استقالة القرَّاي؛ خلل مكتب رئيس الوزراء




أنس مصطفى

استقال د. عمر القرَّاي من منصبه كمدير للمركز القومي للمناهج والبحث التربوي، وهي استقالة منطقية عقب قرار رئيس الوزراء تجميد العمل بالمنهج الجديد وتكوين لجنة قومية لمراجعته.

تحدث القرَّاي عن صمت رئيس الوزراء عن الحملة التي تعرض لها منذ البدء استناداً على انتمائه الفكري، ومن ثم الحملة الثانية عقب حديثه عن تخفيض عدد سور القرآن في المنهج الجديد وبالطبع هذه أشياء تقاس بمقياس الصواب والخطأ وليس بمقياس معاداة الدين. أوضح القرَّاي أن رئيس الوزراء لم يقم باستدعائه والنقاش معه حول ما تضمنته المناهج الجديدة طول هذه الفترة، وهذا بالفعل يبدو غريباً مادام من قام بتعيين القرَّاي هو رئيس الوزراء نفسه ومادام المركز يتبع لمجلس الوزراء وأظن أن هذا الخلل في آلية المتابعة لدى رئيس الوزراء هي سمة عامة تشوب أداءه وقلة كفاءة في عمل مكتبه. قرار تعيين مدير للمركز لم يكن يعني أن المهمة قد انتهت بالنسبة لرئيس الوزراء، بل العكس يعني بالضرورة وجوب اطلاعه على خطة عمل المركز، كيفية تكوين لجان مراجعة الكتب، وما تقترحه هذه اللجان.

أيضاً ما يثير الانتباه قيام القرَّاي بمقابلة المستشار الإعلامي لرئيس الوزراء ليشرح له ما تضمنه كتاب التاريخ مثار الجدل، ومن ثم ليقوم المستشار الإعلامي بشرح ذلك لرئيس الوزراء، وهذه النهج في التواصل بين الرجلين-مدير المركز ورئيس الوزراء- يبدو غريباً، فلامنطق إداري ليكون المستشار الإعلامي هو حلقة الوصل بينهما وعلى وجه الخصوص في أمر مهم ومفصلي من أعمال حكومة ما بعد الثورة وهو أيضاً إشارة إلى عدم رغبة رئيس الوزراء في لقاء القرَّاي.

تساءل القرَّاي عن تشاور رئيس الوزراء مع الصوفية، والختمية، والأنصار، وأنصار السنة، والاخوان المسلمين حول المنهج الجديد، وأنه كان أجدر برئيس الوزراءمهنياً وأخلاقياً، أن يتشاور مع الرجل الذي عينه مديراً للمناهج، وهذا قولٌ صائب، كما تساءل عن الذي منع رئيس الوزراء من التشاور مع لجان المعلمين، ونقابتهم، ومدراء التعليم في الاقاليم المختلفة، وهذا أيضاً تساؤلٌ في محله، أما حديث القرَّاي عن أن السعودية اعتبرت أنصار السنة من أخطاء الماضي وبالتالي لا يجب الاستماعإليهم فهذا من حيث المبدأ قياسٌ خاطئ، لكن في الأخير لا يجب فتح باب تدخل التيارات السياسية والدينية في مناهج التعليم فهذا ليس عملهم. كما أن قوله أنَّ قرار رئيس الوزراء الجديد يمثلتسليم للثورة التي مهرت بدماء الشهداء لقمة سائغة لفلول النظام البائد، وقوى الهوس الديني، والتطرف الأعمى بينما تمثل استقالته انحيازاً إلى جانب الشعب فهذا قول يحتاج إلى مراجعة فهناك ما يدلُّ على أن قطاعاً عريضاً من المجتمع كان له رأي سالب فيما يخص كتاب التاريخ.

بيان رئيس الوزراء حول تكوين لجنة قومية تضم التربويين والعلماء المتخصصين وتمثل كافة أطياف الآراء والتوجهات في المجتمع لتعمل على إعداد المناهج الجديدة يفتح باباً للسؤال حول كيفية تكوين هذه اللجنة، ومن هي هذه الأطياف التي ستتدخل في إعداد المناهج، وعن كيفية عملها، وعن دور المركز، وقبل ذلك عما إذا كان رئيس الوزراء قد أدلى بدلوه في اللجان الموجودة حالياً والتي كونها القرَّاي.
كنتُ من المتحمسينلشغل القرَّايمنصب مدير المركز القومي للمناهج لأنه مؤهل أكاديمياً، وهو مثقف، وسياسي صاحب خبرة كبيرة وكلها عوامل يفترض أن تقود إلى نجاحه، إلا أن ما وصل من بعض محتوى الكتب الجديدة به ما أضعف هذا الحماس فالمقررات تحتوي على مواد مأخوذة من ويكيبيديا نسخاً، وهذا خطأ كبير، فالويكيز ليست مصدراً أكاديمياً معتبراً وفوق ذلك هذا النسخ وبنفس الصوغ لا يسمح بهويعتبر انتحالاً، ويُستغرب من لجان تضم ٦٤ أستاذاً جامعياًوخبيراً كما أفاد القرَّاي، وهو عملٌ كسول لا يقبل حتَّى من طالب.

موضوع “لوحة خلق آدم”، هو من ناحية أكاديمية أيضاً عملٌ غير أمين فلا يمكنك قطع جزء من لوحة لأنَّ بها عُري، وأخذ الباقي، لأنك بذلك تتعدى على عمل فني دون أن تكون مخولاً لفعل ذلك، كما أنه لا حاجة إليه، تغنيك عشرات اللوحات للإشارة إلى عصر النهضة الأوروبية، من ناحية ثانية نفت اللجنة الفنية للكتاب إدراجها لهذه اللوحة وبهذا هو عمل تم خارج اللجنة التي وضعت الكتاب وهذا خلل في طريقة عمل المركز، وهو أيضاً عمل يفتقد إلى الحس البسيط بما سيترتب عليه، هذا دون مناقشة المسألة من منظور ديني وهوما استفاض فيه الكثيرون.

المؤتمر الصحفي الذي عقده القرَّايلم يكن موفقاً فهو لم يشرح ما الذي أدَّى إلى اختيار هذه اللوحة بالذات، وكيفية اختيارها رغم أن ما ستقود إليه هو أمرٌ بدهي، بل فضَّل بدلاً عن ذلك الجدل حول ماهية شخوص اللوحة، وعن أنهم أدرجوها دون شرح لمعانيها، وعن وجودها في منهج بالجامعة الإسلامية وأنه سأل الأستاذ الذي يقوم بتدريسها فأفاده بأن لا أحد من الطلبة سأل عن معناها وكل هذا ليسَبشيء ولا يؤدي.

في الأخير وجود خبراء لإعداد المناهج لا يمنع حدوث الأخطاء، بل ما يمنعها هو وجود نهج عمل يمنع ذلك وأخص هنا مرحلة المراجعة وهذا يسأل عنه القرَّاي، أما طريقة عمل مكتب رئيس الوزراء وآلية اتخاذ قراراته فهي متسقة في الخلل ولا يعول عليها.



مصدر الخبر موقع صحيفة التغيير

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: