الخيول في عائلة المهدي.. إرث (أنصاري).. أم سلوك برجوازي؟




 

موروثات “المهدية”

 

وسط أصوات صهيل، ووقع حوافر “فلوة” صغيرة –فرسة حديثة الميلاد- تتراكض حرة في فناء اسطبل عائلة المهدي بالخرطوم، تعود القصص طازجة في ذاكرة المحكي من تاريخ المهدية الذي سمعه بشرى من والده الإمام الصادق المهدي. فالخيل كانت سببا لنيل فرسان جده الأكبر “المهدي” النصر في المعارك، مستشهدا بقول شاعر المهدية؛ أحمد ود سعد التي مدح بها الإمام المهدي وفروسية أنصاره قائلا: بك يا الإمام محبوبنا ..نما الإيمان في قلوبنا.. وزن الفارس *”ابروبنا” .. ووزن العجوة لالوبنا.

 

فقصص أنصار الإمام المهدي المتوارثة ، هي البداية الفعلية لعلاقة الأنصار، وعائلة المهدي بالخيول. لكن ، تاريخ العلاقة الحديث، نوعا ما، نمت بعيدة عن ميادين المعارك، وبدأت على يد الإمام عبد الرحمن المهدي، جد الإمام الصادق الذي اهتم بتربية الخيول بالطريقة الحديثة، والمشاركة به في الحافل الرياضية.

 

استجلب “عبد الرحمن المهدي” –جد الإمام الصادق- سلالات خيول من كينيا وامريكا، حسن بها أنسال الخيول السودانية. وورث تلك الهواية، والمحبة لحفيده الصادق المهدي، والذي نقلها بدوره لأبنائه وبناته.

 

بشرى الصادق على صهوة الجواد “عصار”. تصوير: أمل محمد الحسن

يقول بشرى: “انا وجميع اخوتي ال10 متعلقين بالخيول، نحبها: ومنذ صغرنا تدربنا على ركوبها والعناية بها”.  امعانا في المحافظة على الإرث المهدوي، يضع بشرى “راتب المهدي” ملفوفا داخل حلى فضية، تتدلى على عنق كل جواد وفرس في الاسطبل.

 

الصادق المهدي، الذي شغل منصب رئيس الوزراء مرتين وكان رئيسا لحزب الأمة منذ ستينات القرن الماضي، كان دائما ما يجد وقتا للخيل، ويعيد ملء اسطبله بالخيول عقب كل مصادرة تتم من الحكومات الديكتاتورية التي تعاقبت على حكم السودان، حتى عهد المعزول البشير.

 

شارك الراحل الصادق المهدي كفارس، في أول فريق للعب البولو، –لعبة عسكرية- في السودان، في ستينيات القرن الماضي، في فريق ضم: حمدان الدبيك، محجوب برير محمد نور، واللواء معاش الفاتح عبدون. واستلم الراية في الفريق الذي يليه ابنه الأكبر عبد الرحمن الصادق، ثم شمل الفريق الحديث الابن الأصغر بشرى.

 

العيد مناسبة للتباهي بالخيول

 

مشهد الإمام الراحل وسط أبنائه على صهوات الخيول يوم العيد من المشاهد المحببة لدى سكان أمدرمان، يظهر فيها الصادق المهدي على جواد يتقدم مجموعة من الأبناء والأحفاد وقيادات الحزب وهيئة شؤون الأنصار.

 

يتم تحضير الخيول وتزيينها بعد صلاة الصبح، وتحمل على سيارات نقل كبيرة إلى “صينية أزهري”، يقول بشرى إن ذلك يقرب المسافات حتى لا تفوتهم صلاة العيد.

 

يطلب الأمام من بشرى أن يعد قائمة بأسماء كل من يحب أن يصحبه في تلك الرحلة للصلاة على صهوات الخيول. يقول بشرى”يضم الموكب بين 30 إلى 40 جواد بحسب الراغبين، يرتدي الجميع زيا يتم الاتفاق عليه، من “العلى الله، أو الدمور”.

 

يصف بشرى لبسة ال”على الله” بأنها زيا عمليا لركوب الخيل، فالسروال فيه يصل إلى نصف الساق، وأكمامها في منتصف اليد، وبها فتحات من الأجناب تساعد على القفز وامتطاء الجياد.

 

يسبق الموكب إلى مسجد الهجرة بود نوباوي؛ فرقة موسيقى عسكرية تعزف مارشات حماس، ترتدي زي العلى الله العسكري التقليدي للأنصار.

 

يصطف موكبا من العازفين على النحاس، -طبل مشدود بجلود البقر- يقومون بقرع دقات معينة تدل على الفرح والحماس، ثم يليها موكب الخيول.

 

الحفاظ على هذا التقليد بحسب بشرى هو المباهاة بشباب الإسلام، وتأكيدا لسنة صلاة العيد التي يجب أن يظهر فيها عزة الإسلام وشموخه وبث الرهبة “الحميدة” في قلوب الناس.

 

السكن وسط الخيول:

 

من عادات الإمام الصادق المهدي، التي ورثها ابنه بشرى السكن وسط الخيول. جهز الإمام غرفة داخل الاسطبل خصصها لأوقات الخلوة.

 

يقول بشرى كلما يحتاج والدي للقراءة او الكتابة في خلوة بعيدا عن الناس يطلب مني ان أحضره للإسطبل، ولا يعرف أي شخص آخر مكانه. يقضي فيها أياما حتى يقضي حاجته ثم يعود لمنزله في حي الملازمين بأم درمان.

 

بشرى أيضا صارت من عاداته الهرب إلى الاسطبل. “أهرب من مآسي الحياة الكثيرة لأبقى وسط الخيول، تروح عني، هي صديق وفي ومخلص”.

 

والسكن وسط الخيول بالنسبة للإمام الصادق ليس بالأمر الجديد، فقد أخذه جده “عبد الرحمن” إلى الجزيرة أبا عندما كان صبيا يافعا، وقلده مسؤولية عدد من الخيول مع مجموعة من الأحفاد، يقوم بنظافتها، وتجهيزها، ويهتم بأكلها وشربها.

 

يقول بشرى إن والده حرص على أن يتربوا وسط الخيول، ليتعلموا من صفاتها، فهي مخلوقات صبورة وجسورة ولا تغدر.

 

يقول بشرى: “الحصان يظل واقفا مهما كان به من ألم أو مرض، وكل اسمائها مأخوذة من صفاتها الحقيقية، جياد=الجود، خيول= الخيلاء، فرس= من الفرسان والفراسة.

 

الحصان يتطبع بطباع صاحبه، بشرى لا يفضل الخيل المتراخي الذي لا يجري إلا بالضرب. “لا أركب الخيل المتراخي ولا أحبها”.

 

يقول إن التراخي من علامات الكسل، والخمول، يفضل الخيل المندفعة الجسورة، ويقول إن الهمة ترتبط بالشجاعة والإقدام، “هي سلسلة مترابطة من الصفات المتشابهة”.

 

أسماء الخيول:

 

 

“فلوة” صغيرة عمرها أقل من شهرين تتراكض في ساحة الاسطبل، اسمها علوة، يقول بشرى إن آخر زيارة لوالده للاسطبل وجد أمها الفرسة “بشرانة” حبلى بها، وأوصى ابنه بشرى أن يطلق عليها اسم “علوة”، وهي الاسم الذي تحملة الفرسة الصغيرة الآن.

 

الأسماء التي يختارها الامام الصادق لجياده هي في الغالب أسماء لخيول قديمة كانت تسمى بها جياد ربما منذ عهد المهدية، ورثها الإمام لخيله، كما ورث أبنائه أسماء قيادات المهدية.

 

و”علوة” التي سميت بها الفرسة الوليدة تيمنا، هي فرسة سباق كان يمتلكها الإمام “عبد الرحمن المهدي”، كانت اسطورة في ميادين السباق، ولا يستطيع حصان أن يسبقها.

 

يقول بشرى: “عندما تشارك في سباق يسحب الجميع خيولهم، ويتم تنظيم عرض لها، تجري فيه وحدها، ومن ثم تمنح الكأس”!

 

بشرى يعرف سلالة جميع الخيول في الاسطبل، حتى أجدادها، وضرب مثلا بجواد اسمه مهرجان، سمي به مهرجان الموجود باسطبل المهدي الآن، هو ابن حصان اسمه “فاين بوينت” وأمه فرسة اسمها “اولمبيك فليم”، وهي بدورها ابنة فرسة اسمها اوديسا، ابنة فرسة اسمها مس خرطوم2، ووالدتها اسمها “مس خرطوم1”.

 

يمتلك بشرى جواد اسمه “عصار”، يشارك به في لعبة البولو، تمت تسميته على جواد كان يمتلكه خليفة المهدي. “كل الصور المتداولة لخليفة المهدي على صهوة جواد هو عصار صاحب الاسم الأول”.

 

يقول بشرى كتب فيه الشعراء: شدولو ركب فوق الحصان عصار، ومتل الهالة فوقو دارت الأنصار. الكفر النجوس من غير جهاد وحصار طاروا منه زي الريشة شالها عصار.

 

الجياد الموجودة الآن باسطبل العائلة تحمل أسماء: الدروع، وراية، المسبعات، وجبير، وبشرانه، عصار، ومبين، ورابحة، والفاشر، ومهرجان، إلى جانب حديثة الولادة: “علوة”.

 

كان الصادق المهدي يفضل امتطاء الحصين جبير، ومبين. بعد وفاة الصادق المهدي بدا جبير حزينا وكأن الدموع رسمت خطا على خده. بشرى يقول إنها ربما حساسية أصابت عينا الجواد.

 

هواية مكلفة:

 

يطعم بشرى خيوله ثلاثة مرات في اليوم، تتكون الوجبة “العليقة” من الذرة مخلوطة بالقمح، أو الشعير بالردة –تساهم في تليين البطن- يتم خلط السكر والملح والعسل والزبيب مع وجبات الحصان. ويقوم بشرى بربط حضوره للاسطبل بوجبة بطيخ يتم تقطيعه مع القشر.

 

الخيول تنجب مرة واحدة في السنة، اذ تمتد شهور الحمل لديها بين 10 أشهر ونصف إلى 11 شهر، وتنجب في العادة مولود واحد. وليس محبذا أن تنجب أكثر، وفي حالات نادرة عندما تنجب الفرسة تؤام، يموت أحدهما عادة.

 

بالنسبة لبشرى تربية الخيول تقع موضع الهواية أكثر من كونها استثمارا؛ مستشهدا بالمثل الذي يقول: “ان عاشن نعايم وان ماتن هجايم”.

 

يشتكي بشرى من تأخر الطب البيطري، ففي الغالب لا يستطيع أن يتوفر طبيب حال مرض أحد خيوله، وحتى العلاج ليس متوفرا.

 

“النجمة” من أخطر الأمراض التي تصيب الخيول، وهو فيروس يصيب الجهاز التنفسي، الأمر الذي يمنع في الغالب المشاركة بها في المسابقات العالمية خارج البلاد. لأنها تحتاج لتطعيم معين، ومعدية. الأمر الذي يقلل من مشاركة الخيول السودانية في الخارج.

 

بجانب النجمة تصيب الخيول أمراض متعددة تؤدي لموتها في وقت قليل، وهي جميع الأمراض المرتبطة بالجهاز الهضمي، يقول بشرى على الرغم من قوة الخيول وثباتها إلا أنها في ذات الوقت، حساسة جدا ويمكن أن تموت لمجرد الانقلاب الخاطيء!

 

اذا تم حساب تكاليف تربية الخيول بصورة تجارية فإنها ليست من التجارة الرابحة. يقول بشرى: “الخيل دايرة مال قارون، وصبر أيوب وعمر نوح”.

الخيول التي يتم استجلابها من الخارج تضع لها أجهزة تكييف في حظائرها لأنها لا تتحمل حر السودان.

 

ونسبة لمحبة الخيل للنظافة؛ يقوم السائس بمنحها حماما ب”شامبو” خاص بها. وهناك طريقة أخرى لنظافة الخيل تسمى ب”كركاعة”، يتم فيها تمسيج جلدها بفرشاة بها أسنان حديدية ناعمة، تمنح الخيل مساج ونظافة في ذات الوقت.

 

فريق البولو تصوير: فاتن الأمين

 

ويشارك الفرسان السودانيون، بدون خيولهم، ومن ضمنهم بشرى، في مسابقات البولو الخارجية –التي تعتبر ثاني أخطر رياضة بعد التزلج على الجليد، يقول بشرى إنه فقد ثلاثة خيول في ميدان البولو بالخرطوم. ويشارك الفرسان أيضا في لعبة “التلة” وهي رياضة عسكرية هي الأخرى.

 

لا يحبذ بشرى الصادق، رياضة السباقات، يعتبر أنها تقلل من قيمة الخيل، ويعتقد أنها تملك إمكانيات أفضل من ذلك بكثير.



مصدر الخبر موقع صحيفة التغيير

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: