حسن فضل المولي: عابدين دِرْمَه … الطريق إلى القَبْر


روى لي أحد الأصدقاء ، أنه اصطحب زوجته يوماً ، إلى أحد الأطباء ، وعند دخولهما إلى غرفة الإنتظار ، وجدا ( درمه ) جالساً ، فما كان منها إلا أن استدارت وأسرعت مُغادِرةً المكان ..
وهذا حال كثيرين ، عندما يرونه في مكانٍ ما ، يتصورون أنه يأتي مصطحباً ( ملك الموت ) ، والذي سيقبض أرواحهم على الفور ..
وفي أكثر من مرة ، رأيت من يُشِيْح بوجهه عنه في ( المقابر ) عندما يُقِبل عليه ، ويحدثه عن غرائب الأموات ، وماحدث عند موارة ( فُلان ) الذي يرقد هنا ، وذاك الذي يرقد هناك ، وتجد من يَسْوَّد وجهُهُ عندما يسأله ( درمة ) : أين يريد أن يُدْفَن ، وإلى جِوارِ من ؟ ..ْ
ويسألونك عن ( درمه ) ، وما أدراك ما ( درمه ) !!
فإذا كانت ( القَابِلة ) أول من تَسْتَقْبِل ، فإن ( درمةَ ) آخر من يوَدِّع ..
تلك تضع في ( المهد )
وهذا يُدْخِل في ( اللحد ) ..
لقد انتدب الرجل نفسه لمهمة ، لا يقوى عليها إلا أولو العزم واليقين ، وهي مباشرة إعادة الإنسان إلى الأرض التي خرج منها ، ومرافقته إلى
( مَرْقَدِه ) ، إيذاناً ببداية رحلة أبدية ، علمها عند الله ، إلا أنها ستنتهي في النهاية إلى نعيمٍ مُقيمٍ ، أو إلى لظىً نزَّاعةً للشَّوَى ..
إنه الموت ..
ويسألونك عن الموت !!
وهو مفارقة الروح للبدن ..
بزوال الحياة عن كل كائن حي ،،
( كل نفسٍ ذائقة الموت )
و الناس عنه غافلون ، وكأنه غير مدركهم ، وهم على الحال التي صورها سيدنا علي كرم الله وجهه في قوله : ( لقد غفلنا عن الموت غفلة أقوامٍ غير نازلٍ بهم ، وركنا إلى الدنيا وشهواتها ركون أقوامٍ قد أيقنوا بالمقام ، وغفلنا عن المعاصي والذنوب غفلة أقوامٍ لايرجون حساباً ولا يخافون عقاباً )
إن الموت ليس عدماً محضاً ..
فالذي أوجد الحياة ، خلق الموت خلقاً ، ليبلونا أينا أحسن عملا ، لذلك تجد للموت رهبة ووقعاً على النفوس ، يكاد يزلزلها ويذهب بها ، وهذا ماتراه من حال الناس وهم يحيطون بجسدٍ مُسَجَّى فارقته الروح ، حتى أنك ترى البعض وقد انتحى مكاناً قَصِيَّاً ، حتى لا تقع عيناه عليه ، ومن الناس من يجفوه النومُ أياماً وشهوراً ، إذا ما وقعت عيناه على جثة هامدة ..
ذلك أن الموت شديد الوطأة على الأحياء قبل الأموات ، فما بالك بمن يعاني سكراته !!
( وجاءت سكرة الموت بالحق )
قال شداد ابن أوس : ( الموت أفظع هولٍ في الدنيا والآخرة على المؤمن ، وهو أشد من نشرٍ بالمناشير ، وقرضٍ بالمقاريض ، وغليٍ في القُدُور ، ولو أن الميت نُشِرَ ” بُعِث من قبره ” فأخبر أهل الدنيا بألم الموت ، ما انتفعوا بعيشٍ ولا تلذذوا بنوم ) ..
وقد سئل أحدهم عن أبلغ العظات
فقال : ( النظر إلى الاموات ) ..
وما من أحدٍ يُكثر من ذكر ( الموت ) وملازمة الأموات ، إلا وكان إلى الله أقرب ، ومن عذابه أخوف ..
وهذا ظني في ( درمه ) ..
بل وقناعتي ..
لقد أصبح بالنسبة لي ، مرأىً مألوفاً ومؤثراً و مُوقِظَاً ، والرجل ( بجلبابه ) الأخضر ، يسارع إلى مشاركة حَمَلَة ( النعش ) و وضع الجثمان كما ينبغي أن يوضع ، ويُسَوِّي صفوف المصلين ، ثم يُسْرِع بالمشيعين إلى مكان القبر ، الذي أشرف على حفره ، ويَنْزِل في القبر ، ليُضْفِي عليه شيئاً من اللمسات الأخيرة ، ثم يضع الميت في( اللَّحْد ) ..
وصفة ( اللحد ) ، أن يُحْفَر في في أسفل جدار القبر ، الأقرب إلى القبلة ، مكاناً
يوضع فيه الميت على جنبه الأيمن مستقبلا القبلة . ثم يقوم بغلق هذه الحفرة ( بالطوب اللَّبِن ) خلف ظهر الميت ، ويهيل عليه التراب ، وعندما يرتفع القبر عن الأرض قَدْرَ شِبْر ،
يرُشُهُ بالماء ، ويُستَحَبُ ( رش ) القبر بالماء ، لئلا يَنْسِفُهُ الريح ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم ( رَشَّ ) على قبر ابنه ( إبراهيم ) ماءً ، ووضع عليه حصباء ، والحَصْباءُ صِغار الحصى ..
وما أن يفرغ ، حتى يدعُوَّ للميت بما تيسر من مأثور الدعاء .. فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله :
«اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ؛ فَإِنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ» ..
أي أن إكرام الميت يكون بالدعاء فقط، لا بما يقع أحياناً من بعض ( السُوقَة ) و(الجهلاء) ، بإطلاق الهُتاف والصِياح ، وإثارة الجَلَبَة ، بما يَصْرِف( المشيعين ) عن الصلاة والدعاء ، وهو السلوك الذي يُعدُ خروجاً عن التسليم بأن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيئ عنده بمقدار ،
وليس بكثيرٍ على الله ، من مات شهيداً ، أو مات كما يموت البعير ..
إنني لا أدري ، كم ( عقد ) من الزمان و( درمه ) يستقبل قوافل الموتى على مدار اليوم ، متنقلاً بين مقابر ( الصحافة ) و ( حلة حمد ) و ( فاروق ) و ( الرميله ) و ( المنداري ) و ( البكري ) و ( أحمد شرفي ) ..
يأتونه ( بالغريق ) و ( ميت الحريق ) و( المقتول ) و ( الشهيد ) ومن مات في ( حادث ) أو نتيجة ( مرض ) ، ومن هوى من ( شاهق ) ، وذلك الذي نام على ( فراشه ) فما استيقظ ..
الوَلِيد ، و من في ريق الشباب ، ومن بلغ أرذل العمر ..
الفقير والغني ..
وضِيِع القوم وسيدهم ..
الفاجر والمحسن ..
وإبان جائحة ( الكورونا ) ،،
تلك ( الكورونا ) التي لا تميز بين ( دونالد ترامب ) و ( عاشه ) ست الشاي ..
وقد جعلت الناس يعمدون ، طائعين خائفين ، إلى إحكام تكميم أنوفهم وأفواههم ..
وترى المرء يفر من أمه وأبيه ، ومن صاحبته وبنيه وفصيلته التي تؤويه ..
وقد تكاثر الأموات ..
و ( الجنائز ) تأتي تباعاً ، كان ( درمه ) كالعهد به ، غير هيَّابٍ ولا وَجِل ، أو متخذاً لنفسه حِجْراً محجُوراً ..
كان ملازماً ( للتُرَبْ ) متنقلاً بين أهل ( الجَبَّانَة ) ، ما أن يفرغ من ( دافنة ) ، حتى ينتقل لأخرى ، مابين صلاة ودعاء ، وتخفيف لوقع المصاب ..
وقد ثبت عن النبي عليه السلام قوله : ( من شهِد الجَنازَة حتى يُصَلِّي فله قِيراط ، ومن شَهِد حتى تُدفن كان له قِيراطان ، قيل وما القيراطان ؟ قال : مثل الجبلين العظيمين ) ..
فبالله عليكم ، أي عمل يضاهي هذا الصنيع !!
وأي مسعى في الحياة أبرك وأبَرَّ من التقرب إلى الله ، بالقيام بواجب إكرام من اختارهم الله إلى جواره !!
وأي قوة ، أودعها الله قَلْبَ من يداوم على هذا الفعل ، والذي يَقِلُ فاعِلُوهُ !!
وأي( جبالٍ )من الأجر والثواب ، قد حِيْزَت له ، مصداقاً لقول رسولنا الكريم !!
ويأتيك بعد ذلك من يتجَنَّى عليه ، زوراً وبهتاناً ،،
إذ يظلمه البعض ، بإدعاء أنه لا يأتي إلا لِعِلْيَّةِ القوم ، وهذا بُهْتانٌ عظيم ، فإذا كان البعض يراه ( يُقْبِرُ ) بعض الموصوفين بالشهرة أو الجاه أوالسلطان ممن تُسلط عليهم الأضواء ، فإن الذي لا يعلمه هؤلاء أن الرجل يسعى إلى المغمورين بينما يسعى إليه المَعْلُومون ، وكذلك يُؤْثِر من يعرف ، إذ أن المرء مأمور بإسداء المعروف إلى الأقربين ومن يلوونه قبل الأبعدين ..
وهو في النهاية بشر ، يعتريه كل ما يعتري الإنسان من قصور وعجز عن القيام بكل الواجبات ، لذا فإن البعض يكلف الرجل شططاً أو مستحيلاً ، إذا شاء أن يجده في كل ( دافنة ) ..
ولِنُوطِنَ أنفسنا على قبول المعروف والإحتفاء به ، من كل من يتصدى لفعل الخيرات ، دون بَخْسٍ أو انتقاص ..
ولنجد له العذر ، إذا بدا لنا منه تقصيرٌ
أو غفلةٌ أو زلةُ لسان ، أونسيان .. ومما قيل في أسباب تسمية الإنسانُ إنساناً لنسيانه ، وهو المشهور من قول ابن عباس ، رضي الله عنهما : ( إنما سُمي الإنسان إنساناً لأنه عُهد إليه فنسي ) ..
إن الذي يقوم به ( درمه ) يختلف عن وظيفة ( الحانوتي ) ..
وقد كنت أقف على مايقوم به ( الحانوتي محمود )إبان فترة عملي ( بمصر )، عند وفاة أحد المعارف ، إذ أني أكِلُ إليه مهمة الإجراءات من وإلى ..
ذلك أن ( الحانوتي ) متعهد ، يمتهن هذه الوظيفة ، إذ أن له مكتب ورخصة وسجل تجاري ، ويتقاضى على ذلك أجراً معلوماً لا يتنازل عنه ..
وتبدأ مهمته بإكمال الإجراءات من استخراج شهادة الوفاة ومخالصة المستشفى ثم نقل ( الجثمان ) إلى ( مستشفى المعلمين ) حيث المكان المعد ( للغُسل والتكفين ) وتمتد مهمته إلى حجز وترتيب ( المقبرة ) إن كان مرقدُه ( مصرَ ) أو وضعه في ( الصندوق ) ومن ثم إتمام إجراءات نقله عبر ( المطار ) .. ولعل أكثر ماكان يهزني ، رؤية من جاء على قدميه ، يعود محمولاً في ( صندوق ) ، يوضع مع الحقائب والأمتعه ، فسبحان مبدل الأحوال ..
أما بالنسبة ( لدرمه )فالأمر جَدُّ مختلف ، فهو فعَّالٌ لما أَحَبَّ ، مما سخره اللهُ له ، بتجردٍ ونكران ذات وطيب خاطر ..
والذين يُلْمِزُونَه بمنافع تعود إليه ، حسداً من عند أنفسهم ، فلِيعلموا أن الذي يرزق الطير ، وهي تغدو خِماصاً وتروح بِطاناً، أقدر على إكرام عبده ( درمه) الذي أوقف حياته على إكرام عباده ، وهم يغادرون الدنيا ، عُراةً حُفاةً ، لِحافُهم ( بِرِشْ ) ولِباسهم( كَفَن ) وعطرهم ( حَنُوط ) ، و لا يملكون لأنفسهم ضَرَّاً ولانَفْعَاً ..
وأنا كلما رأيت ( درمه ) أغبِطُهُ ، وأرى فيه تَذْكِرةً وموعظةً ، وأستحضر موقفاً عصيباً مزلزلاً ينتظرنا جميعاً ، وإن كنا نراه بعيداً ،، إنها تلك اللحظات القاسيه التي تُنْتَزع فيها أرواحنا إنتزاعاً ، وتُقْتَلع اقتلاعاً ، وتُنْتَف نَتْفَاً ،، لحظات ( الإحتضار ) التي تُطْبِق فيها علينا ( مُصيبة ) الموت ، فيبرد الجسد ، وتسترخي القدمان مع انفصالهما ، وتلتف الساق اليمنى على اليسرى ، وينفصل الكَفَّان ، ويرتخي الفك الأسفل ، ويميل الأنف ، وينخسف الصِدغان ، وتمتد جلدة الوجه ، ويشخص البصر ..
ولما حضرت سيدنا عمر بن عبدالعزيز الوفاة ، قال : ( أجلسوني ) ، فأجلسوه ،
فقال : ( أنا الذي أمرتني فقصرت ، ونهيتني فعصيت ، ولكن لا إله إلا الله ) ثم رفع رأسه فأحدّ النظر ،، أي دقق النظر وجحظت عيناه ، فقالوا له : ( إنك تنظر نظراً شديداً يا أمير المؤمنين ؟ ) فقال : إني أرى حضرةً ،، أي حُضوراً ،،
ماهم بإنسٍ ولا جِن ) ثم قُبض ..
(82) فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (87) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (89) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (91) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (95) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (96) صدق الله العظيم ..
و إني لعلى يقين ، من أن حالنا سينصلح كثيرا ، وسَنُقْلِعُ عن ظلم العباد ، إذا استرخى كُلٌ منا على سريره ، مرةً في اليوم ، وأطْبَق جَفْنيه ، ثم أدار شريط هذا المشهد ، الذي آتيه لا محالة ، إلى أن يتراءى له دِرْمَه ،وهو يُوَسِّده التراب ..
و ( إِنَّا لله وإنا إليه راجعون )
اللهم ارزقنا حسن الخاتمة ..
وأحْسِن إلى ( درمه ) ، بقدر ما أحسن
إلى أموات المسلمين ..
والسلام ..

حسن فضل المولي
أم درمان ١٠ / ١ / ٢٠٢١



مصدر الخبر موقع النيلين

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: