فولكر بيرتيس .. تِرْسْ ألماني في ماكينة الانتقال الغامض بالسودان


تتراوح أهمية (فولكر بيرتيس) من فترة قضاها في الجامعة الأمريكية في بيروت وليبيا بعد ذلك إلى عقود في العلاقات الدولية، والتعامل مع الملفات الأمنية المعقدة، إذ كان يندرج عمله في مهام مُزدوجة، لكن صفة الخبير التصقت به بعد سنوات من العمل الدولي المنتظم، وكواليس صناعة القرار في الأمم المتحدة.

وقد جلب فولكر إلى الأمم المتحدة خبرة عميقة في حل النزاعات والجغرافيا السياسية الإقليمية، كما امتدحه الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، لكنه أيضاً ذو نزعة أمنية طاغية ربما تضعه في مواجهة مفتوحة مع التيارات الإسلامية التي تحفظت على فكرة البعثة الأممية بالأساس، فكيف سيكون الحال مع رجل أبيض بملامح أمبريالية، لا شك سيكون حاضراً بقوة في المشهد السياسي، ينهي ويأمر من داخل أو خارج القصر الرئاسي، على الأرجح.

تنحية فرنسا لصالح صديق أنطونيو

اليوم الجمعة أعلنت الأمم المتحدة رسمياً تعيين الأستاذ الألماني فولكر بيرتيس رئيسا للبعثة الدولية، وممثلاً خاصاً جديداً للسودان، لينتصر على ترشيحات دول أوربية أخرى من بينها فرنسا التي كانت تأمل تعزيز سيطرتها على المنطقة المتاخمة للحزام الفرانكفوني، وكانت تساند مرشحها مجموعة داخل تجمع المهنيين وقوى الحرية والتغيير، لكن الخيار انتهى عند ألمانيا، لجهة انحياز الأمين العام للأمم المتحدة لمرشحها، صديقه الذي عمل معه في بعض المواقع، ولأسباب أخرى كامنة في شخصية فولكر.

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش، قال إن بيرتيس سيكون أيضًا رئيسًا لبعثة المساعدة الانتقالية المتكاملة التابعة للمنظمة العالمية في السودان (يونيتامس). وأضاف في بيان “يجلب فولكر بيرتيس إلى هذا المنصب أكثر من 25 عاما من الخبرة في الأوساط الأكاديمية والبحثية والعلاقات الدولية والدبلوماسية ، بما في ذلك مع الأمم المتحدة ، فضلاً عن الخبرة العميقة في حل النزاعات والجغرافيا السياسية الإقليمية”.

من هو فولكر بيرثيس ؟
رشح الأستاذ الألماني وعالم السياسة البالغ من العمر 62 عامًا، والذي يتحدث الإنجليزية والعربية بطلاقة، من قبل جوتيريس بعد أربعة أشهر فقط من توليه منصبه كمستشار أول في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية في برلين في سبتمبر الماضي.

وعمل بيرتيس، في الفترة بين عامي 2005 و2020، رئيساً تنفيذياً ومديراً للمعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، حيث يشغل حالياً منصب “مستشار”. وسبق أن شغل بين عامي 2015 و2018، منصب مساعد الأمين العام، ثم كبير مستشاري المبعوث الخاص للأمين العام إلى سوريا، بالإضافة إلى كونه رئيس مجموعة الدعم الدولية لمجموعة العمل المعنية بوقف النار، نيابة عن الأمم المتحدة.

وبدأ بيرتيس حياته الأكاديمية في منصب أستاذا مساعدا بالجامعة الأميركية في بيروت بين عامي 1991 و1993، بالإضافة إلى أنه يحمل درجتي الماجستير والدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة دويسبيرغ الألمانية، ويتحدث الإنجليزية والعربية بطلاقة، فهو كذلك أكاديمي كان يعمل كبير المستشارين بالمعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية (SWP)؛ وهو المعهد الذي يقدم المشورة للحكومة الألمانية الفيدرالية بشأن جميع مسائل السياسة الخارجية والأمنية، ما يعني أنه سيكون عين ألمانيا في السودان ودول الجوار، ألمانيا التي تكافح لاستعادة نفوذها التوسعي القديم .

عمل بيرتيس وفقاً لسيرته المبذولة مع المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا من 2015 إلى 2016 قبل أن يتولى العديد من المناصب التعليمية في ألمانيا وليبيا، وبدا قريباً من (السودان) الجارة الأكثر تأثراً بما جرى هنالك في الصحراء الليبية، حد وجود تنسيق سوداني بين حكومة البشير أعقب سقوط القذافي لترتيب المشهد الليبي، وترأس فولكر مجموعة أبحاث الشرق الأوسط وأفريقيا حتي أبريل 2005، وكان عضواً في عدد من المجالس الاستشارية العالمية بما في ذلك معهد شنغهاي للدراسات الدولية
طلب رسمي مفاجئ
وبحسب مذكرة رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك التي بعثها للأمين العام للأمم المتحدة مطلع العام المنصرم فإن الهدف من البعثة هو دعم السلطات على الانتقال السياسي الذي بدأ مع الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير في أبريل 2019
وتأمل الحكومة السودانية أن يساهم تحويل البلاد للفصل السادس بالحصول على المساعدات الاقتصادية الدولية، والدعم التقني في وضع الدستور الدائم، وكذلك الدعم التنموي والإنساني ودعم إعادة النازحين واللاجئين وإعادة دمجهم، والعدالة الانتقالية وحماية المدنيين.
وفي تصريحات لشرح الخطوة التي أثارت غضب شخصيات أمنية وسياسية، وقوى محافظة قال السكرتير الصحفي لرئيس الوزراء السوداني، البراق النذير الوراق بعد جلبة مذكرة حمدوك، إن “الطلب أتى في أعقاب النقاشات التي دارت في أروقة الأمم المتحدة حول ترتيبات ما بعد بعثة اليوناميد، على أن يكون تواجد الأمم المتحدة في السودان، متكاملا ومتوائما من الناحية الاستراتيجية، وتحت قيادة واحدة” لكن هنالك من ينظر للخطوة بأنها جريئة، والهدف منها اضعاف سيطرة المؤسسة العسكرية على القرار السيادي، وحماية المكون المدني .‎

ووفقا لتصريحات رسمية فإن استعداد السودان السماح بتولي شخصية من الغرب لبعثة يونيتامس، على الرغم من الرغبة في إدارة إفريقية للشؤون السياسية في القارة، مردّه على الأرجح لطموح سياسي بالحصول على تمويل دولي بسهولة أكبر، وهو أمر لم يتحرك إلى الأمام بعد، أو كان ثمة التزام واضح به، أكثر من الوعود الرمادية المخدرة، التي تشبه كرة الصلصة تُرّكل دوماً للأمام، فتلهث الحكومة الانتقالية خلفها، فتُرّكل مرة أخرى، خصوصاً بعد طرح الموزانة الجديدة للعام (٢٠٢١) بمعدل عجز لا يقل عن (٦) مليار دولار تقريباً في الحد الأدنى، ومخاوف بأن تتسبب الأزمة الاقتصادية الطاحنة في إجهاض الفترة الانتقالية .
مهمة طويلة غامضة
لكن أمر البعثة الأممية أيضاً أثار مخاوف كثير من السودانيين، من ضمنهم وزير الخارجية الأسبق الدكتور الدرديري محمد أحمد، الذي ينظر إلى قرار البعثة من زاوية أنه سيفتح الباب لنشر قوات أممية بالسودان تحت الفصل السابع، وقال إنّ ذلك ليس أسوأ مافيه. “فأكثر ما يدعو للانزعاج في القرار المنشئ للبعثة الجديدة هو اتساع صلاحياتها بشكل يجعلها في أحيان كثيرة تفوق صلاحيات الحكومة الانتقالية نفسها” بل تفوق صلاحيات الحكومة المركزية في نظام اتحادي فتتغول على اختصاصات الولايات.
وأوضح الدرديري في مقالة صحفية أن صلاحيات يونيتامس تشمل طيفاً واسعاً يبدأ بتشجيع تجريم الختان الفرعوني وينتهي بتقديم النصح لمؤسسات القطاع الأمني والشرطي فيما يتعلق بترتيب شئونها. ويشمل ذلك فيما يشمل تحقيق كافة أهداف الوثيقة الدستورية، وصياغة الدستور الجديد، والإحصاء السكاني، والإعداد للانتخابات، ودعم حقوق الإنسان وسيادة القانون، والعمل مع مؤسسات التمويل الدولية لاستجلاب الدعم والمساندة الاقتصادية، ما يعني، وفقاً لوزير الخارجية الأسبق، ان رئيس البعثة الاممية الجديدة سيكون المسئول الأول عن إدارة الشأن السوداني كله والمكلف من قبل المجتمع الدولي بإنجاز مهام الفترة الانتقالية. ولا شك في ان ذلك سيجعل من منصب رئيس الوزراء منصباً شرفياً.

الإخباري_ عزمي عبد الرازق



مصدر الخبر موقع النيلين

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: