السودان: د. حيدر معتصم يكتب: العالم يتغير.. أمريكا ليس مجرد إنتخابات




تثبت الأحداث كل يوم خطل و سذاجة نبوءة المفكر الأمريكي ذو الأصول اليابانية  يوشيهيرو فرانسيس فوكوياما الذي أشتهر بكتابه نهاية التاريخ والإنسان الأخير الصادر عام 1992م، والذي جادل فيه بأن إنتشار الديمقراطيات الليبرالية والرأسمالية والسوق الحرة في أنحاء العالم قد يشير إلى نقطة النهاية للتطور الإجتماعي والثقافي والسياسي للإنسان، و قد جاء ذلك بعد سقوط الإتحاد السوفيتي و إنهيار حلف وارسو و تفكك  منظومة الدول الإشتراكية في النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي الذي جاء تأكيداً على حقيقة أن الملك بيد الله يورثه من يشاء من عباده.. يعز  من يشاء و يذل من يشاء التي عُرِفت لاحقاً في الغرب بصراع الحضارات على يد المفكر الأمريكي أيضاً صمويل هامتينغتون الذي كتب أن العالم مقبل على صراع من نوع جديد بديلاً لصراع الأيدولوجيا و هو صراع الثقافات و رجح هامتينغتون أن الإسلام هو الخطر القادم على الحضارة الغربية بما يحمل من قيم أخلاقية و عدلية كونية غير مرتبطة بحدود  قطرية محدودة و كنتيجة طبيعية للفراغ الذي خلفه سقوط الإتحاد السوفيتي و البحث عن عدو جديد و التحريض الفكري المباشر لمكونات و أذرع النظام الرأسمالي الليبرالي الذي بدأ يأخذ شكلاً عدائياً ضد الإسلام و المسلمين في العالم العربي  و العالم و نتج عن ذلك العديد من الحروب  غطت جميع القارات و خلفت كثير من الموت و الدمار و الخراب و المأسي تحت مظلة الديمقراطية و حقوق الإنسان و ظهرت مصطلحات الإسلاموفوبيا و الإرهاب تلتها إنهيارات متتالية للنظم الإقتصادية العالمية الكبرى في أوروبا وأمريكا و آسيا أحدثت تغيرات و إنعطافات  كبرى في النظم السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية و حملات تشكيك واسعة للقيم العدلية والإنسانية الغربية شكلت ضربات قاسية و متتالية للنظم الليبرالية و تحولت تلك الضربات بشكل تدريجي من مربع الحالات الفردية وسط النخب إلى ظواهر إجتماعية في بدايات القرن الواحد و العشرين بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر و التي بدأ بعدها  النظام الليبرالي في التصدع و الإنهيار بوتيرة متسارعة فبالأمس إنهارت الأسس التي يقوم عليها النظام الإجتماعي الليبرالي أمام أسئلة و تحديات و ضربات و موجات المد الإنسانوي الباحث عن الأخلاق في بعدها الكوني و ليس القطري على مستوى الهويات الدينية و الثقافية و العرقية فيما بعد موجات الهجرة الشرعية و غير الشرعية التي فرضتها ظروف الحرب و الفقر والبطالة و فرضتها أيضاً ضرورة بعث الروح و الحياة في المجتمعات الغربية بعد أن أصابها التكلس و الجمود و التي أصبحت  أمامها القيم الليبرالية عاجزة وغير قادرة على إستيعاب و إدراك كنه ما حدث في تلك المجتمعات من تطورات جديدة على المستوى التنوع الثقافي و الديني و العرقي.
إن ما يحدث في الولايات المتحدة الأمريكية منذ بداية فترة حكم الرئيس دونالد ترمب و ما يجري الآن ليس مجرد إنتخابات رئاسية و تشريعية بشكلها المعتاد و الدوري و إنما هو حلقة من حلقات التحولات الحضارية الكبري و قد كانت أمريكا قبلها عبارة عن وحدة متجانسة من النواحي العرقية و الثقافية المتعلقة بهوية الدولة و الولاء للدستور و لكن نتيجة لضرورات متعلقة بإستمرارية الريادة حدثت تحولات ديموغرافية أدت إلى تغيرات جذرية في الخريطة السكانية و الهويات الثقافية و الدينية و لم تعد أمريكا كوطن متجانسة كما كانت في السابق و لذلك لم تعد النظم الهيكلية و التشريعية قادرة على مجابهة إشكالات التحولات الكبرى مما يستدعي إيجاد معالجات هيكلية و تشريعية مرنة قادرة على مجابهة تلك التغيرات الحضارية، والمتتبع لمجريات و أحداث الإنتخابات الأمريكية الأخيرة يجد الإنعكاس المباشر لتلك التحولات في سير العملية و يجد أن هناك  صراعاً ثقافياً هواياتي بدأ يبرز على السطح و أن هناك قلعة حصينة أخرى من قلاع الحضارة الغربية تنهار و تلحق بالحلقات العدلية و الثقافية و الإجتماعية السابقة لها في الإنهيار و هي قلعة النظام السياسي الذي ظل الغرب يروج له بأنه فعلاً نهاية التاريخ و لطالما غزا الغرب و حارب دولاً و شعوب بإسم الديمقراطية و هاهو الرئيس الأمريكي دونالد ترمب اليوم يرسم الخطوط العريضة لضرب تلك القلعة الحصينة و يدخل النظام السياسي الليبرالي كله في نفق مظلم من التشكيك الذي بدأ بمحاربة المؤسسات الإعلامية ثم النخب السياسية و ها هو ينتهي بالتشكيك في الآليات الإنتخابية  التي تشكل العمود الفقري لفكرة التداول السلمي للسلطة التي يقوم عليها النظام السياسي الغربي المبنى على التصويت الشعبي الموجه من خلال المال و المصالح الإقتصادية عبر النخب السياسية و الآلة الإعلامية الضخمة و مؤسسات قياس الرأي و ما حدث من إقتحام و إحتلال لمبنى الكونغرس كان صورة معبرة عن مستوى التراجع و التردي بطريقة تذكرنا بأفلام الكاوبوي التي وثقت للتاريخ الأمريكي فيما قبل القرن الثامن عشر الهجري و حتى تتضح الصورة بشكل أوضح تخيل أنك تتحدث مع أي أمريكي قبل عشرة سنوات من الآن و قلت له سيتم بعد عشرة سنوات من الآن إقتحام بعض الأميركيين لمبنى الكونغرس و إحتلاله لساعات إحتجاجاً على نتائج الإنتخابات سيرد عليك بكل ثقة بأنك واهم و تحلم و لن يحدث ذلك أبداً و ها هو اليوم يحدث و بتحريض مباشر من الرئيس الأمريكي شخصياً.
إذن هناك ثغرات تتكشف و كرة الثلج تتدحرج كل يوم بوتيرة أسرع ومجريات الأحداث تنبيء بأن ما حدث في الإنتخابات الرئاسية الأمريكية له ما بعده حيث بدأت تظهر ثقوب واسعة تؤكد على أن النظام الليبرالي بشكله القديم الذي يستند على الثقافة الأروبية اليونانية و الرومانية و بأبعاده الوثنية ذات التوجه الأحادي غير القادر على قبول ما حدث في المجتمعات من تحولات و لا يمتلك المرونة الكافية لإستيعاب التنوع الهوياتي الديني و العرقي و الثقافي و ليس ذلك على مستوى مؤسسات الدولة فقط بل ضرب التباين الواسع حتى المؤسسات الحزبية من الداخل و التي تحولت إلى تيارات غير قادرة على تحمل بعضها البعض بدرجة أصبحت تهدد بشكل مباشر وحدة تلك الكيانات السياسية العريقة و بقائها متماسكة أمام مابداخلها  من  تشاكس و تباين و تصدع وضيق بالرأي و الرأي الآخر و بوادر إنشقاقات.
المؤكد أن الشهور و السنوات المقبلة حبلى بأحداث كبيرة سيكون لها ما بعدها من حيث التأثير البينيوي على الحضارة الغربية و أن عالماً قديماً ينهار و  عالماً جديداً يتشكل و إنساناً جديداً يولد و أن ثقافة جديدة ستسود العالم و أن حضارة   الليبرالية و الديمقراطية و الرأسمالية و السوق الحرة على المحك.. نختم حديثنا بأن خداع إستخدام الدول الغربية للحرية و الديمقراطية و حقوق الإنسان كلافتات و مسوغات للتدخل في شؤون الآخرين من الدول الفقيرة من أجل نهب ثرواتها لم تعد تقنع أحد وهي دليل قاطع على قصور تلك الحضارة على مستوى المعايير الأخلاقية و تحقيق العدالة الإجتماعية في بعدها الأنسانوي الواسع و هو مؤشر قوي على إنحدار و بداية زوال تلك الحضارة و إفساح الطريق لحضارة أخرى قادرة على الإرتقاء بالعالم إلى رحاب العدل والمساواة و الإنسانوية المطلقة بديلاً لما تعانية الحضارة الغربية من أزمة عدلية و أخلاقية مستفحلة و إنحياز إثني و ثقافي على مستوى المنهج و الممارسة.. نواصل.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب






مصدر الخبر موقع الانتباهه

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: