الفترة الانتقالية.. إعلام مكسور الجناح


الانتباهة اون لاين موقع اخباري شامل

الخرطوم: أحمد طه صديق
بعد حرب يونيو 1967 جمعت إسرائيل أحذية الجنود المصريين حتى من الجرحى وصنعت منها تلاً كبيراً ثم وضعتها في احدى المدن المهمة , والحدث كان ذا تأثير نفسي أكبر من سيل الكلمات التي أنفقتها الحكومة المصرية في خطابها التعبوي ضد اسرائيل والذي قادته إذاعة صوت العرب بنهج اعلامي ينضح بالهياج العاطفي في حين أن اسرائيل اختذلت بمكرها الحرب الدعائية في كوم من الاحذية لجنود الخصم المنسحبين

الإعلام العسكري بين جدلية السرية والتوظيف
واسرائيل دائماً ما تجنح في خطابها الاعلامي الى أسلوب الصورة المرئية لاحداث مزيد من التأثير العاطفي للتغطية على جرائمها في الأرض المحتلة , بل حتى عندما فجر الفلسطنيون انتفاضة الحجارة التي شارك فيها حتى الاطفال والصبية الصغار والتي أحدثت ردود فعل دولية حيث أظهرت تعاطفاً مع هذه الحرب غير المتكافئة والتي يستخدم فيها الاسرائليون العنف المفرط من حيث الضرب المبرح بالهراوات والطلقات البلاستيكية وأحياناً الرصاص الحي , بيد أن اسرائيل كانت تحرص دائماً على مضايقة المراسلين الأجانب حتى لا ينقلوا تلك التجاوزات لكن مع ذلك استطاعوا أن ينقلوا انطباعاتهم عن أرض المواجهة وان كان بعضهم غير محايدين فاضطرت اسرائيل لاصدار شريط يبين قيام الفلسطنيين تدريب ابنائهم على رمي الحجر والمقلاع بينما أبرزت بالمقابل صورة الأطفال الاسرائيليين كمسالمين يلعبون في براءة والقصد أن اسرائيل لا تزج بالأطفال الأبرياء في أتون المواجهات الخطرة وأن أطفالها يعيشون حياتهم العادية ويتمتعون ببراءتهم , لكن بالطبع فإن الإعلام الفلسطيني والعربي لا يستطيع أن يوصل صوته ويضحد هذه الرسالة المضللة .
لكن في بعض الأحيان تكون الحرب الاعلامية ذريعة لشن الحرب ضد دولة ما فعندما عزمت الولايات المتحدة والغرب شن الحرب على العراق روجت الحكومة الأمريكية وأجهزة الإعلام الصهيونية أن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل حتى أن الرأي العام هناك شعر بالذعر بل بدا متحمساً لخوض تلك الحرب باسرع ما يمكن ثم تكشفت الحقائق بعد الاحتلال وكذب هذه التبريرات لكن الإعلام الغربي والصهيوني حاولا التغطية على ذلك وركزا في خطابهما للشعب العراقي أنه تخلص من نظام قمعي يساند الارهاب وأن قوات التحالف هي التي أنقذته لتعيد الى الشعب العراقي حريته وكرامته التي أهدرها النظام المخلوع .
لكن المفارقة أيضاً أن النظام العراقي القابض عندما خطط في عام 1990 لغزو الكويت روج لحملة إعلامية تتهم الكويت بأنها تسرق النفط العراقي عبر نظام الحفر المائل وقال الرئيس العراقي صدام حسين عبارته الشهيرة قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق مؤكداً أن الكويت جزء من العراق تم اقتطاعها من قبل الامبريالية الغربية .
وفي لبنان برع حزب الله باستعمال الصورة في حربه الاعلامية ضد اسرائيل ويقول أحد مصوري الحزب أنهم بسبب لقطة مصورة قامت أربع أمهات اسرائيليات قتل أبناءهن في جنوب لبنان قمن بجمع أمهات الاسرائيليات وقدن حملة تدعو لانسحاب القوات الاسرائيلية من جنوب لبنان وقال لقد استخدمنا أسلوب اللقطات التلفزيونية السريعة التي تعرض بعض المشاهد بطريقة فنية معينة تظهر انهيار الجنود الإسرائيليين وقال إنهم عرضوا أيضاً صورة الطفل الفلسطيني الذي يلاحق جندياً إسرائيلياً مدججاً بالسلاح مشيراً بأن هناك خبراء ومفكرين وقياديين كانوا خلف هذه الصور يدرسون الطرق المناسبة لاستخدامها ضد العدو .
لكن يمكن أن تقود الحملات الإعلامية القوية المنظمة المتكئة على العمل بتفكيك دولة أو المساهمة في تغيير نظامها كما فعلت الولايات المتحدة والغرب إبان الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي السابق حتى تمكنت من الاسهام في تفكيكه لاحقاً عندما أوحت للشعب الروسي بأن النظام الليبرالي هو بديل للشيوعية والمخرج من القهر وكبت الحريات ومفتاح للحرية الشخصية التي كانت مغيبة .
ولاهمية الاعلام في تحقيق المصالح الاستراتيجية للدول أنشأت الولايات في عهد بوش الأب مكتباً أسمته ( مكتب التأثير الاستراتيجي) وخصصت له ميزانية ضخمة .
لكن حتى بعيداً عن الحرب فإن الحملات الانتخابية تعتمد على التوظيف الاعلامي الذكي فالرئيس الامريكي السابق بيل كيلنتون إبان الحملة الانتخابية استخدم اسلوباً مبتكراً عندما أمسك بالجيتار وعزف عليه امام حشد كبير من مؤيديه ، كما ألقى بعض النكات ثم سخر من نفسه ضاحكاً مما أثار اعجاب الكثيرين حتى من خصوم حزبه فالرئيس كلينتون الشاب آنذاك خاطب الشباب بالنمط الذي يتناسب معهم وكأنه أراد أن يذكرهم بأنه شاب ينتمي إليهم ويتواءم مع ميولهم ومرتكزاتهم النفسية .
الإعلام العسكري السوداني
في عهد النظام البائد كانت بيانات الناطق الرسمي عن مجريات الاحداث إبان حرب الحكومة مع الحركة الشعبية تتسم بالعمومية بل كانت تشكل نسخة مكررة يتم اجترارها في كل حيثيات الاحداث مع تغيير طفيف في وصف الحدث ، ولم تفلح في التوظيف الجيد في خطابها الاعلامي بابراز التجاوزات التي احدثها عدوها هناك عبر الصورة الخبرية لكنها عمدت الى تقديم بعض المحاولات الاعلامية ذات الطابع الانشائي وتقديم بعض المشاهد للمعارك في برنامج ساحات الفداء.
غير أن الاعتماد على الصور الخبرية يمثل تأثيراً كبيراً أكثر من تقديمها في البرامج الموظفة لما للخبر من تأثير على المتلقي ، ففي الحملة العسكرية التي قامت بها القوات المسلحة في الفشقة لاستعادة الاراضي التي تغولت عليها المليشيات الاثيوبية المدعومة من الحكومة الاثيوبية ، كان من الممكن تقديم صور سريعة لضحايا القصف الاثيوبي وتصوير لقطات متفرقة للقوات المسلحة وهي ترد على الهجوم ، لأن اظهار القوة العسكرية عبر الاعلام يساعد على رفع معنويات للجنود ويثبت الثقة والاطمئنان لدى المواطنين تجاه قواتهم المسلحة ، ولهذا فالولايات المتحدة لم تتوجس بهاجس السرية وهي تسمح بإبراز بوارجها الحربية وهي تنطلق منها الطائرات كما صورت القصف المكثف الذي قامت به على الهواء مباشرة لكل العالم عبر رسالة ارادت أن تؤكد عبرها للرأي العام المحلي والعالمي أنها تقوم بدور حماية المنطقة والسلام العالمي من خطر حاكم متهور وإنها القادرة دائماً على القيام بهذا الدور .
كما صورت مشاهد لعملية اقتحام ملجأ بن لادن في باكستان كما صورت مؤخراً البارجة حاملة الطائرات في إطار حملتها التخويفية للنظام الايراني القابض .
وسيلة حرب
وكثيراً ما تكون الحملات الاعلامية الموظفة بمنهجية ذكية مدخلاً لشن الحرب ، فاذا كانت الولايات المتحدة استخدمتها في التمهيد لحربها ضد العراق ،كذلك روجت الحكومة العراقية قبل غزوها للكويت باتهام الكويت بسرقة النفط العراقي عبر طريقة الحفر المائل حيث قال الرئيس العرقي صدام حسين بأسلوب تمثيلي عبارته الشهيرة ( قطع الرقاب ولا قطع الارزاق وهي وسيلة اعلامية هدف بها إثارة عاطفة الشعب العراقي باعتبار ان الحرب قصد بها استعادة ثروات العراق بل واستعادة الكويت نفسها للحضن العراقي بفرية أنها تاريخياً جزء من العراق اقتطعتها الامبريالية العالمية منها.
أخيراً
يرى كثير من المراقبين أن الاعلام الحكومي للفترة الانتقالية لم يفلح في صد الحملات الضارية والممنهجة التي تقوم بها عناصر النظام البائد عبر كل الوسائط الاعلامية المختلفة فهي تركز على تدهور الاوضاع الاقتصادية والمعيشية للمواطنين وتصور أن الحكومة فاسدة، وأنها تصرفت في الاموال التي اقتطعتها لجنة التمكين من الافراد أو المؤسسات حيث إن الحكومة حتى الآن لم تمط اللثام بشكل واضح وما هي العقبات التي تواجه هذا الأمر ، كما أن الحكومة لم توضح للرأي العام الذي ما زال معظمه يعتقد أن الحكومة تسلمت مليارات الدولارات من الخارج وبددتها، وغيرها من الاتهامات التي زعزعت الثقة في الحكومة وسلبتها الشعبية والتعاطف وجعلتها لقمة سائغة امام اي تغول يسلب سلطاتها أو ربما حتى ينقلب عليها بليل من أحد المغامرين الحمقى الذي لا يعرف مآلات فعله .

The post الفترة الانتقالية.. إعلام مكسور الجناح appeared first on الانتباهة أون لاين.



مصدر الخبر موقع الانتباهه

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: