السودان: بروفيسور/ زين العابدين صالح عبد الرحمن يكتب: سياسة المعادلات بين قوى الفترة الانتقالية




بعد غياب الإمام الصادق المهدي عليه الرحمة: هل قيادة حزب الأمة تريد السير في طريق الحكمة، أم أنها سوف تتبع طريق المكاسب الحزبية من خلال استخدام منهج المعادلات السياسية؟
عندما اشتد الخلاف بين قوى الحرية و التغيير و المجلس العسكري و توقف التفاوض. و بدأت الدعوة لمدنية السلطة بهدف تحجيم دور العسكر في السلطة. قال الإمام أن العسكر جزء من الثورة و يجب التعامل معهم وفقا لهذه القناعة، لكن كان اليسار في حالة من النشوة اعتقد أنه سوف يدير الأزمة بالصورة التي تجعله هو الذي يقرر في شأن الدولة. حيث انتصرت فكرة السلطة علي فكرة التحول الديمقراطي. و كل فكرة من هاتين لها ثقافتها و منهجها و آلياتها لتحقيق أهدافها. كانت قبائل اليسار مع فكرة السلطة، و هي فكرة تعتمد في ظرف التحول و التغيير السياسي لاستخدام شعارات العزل و الإقصاء. و هي شعارات دورها يتمحور في تعقيد العمل السياسي و فرض رؤية إحادية على الآخرين. كان أعتقاد اليسار أن تمليك شعاراته إلي الشارع سوف يجعل الكل تحت الصدمة التي تعجزه أن يتحرك بالصورة الفاعلة لتشكيل المعادلة السياسية بصورة جديدة تخلق واقعا جديدا، تقنع اليسار أن حجمه الاجتماعي لا يؤهله لقيادة الدولة لوحده. لذلك تعامل اليسار بتجاهل مع مقولات الإمام. و ركزوا علي تعكير الجو من خلال تصعيد الحرب علي العسكر حتى بعد توقيع الوثيقتين ” السياسية و الدستورية” مما جعل العسكر يلجؤون للمجتمع بحثا عن حاضنة جديدة أو تحجيم ” قوى الحرية و التغيير” وكان الاختيار علي الثانية عندما مدوا حبال الوصل مع الجبهة الثورية.
تجميد الجبهة الثورية دورها داخل تحالف قوى الحرية و التغيير لم ينظر له اليسار بأنه ذو أهمية، باعتبار إنهم يملكون القوة في الشارع، و أغفلوا أن الشارع نفسه هو عرضة للاستقطاب. الأمر الذي نقل الصراع داخل الحاضنة السياسية، و جاهد حزب الأمة بقيادة الإمام أن يكسر أنيفة اليسار من خلال تغيير المعادلة السياسية داخل الحاضنة، لكنه فشل بعد أختيار الحكومة، لذلك جمد كل نشاط حزبه داخل الحاضنة، و طالب بإعادة تنظيمها من خلال مؤتمر تتم فيه أختيار قيادة هرمية للحاضنة، تقاعس اليسار عن الطلب، لأنه كان علي قناعة بأنه الآن يدير دفة السياسية بأجندته، الأمر الذي يجعله في النهاية يفرض شروط الدولة التي يريدها. لكن كانت المفاجأة أن العسكر استطاعوا أختراق الساحة السياسية بسهولة جدا عندما تجاوزوا الوثيقة الدستورية و كونوا “الهيئة العليا للسلام” برئاسة رئيس مجلس السيادة لتكون فوق “مفوضية السلام” و التي حسب نص الوثيقة الدستورية يكونها رئيس الوزراء و تكون هي المسؤولة عن عملية التفاوض من أجل السلام. و سكت حمدوك دون أي اعتراض و ادار مجلس السيادة مفاوضات السلام، و رفضت الجبهة الثورية أي حضور لقوى الحرية و التغيير في المفاوضات. و تغيرت موازين القوى في الساحة. أثناء المفاوضات كان هناك نقد لمفاوضات جوبا من بعض القوى السياسية، خاصة حزب الأمة و الشيوعي. لكن بعد التوقيع في جوبا قال الإمام الصادق يجب أن نحترمها و نعتبرها خطوة تحتاج لتكملة. هنا كانت نظرة المهدي ثاقبة لأنه يريد كسب الجبهة الثورية و أيضا العسكر. بينما ذهب الحزب الشيوعي لتوقيع اتفاقات مع الحلو و عبد الواحد، و يشعل معركته ضد العسكر، باعتبار إنهم تجاوزوا الوثيقة الدستورية. لكنهم لم يسألوا أنفسهم لماذا سكت رئيس الوزراء علي تجاوز الوثيقة الدستورية؟ ثم وجد الحزب الشيوعي نفسه وحيدا داخل الحاضنة السياسية، لا تجد مقترحاته قبولا من قبل الأخرين، لذلك فضل الانسحاب من تحالف قوى الاجماع بعد ما ذهب حليفه حزب البعث ” السنهوري” تجاه مصالح الحزب و عضويته بعيدا عن شعارات يعلم تماما في ظل هذه التحولات لا تتحقق، ففضل البحث عن المكاسب.
هذه التحولات السياسية في الساحة جعلت كل القيادات تنظر للصراع من خلال الفلسفة البرجماتية، و تدير الأزمة وفقا للمكاسب الحزبية، و أصبحت الأجندة الوطنية مؤجلة، أو الاحتفاظ بها كشعارات ترضية للشارع الذي أضعفت قواه بالحالة الاقتصادية المتردية، و البحث عن الأفران الموأمل أن يكون فيها فتات من العيش.
تغيرت المعادلة السياسية، و اتفاقية “سلام جوبا” قد أعطت الجبهة الثورية مقاعد في مجلس الوزراء و السيادي و التشريعي، و مقاعد التشريعي مخصومة من نسبة 67% التي كانت قد اعطيت لقوى الحرية و التغيير. لكن حزب الأمة يريد مقاعد حسب حجمه في الوزراء و التشريعي، و هناك مقاعد بنسبة 33% يجب أن تقدم للقوى التي شاركت في الثورة لكنها لم توقع علي ” إعلان الحرية و التغيير” بعد هذه القسمة تكون قوى الحرية قد ضعفت و كسرت أنيابها، مما يجعلها توافق علي طلب حزب الأمة، لأنها لآن تبحث عن حليف قوي و يجب أن يكون له قاعدة اجتماعية عريضة، فهي مجموعة من الأحزاب الصغيرة تفتقد للقاعدة الشعبية، و العسكر أيضا في حاجة لتوافق مع حزب الأمة حتى تستمر المساومة السياسية لنهاياتها، و لا تشذ الجبهة الثورية عن ذلك فالحزب الأمة مايزال يشكل لها حضورا في أذهان قياداتها. الأمر الذي يؤكد أن قبضة اليسار قد تراخت تماما، بل اليسار الذي ما يزال داخل ” قحت” أصبح يسار دون أي كروت للضغط ، و ليس له دورا في حركة الشباب في الشارع، هؤلاء يريدون فقط الحفاظ علي المكاسب التي وجدوها في تعيين بعض من عضويتهم في وظائف قيادية، و يريدون أن يكونوا جزءا من السلطة حتى و لو علي هامشها.
أن مطالبة حزب الأمة بمقاعد في مجلسي الوزراء و التشريعي حسب حجم الحزب، هنا تأتي المفاضلة بين الحكمة و المكاسب الحزبية، و تعلم قيادة حزب الأمة أن حزبهم وصل لهذا الموقف بحكمة الإمام، لأنه كان يريد أن تنتهي الفترة الانتقالية بسلام للوصول إلي إعطاء الشعب حقه في اختيار ممثليه، أي الوصول لعملية التحول الديمقراطي، دون أن يدخل في مواجهات مع اليسار في ذلك الوقت و يتهم أنه يعمل ضد الثورة، و كان يعلم أن العسكر سوف يتحركون لتحجيم دور الحاضنة لتعزيز موقفهم، مما يجعل حزب الأمة في موقف يستطيع أن يقدم مقترحات الحل. الأن رحل الأمام هل ستبقى الحكمة سيدة الموقف، أم أن المكاسب الحزبية تصبح هي كعبة الطواف التي تتجه لها القيادة، و الأخيرة لن تعجل بعملية التحول الديمقراطي، لآن فكرة السلطة سوف تظل هي سيدة الموقف. نسأل الله حسن البصيرة.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب






مصدر الخبر موقع الانتباهه

أضف تعليق