كان سيلحق ضرراً بليغاً بحزب الأمة لولا وجودك على دفّة القيادة، ورغم أننا لم نتفق معك في كثيرٍ من الأحيان، لكنك قد حافظت على وجود فاعل لحزب الأمة، وربما لم تعجب طريقتك الآخرين، ولكنها في المحصلة النهائية حافظت على استقلالية الحزب من فاشية الإنقاذ”، ابتسم الإمام واسترسل في الحديث، وختمهُ بأن قال لي بأن ملاحظتك صحيحة لأن إذا تولى قيادة الحزب “فلان” فإنه سيبيع الحزب بأرخص الأثمان، أما “فلان” الآخر فلا يستطيع قيادة الحزب، لأن حزب الأمة قائم على ركيزتي الوطنية والدين، وهو فاقدٌ للإثنين، والإمام لم يستسلم أبداً لنظام الإنقاذ، وليس بالضرورة أن يقارعه على طريقة الآخرين، وبإمكاننا الاختلاف معه، وقد حدث ذلك في أوقاتٍ عديدة، كما حدث الائتلاف معه، ولكن لا يجوز تخوينه “والتخوين بين القوى الوطنية بُضاعةٌ أضرّت بالحياةِ السياسية، وتضر بمستقبل العمل وفق برنامج الحد الأدنى، والمرحلة الانتقالية الحالية لا يمكن أن تنجح إلا بتوفير قاعدة اجتماعية عريضة للانتقال، وبرنامجٍ للحد الأدنى، وقيادةٍ موحدة.”

(2)

توقفتُ عن إكمال أجزاء المقال الذي بدأته بعنوان “جمعتان في حياة ورحيل الإمام” لأنني تناولتُ في باقي الحلقات العلاقة الشائكة بين الإمام وحزب الأمة والحركة الشعبية، وبينهُ وبين د. جون قرنق دي مبيور، وقد توفرت لي حصيلة وافرة من المعلومات حولها بحكم المشاركة والمعايشة، ولم يكُن المطلوب هو سرد المعلومات، بل كان مطلوباً رأيي واستنتاجاتي حول تلك الفترة، ولكن رأيت تأجيل ذلك لأسبابٍ سآتي على ذكرها.

 

بعد رحيل قرنق تبادلت الحديث مع الإمام في أكثر من مناسبة، لوضع العلاقة بينهما في إطارها الموضوعي الصحيح، والإنساني، وتأثير قضايا البناء الوطني المعقدة في السودان على تلك العلاقة، ومن عُدّة زوايا، والتناقضات، وملابسات والتباسات التاريخ، وكذلك من زاوية الفرص المهدرة في السياسة السودانية، مُضافٌ إلى ذلك ضياع الخيارات الأفضل، وتغليب الخيارات الأقل نفعاً لأسبابٍ محض ذاتية وبعضها موضوعي، وكان آخر النقاشات بيننا في هذه القضية حينما طلبنا منه في وفد المقدمة للجبهة الثورية حضور توقيع اتفاق السلام في جوبا، وذكرتُ له بأن يُمثِّل الحركة الوطنية السودانية، وهو عميد القادة السياسيين زماناً وتجربة، وأن يتقدّم بخطابٍ شامل عن العلاقات بين دولتي السودان، وتقييمٍ منفتح على مستقبل العلاقة بين حزب الأمة وسائر القوى الوطنية مع الجنوب، وعلاقته الشخصية مع جون قرنق والحركة الشعبية، ووضعِ إطارٍ جديدٍ لها، وتقييم مُستمَد من التطورات اللاحقة، وقد وافق الإمام، ولكنه وللأسف لم يتمكن من المشاركة في حفل التوقيع في 3 أكتوبر 2020م الماضي.

 

(3)

 

لطالما تأسفت وتأملت الفُرص المُهدرة في ثلاث علاقات ذات قيمة وربما أكثر، تستمدُّ معناها من المشاركين فيها، وهي العلاقة بين البروفيسور والعالم عبد الله الطيب واليسار السوداني، لأن عبد الله الطيب واليسار قريبان من بعض في قيمٍ كثيرة، فهو صوفيّ مُنحاز إلى إسلام السودان بدرجة الدكتوراة، وفقيرٌ من الفقراء، لم يحشو جيبهُ وينتفع من أموال البترودولار كما فعل بعض الشيوخ، بل ذهب إلى الفقراء في نيجريا والمغرب ليبذل علمِهِ “الإنسانية مقابل العلم”، كان البروفيسور أقرب للتقوى والشعب والبسطاء، لم تمُت في داخله نارُ المجاذيب وهو يشرحُ القرآن بلسانٍ سوداني مُبين، هو أقرب للثورة حينما جادت قريحته بقصيدةٍ عصماء في رثاء الأستاذ محمود محمد طه، ولم ينسَ الشفيع أحمد الشيخ وصحبِهِ في مصالحةٍ إنسانيةٍ مع اليسار. كان عبد الله الطيب علماً وعلماً، أو كما عبّر هو بعد واحدة من معارك انتخاب مدير جامعة الخرطوم “لقد حويتُ كل أصناف العلوم ولم أزَل أسعَ…”، فهو منتج من انتاجات الفقراء في بلادنا، والمتصوفة، بعبوةٍ حديثة، وهو علمٌّ وعِلمٌ ورمزٌ لجودتنا وتواضعنا، من غير إغفالٍ لمواقفه حول قضايا اجتماعية وسياسية لم يرضَ بعضنا منه، واختلف معه، ولكنه كان الأقرب لإسلام السودان، وثيق الصلة بتربة ومجتمع وثقافة هذه البلاد، وتنوعها التاريخي، وقد أشار في أكثر من محاضرة إلى التنوع التاريخي الذي حفلت به بلادنا والإسلام السوداني كماركةٍ مسجلة كان البروفيسور عبد الله الطيب يمثل بُعداً من أبعادها وجوهرها.

 

كذلك كنت أتمنى ألّا تسيل الأحبار والأوراق المبعثرة بين د. منصور خالد و د. عبد الله علي إبراهيم، فكلاهما من أعلام التنوير، ومشروع د. منصور خالد في التنوير وانتقاد تجربة البناء الوطني منذ الاستقلال، وحتى التي شارك فيها كظام نميري وانفتاحه على طيفٍ واسع من قضايا البناء الوطني كمؤرخٍ ومفكرٍ وسياسي لا يتعارض مع المشروع التنويري للدكتور عبد الله علي إبراهيم الذي يتنقل برشاقة بين موضوعات شاقّة ومعقدة، وكان من الممكن النظر للمشروعين في إطار تكامل المجهود التنويري الكبير، وإيجاد الصلات والقواسم المشتركة بين المشروعين، دون أن يُفسد الخلاف للتنوير قضية، فيمكن دائماً وضع نقاط الالتقاء دون إغفال التقاطع في المشروعين.

 

د. جون قرنق دي مبيور والإمام الصادق الصديق المهدي، يلتقيان ويتقاطعان، والعلاقة بينهما تحتاج لتقييم موضوعي رصين، لا سيَّما وأن كليهما قد ابتعدا عن ملكوت الأرض، ولم يبتعدا عن ملكوت الناس، وقد أدى كلاهما واجبه بطريقته التي ارتئاها، ولكن القضايا مدار الالتقاء والتقاطع لا تزال قائمة وتواجه السودانَيْن بأسئلةٍ كبيرة، تبدأ بالمواطنة بلا تمييز وتنتهي بكيفية بناء مشروع وطني يسع الجميع، والإجابة على مأزق الانتقال الذي يُؤسس لديموقراطية دائمة وتنمية متوازنة ومواطنة بلا تمييز.

 



مصدر الخبر موقع صحيفة التغيير

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: