السودان: د. حيدر معتصم يكتب: فرص العبور و حواجز الدم




(6)

إنتهينا في المقال السابق إلى أنه لم تعد هناك أحزاب بالمعنى الحقيقي من حيث الفاعلية و النشاط و إنما هى بقايا أحزاب مثقلة بالغبائن و الثأرات و حواجز الدم المتراكمة التي تحول بين تلك الهياكل الخاوية و رؤية الحقيقة الماثلة بأن سودان قديم يذهب بلا رجعة و سودان جديد يتشكل تتصارع عليه قوي داخلية يقودها التيار التوافقي ضد بقايا من القوى الإقصائية والإستئصالية القديمة و بينهما طيف من الأجندات الخارجية المتصارعة الطامحة و الطامعة فينا إقتصاديا و ثقافيا و جغرافيا و أمنيا، و من أجل إثبات صحة ماذهبنا إليه من أن واقع جديد يفرض نفسه على الساحة السياسية لا نحتاج لأكثر من دعوة القارئي للنظر بعين فاحصة داخل كل حزب أو مكون من المكونات السياسية اليمينيةو اليسارية و الوسطية فحتما سنجد داخل كل حزب توافقيون و إقصائيون و إستئصاليون و ما أثبتته التجربة على مدى قرن من الزمان أن التيارات الإقصائية و الإستئصالية المرتكزة على العصبيات العشائرية و الطائفية و الأيديولوجية هي التي قادتنا إلى ما نحن عليه الآن من هوان و قلة حيلة و لذلك لا بد أن نؤكد هنا أن أقرب طريق لإنقاذ السودان و وضعه على الطريق الصحيح نحو الديمقراطية و الإستقرار السياسي و الإقتصادي و الإجتماعي هو الإصطفاف و التمترس بقوة خلف التيار التوافقي و دعمه فكريا و سياسيا و جماهيريا و في تقديري أن المفكرين و منظومة مراكز البحث الإستراتيجي على كل المستويات داخل و خارج الأحزاب هي الفئة الأقدر و الأجدر للنهوض بمسؤولية زمام مبادرة و قيادة المشهد و التحول نحو التوافق بإعتبار أن النخب المفكرة هي الأكثر مرونة و قابلية للحوار مع الآخر من النخب السياسية و الأقدر على قيادة السفينة بكلياتها من خلال رؤى و تصورات و أفكار لبناء الدولة و قيادتها إلى بر الأمان و تلك لعمري مهمة و مسئولية وطنية كبيرة و تحدي يحتاج إلى جُرأة فائقة لإحداث الإختراق المطلوب و الذي لايمكن أن يصبح واقعا إلا بغض الطرف عن دعوات التنادي بالثأرات و الدوس على الجراح و العبور فوق حواجز الدم المتراكمة على المستوى الفكري و العمل على بناء فضاء سياسي، و جماهيري على أسس وطنية خالصة و التجربة العالمية تحكي عن رواد قادوا بلدانهم إلى بر الأمان بالتغاضي عن كل ذلك و تركه لمؤسسات عدالة إنتقالية محترفة و غير منحازة سياسيا و التفرغ و الإنشغال بتأسيس الدولة و معاش الناس و أمنهم لأن المواعيد الوطنية الكبيرة لا يخوض غمارها إلا الكبار و الكبار هم الذين يفرزهم الواقع لقيادة المشهد عند الشدائد و حينما يقف الآخرين للثأرات و تصفية الحسابات يرفع الكبار رايات التسامح و التصالح بشجاعة فائقة لأن المصلحة الوطنية تقتضي ذلك و لذلك فإن أهل الفكر من الذين يؤمنون بالتوافق من اليمين و اليسار و الوسط هم الأقدر و الأجدر للإصطفاف جنبا إلى جنب خلف رايات التوافق الوطني ضد التيارات الإقصائية و الإستئصالية من خلف اللافتات المختلفة والتي ظلت تشكل حاجزاً و سدا منيعا ضد إرادة التوافق و التواثق الوطني الكبير، و يجب أن نتذكر دائما أن المصلحة الوطنية العليا هي التي فرضت تلك المعادلات التي تمثل مخرجا من مربع الإحتقان و الإحتراب الطائفي و الأيديولوجي إلى مربع الإصطفاف الوطني الجامع.
قلنا في المقال السابق أيضا أن التيار التوافقي هو الأكثر قبولاً و شعبية و سط الجماهير و النخب و رغم ذلك ظل التيار التوافقي هو الأضعف صوتاً فيما بعد الثورة و يعود ذلك لسببين رئيسيين، السبب الأول هو أن التيارات القديمة الآقصائية و الإستئصالية بالرغم مما أصابهما من هزات ظلت هي التي تقود الصراع السياسي في السودان منذ ما قبل الإستقلال و لها حاضناتها ولافتاتها التي تعبر عنها داخل الأحزاب السياسية و خارجها أما التيار التوافقي فهو تيار جديد لم يكن موجوداً من قبل إلا من خلال أصوات خافته هنا و هناك تعبر عن نفسها على إستحياء و لم تكن له حاضنة أو منظومة سياسية حقيقية و لا لافتات فكرية تعبر عنه و لا شعارات جماهيرية يقود بها الشارع و لذلك ظل هو الأضعف صوتاً رغم أنه يمثل صوت الأغلبية الساحقة و لن يبرز للعيان الوجه و الحجم الحقيقي للتيار التوافقي إلا بإحداث إختراق وطني و تشكيل واجهات تعبر عنه بشكل صريح .. أما السبب الآخر في علو صوت التيارات الإقصائية والإستئصالية و ضعف فاعلية التيار التوافقي في نفس الوقت ناتج بكل تأكيد عن تراكمات ما خلفته الإنقاذ من إحتقان و مرارات ناتجة عن القسوة التي مارستها على الأحزاب طوال فترة حكمها أضف إلى ذلك ما خلفته معركة الثورة وسط الثوار من غبائن و دماء مسفوحة نجح التيار الإستئصالي في إستغلالها و جر التيار الإقصائي و الجماهير إلى معركة قديمة متجددة و مفتوحة شعارها الرئيس تصفية التيار الإسلامي و إستئصال شأفته، و لذلك لم يكن ممكنا و ليس من الحكمة في مثل هذه الأجواء أن يفصح التيار التوافقي عن نفسه مهما كان. ختاما ما يجب أن نؤكده أيضا و ما أثبتته التجربة السياسية السودانية على مدى قرن من الزمان و ما لا تدركه كثير من الأجيال الجديدة أنه لا يمكن لطرف سياسي أن يلغي الطرف الآخر طالما أن هناك من يعبر عنه و يسانده و الخاسر الأوحد من كل ذلك هو الوطن، و لا بديل لصوت العقل و الإصطفاف خلف تطلعات و أشواق التيار التوافقي و التجربة الان بعد الثورة تدخل عامها الثالث و تؤكد كل يوم مزيدا من الإنسداد في الأفق السياسي و أن لا بديل للتوافق إلا التوافق و أنه آن الأوان لهذا التيار الكاسح أن يعبر عن نفسه بشجاعة من خلال مبادرات وطنية على المستويات الفكرية و المجتمعية و السياسية و لا بديل لإخراج البلاد من وهدتها إلا بمثل هكذا مبادرات تدعم و تقوى تيار التوافق و التلاقي الوطني العريض الذي يمثل أحلام الجماهير في الخروج من مأذق الإحتراب و التشاكس الذي أقعد البلاد و العباد قرن من الزمان … نواصل.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب






مصدر الخبر موقع الانتباهه

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: