السودان: د. حيدر معتصم يكتب:  حوارات حول الأفكار.. السودان: فرص العبور و حواجز الدم  (9)




لا يوجد دليل أكثر وضوحاً على فشل و عجز الأحزاب مما يجري من توهان و تخبط و ما نعيشه من فراغ في الفعل و الممارسة على المسرح السياسي الآن بعد عامين من إنتصار الثورة و الأحزاب السياسية في حالة عجز كامل فلا وجود لأطروحات أو مبادرات فكرية تعالج إشكالات الواقع على
المستويات السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية  ولا ندوات و لا برامج و لا قيادات سياسية بارزة تقود المشهد و تعبر عن رغبات الجماهير و تطلعاتهم و تلك أدلة قاطعة أولاً على أن الأحزاب أصلاً كانت نائمة طوال ثلاثين عاماً و ليس لها برامج و لا مواثيق توافقية تعاهدت عليها و ثبت جلياً أن ما كان بينها
هو إتفاق على خطوط عريضة و شعارات عاطفية براقة لم تحسن حتى الآن الإلتزام بها كشعارات و تفرقت أيدي سبأ بعد إنتصار الثورة بحثاً عن مكاسب حزبية و شخصية كعادتها بعد كل ثورة و تعيد المشهد تماماً بتفاصيله كما حدث بعد أكتوبر و أبريل، و محاولات إيجاد مبررات لعجز الأحزاب و ربطها
بالنظام الدكتاتوري هو مبرر واهي  يعبر عن عجز آخر يضاف لقائمة الإخفاقات التاريخية و يبدو أن الأحزاب كعادتها كما تفاجأت بالثورة قبل ذلك مرتين في أكتوبر و أبريل فهاهي تتفاجأ للمرة الثالثة في ديسمبر ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، و ما من دليل أكثر وضوحاً على فقر الأحزاب و خوائها من
عجزها عن إيجاد مقاربات فكرية لمعالجة الأزمة السياسية و هروبها من ذلك بجر الجماهير و شغلها عاطفياً بمعارك قانونية عدلية مثل قضايا الشهداء و الظلم و غيرها من القضايا العاطفية المؤثرة بشكل سلبي على العقل الجمعي و بث الغبن و الكراهية في المجتمع و محاولات ملء الفراغ السياسي عن طريق
العمل الثوري الجماهيري الذي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون بديلاً لملء الفراغ السياسي.
ولمزيد من التأكيد على عجز الأحزاب و خروجها من المشهد تماماً دعونا نرسم صورة أو مقاربة للطريق الذي كان ينبغي أن تسير عليه الأحداث بعد إنتصار الثورة لنأتي و نقارن تلك الصورة مع ما يحدث في الواقع الأن، و كما هو معروف فإن أية ثورة تمر بمراحل تبدأ بمرحلة التحضير و التخطيط لكل
مراحل المشهد قبل و أثناء الثورة و فيما بعد الإنتصار على المستوى الجماهيري الثوري و المستوى السياسي و التشريعي و العدلي و الأمني و غيرها من الملفات الحيوية المرتبطة بالإنتقال السياسي من الحكم العسكري إلى الحكم الديمقراطي المدني و التي تبدأ عادةً بمرحلة العمل الثوري الجماهيري و تعقبه
مباشرةً بعد سقوط النظام الدكتاتوري مرحلة إنزال الخطط و البرامج إلى الواقع و تنفيذها كما هو متفق عليه بين المكونات السياسية و لكن وضح جلياً أنه لا توجد برامج و لا خطط و كل الذي تحمله الأحزاب من برامج هو رصيد هائل من الغبائن و تصفية الحسابات و الإنصراف كلية لمعارك جانبية و
إستخدام الجماهير في قضايا عاطفية  تتضارب مع أجنداتها الحقيقية  الأهم على المستوى الإستراتيجي و ليس أدل على ضعف الأحزاب من إعتمادها على الجماهير و الفعل الثوري بعد عامين من إنتصار الثورة و هو دليل واضح على وجود فراغ سياسي كبير تحاول الأحزاب أن تملأه عن طريق خداع
الجماهير و شغلها بقضايا عاطفية عدلية مكانها المحاكم لو كانت هناك خطة و برنامج مرسوم و كان الأجدر و الأفضل بعد سقوط الدكتاتور مباشرة أن ينحسر العمل الثوري تدريجياً لتنصرف الجماهير تدريجياً لمعركة بناء مؤسسات المجتمع المدني التي تمثل الركيزة الأساسية في بناء للدولة و من ثم الإستعداد
للبناء و التعمير و حماية تلك الدولة الوليدة عبر المؤسسية المنشودة و هذا مالم يحدث و لن يحدث طالما أننا نسير على الطريق الخطأ خلف أحزاب السراب الذي تحسبه الجماهير ماءً.
كان الأهم و الأولى قبل  الصراخ و إعلاء الصوت بإصلاح المجتمع المدني الغائب و إصلاح أو إعادة هيكلة الجيش أن تنصرف الأحزاب لإصلاح شأنها و إعادة بناء نفسها على أسس وطنية خالصة و هي الأولى بذلك بديلاً للعصبيات العشائرية و الطائفية و الأيدلوجية و في هذا الإطار فإن ما تجري من
حملات مشبوهة من أجل لجم الجيش السوداني و الأجهزة الأمنية الأخرى في ظل عدم فاعلية الأحزاب و وجود فراغ سياسي عريض بالإضافة إلي التغييب المتعمد و عدم الإكتراث ببناء مؤسسات المجتمع المدني المؤسس و المنظم و الواعي أو المدرك لقضاياه الوطنية و الذي يمثل الركيزة في بناء الدولة
فإن الحملة المنظمة تحت لافتة أو ذريعة إعادة هيكلة الجيش لهي في ظني حملة مشبوهة و ذات أغراض غير وطنية و كان الأولى أن يعاد هيكلة المجتمع المدني الحارس الأمين للدولة و كان الأولى أن تتم إعادة هيكلة الأحزاب نفسها، فإذا كان الجيش هو البندقية التي تنقض على الديمقراطية و الحكم المدني
فإن الأحزاب ظلت دائماً هي اليد التي تعبث بزناد تلك البندقية على مدى تاريخ الإنقلابات العسكرية في السودان و عليه فإن إصلاح الأحزاب و مؤسسات المجتمع المدني هو تلقائياً إصلاح للمؤسسة العسكرية و المؤسسات الأمنية الأخرى.
إن ما يجري من صراع عبثي و سباق و خلط للأوراق بين الأحزاب و قيادة المؤسسة العسكرية و ما يحدث من خداع و تغبيش للشعب و الجماهير  يمثل صورة بائسة جداً لا تشبه الثورة و عنفوانها و مايجري بين  الطرفين الحاكمين و المعارضة يمثل معالجات تكتيكية مجربة لا تخدم إلا مصالح حزبية ضيقة
و أخرى خارجية لا تريد بالوطن و أهله ومصالحهم العليا خيراً ، و لا سبيل لإصلاح ذلك التنافر و ذلك التشظي الوطني إلا بالإصطفاف خلف رايات الوحدة الوطنية و دعم التيار التوافقي من أجل بناء سودان جديد ينعم بالحرية و السلام و العدالة الإجتماعية…
نواصل.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب






مصدر الخبر موقع الانتباهه

أضف تعليق