الحروب الحديثة لا منتصر فيها*




بكري الجاك

أولا من حيث المبدأ الحرب بكافة اشكالها لا تحسم الخلافات لكنها تحسن الموقف التفاوضي لطرف ما، و عليه يجب فعل كل ما هو ممكن لتجنبها باي طريقة كانت. هذا القول يصدر من شخص يوما ما كان ضمن قوات التجمع الوطني و خاض معارك لاسقاط حكومة الانقاذ، وايضا يصدر من شخص عاش قرب الحدود الارترية الاثيوبية ابان الحرب بين البلدين في 1998 الي2000 حول مثلث بادمي الذي استعادته القوات الارترية ابان انشغال القوات الفيدرالية الاثيوبية في معاركها الداخلية في اقليم تقراي في الشهور الماضية، تلك الحرب أودت بحياة ما لايقل عن 200 الف نسمة من الطرفين جلهم من الشباب و لي من بينهم أصدقاء. هذا القول ايضا يصدر من شخص كان في مدينة مصوع (ميناء ارتريا الرئيس) علي ساحل البحر الاحمر حينما هاجمها الطيران الاثيوبي في فبراير 2000و بعدها بدقائق كنت شاهد علي سحل المواطنين الاثيبوبيين في الشوراع عقب ضرب الطيران للميناء. و لحسن حظي فقد سمح لي الزمان بزيارة اقليم اوقادين (ارض الصومال) الذي شهد حربا طاحنة بين الصومال و اثيوبيا في اعوام 1977 الي 1978 و قد رأيت آثار ذلك الدمار. الحرب لا محالة ستقود الى شحن عاطفي سلبي و عذابات مادية و معنوية للمدنيين و اللاجئين و هذا الشحن سيعود بالضرر على الجميع مهما كانت المحصلة النهائية.

ثانيا، من التبسيط المخل التعامل مع الوضع الراهن في الحدود الشرقية علي أنه محض محاولة من القيادة العسكرية في حكومة المرحلة الانتقالية لخوض حرب خارجية لتغيير توازنات القوى الداخلية أو بايعاز من دولة مجاورة تتكسب من حالة عدم الاستقرار في الوضع الاقليمي، فمصر ستكسب تكتيكيا اذا انشغلت اثيوبيا بنفسها و بحرب خارجية مما قد يضعف موقفها التفاوضي في مسألة التشارك في حصص مياه النيل، لكنها سوف لن تكسب استراتيجيا في خلق حالة عدم استقرار واسعة بحرب قد تطال المنطقة باشملها وقد تؤدي الي انهيار دول. الحقيقة الماثلة أن اشتباكات الحدود بين السودان واثيوبيا سابقة لاستقلال السودان و تتجدد بشكل مستمر و عليه تلخيص أن الأمر مفتعل سيقود الي مواقف اختزالية من شاكلة أن الحرب تخدم المكون العسكري الذي تم تعليبه بشكل يقيني كامل و أصم في أنه ضد الانتقال الديمقراطي و لعمري هذا موقف السياسي العاجز و المحلل الكسول. و بناء على هذه القراءة أي موقف مساند لخيارات التصعيد التي تبناها العسكريون هو موقف معادي للثورة و تسند هذه الرؤية عادة بحجة مثل أن حلايب و شلاتين مازالتا محتلتين و من يريد أن يدافع عن الفشقة فعليه أن يبدا من هناك، غير ان هذا الحجة طفولية هي ايضا ساذجة، فاذا كان المنطق هو تحرير كل الاراضي من البديهي أن يرحب الناس باي خطوة في هذا الاتجاه غض النظر عن البداية بدلا من استخدامها للتدليل على الغرض في التصعيد. الحجة الثانية أن هذا الجيش ظل يقتل في السودانيين منذ الاستقلال و لم يدافع عن المعتصمين في القيادة، و ان كان هذا صحيحا أوليس الاضطلاع بحماية الدستور و الدفاع عن الحدود هو ما نريده من القوات النظامية في ظل عقد اجتماعي جديد فلما نفترض الثبات ولما لا نشجعه للعب هذا الدور بدلا من التكدس في طرمبات البنزين. هذا ليس نفيا لاحتمال وجود مآرب للعسكريين في هذا التصعيد و لكن الموقف ليس بهذه البساطة و الاختزال المخل و في كل الاحوال البرهان و بقية العسكريين هم سودانيين من لحمنا و دمنا و في واقع الدولة القومية هم أقرب لنا من أبي احمد مهما كان دوره في دعم التغيير في السودان و مهما كان اعجابنا به. هذا بالاضافة الي أن ما يحدث في الفشقة هو اصلا نتاج تغيير في سياسة ابي احمد الذي يخوض حربا ضد التقراي و قد فقد سند الارومو أكبر الاثنيات في اثيوبيا و الآن هو يخطب في ود الامهرا ثاني أكبر الاثنيات و نخبتها الحاكمة من قرون كسند لمرحلة حكمه القادمة اذا كان له فرصة في البقاء في السلطة. فقد تم التوصل الى اتفاق في السابق بين حكومة ملس زناوي و البشير ابان احدي هذه الاشتباكات حيث اعترفت فيه الحكومة الاثيوبية بسيادة السودان في الفشقتين ووافقت حكومة السودان علي ترك المنطقة كما هي مما يعني انتفاع المزرارعين الامهرا بالاراضي و ان تكون منطقة تداخل تجاري و تلاقح ثقافي. الآن و بما أن الأمهرا يوفرون السند الاجتماعي و السياسي لسلطة ابي فقد رفضوا القبول بالحدود الداخلية و قرروا اعلان مناطق عدة في اقليم تقراي كجزء من اقليم الامهرا و ها قد جاء الدور علي الفشقة للتأكيد علي تبعيتها لأقليم الأمهرا اولا ثم اثيوبيا ثانيا. حكومة السودان اقترحت العودة الي الوضع السابق و رفضه رئيس وزراء اثيوبيا تحت ضغط قاعدته الجديدة التي ايضا رفضت اتفاق حكومة ملس زناوي مع البشير، عليه ما يحدث في الفشقة هو متعلق بتحولات داخلية في اثيوبيا اكثر مما هو تصعيد من قبل الشق العسكري في حكومة الثورة سواء لخدمة مصالحهم أو مصالح جهات أخري، هذا هو التعقيد الذي قصدنا.

ثالثا و بنفس المستوي الموقف المناصر لحملات التصعيد و دق طبول الحرب الذي يخون مواقف الذين يتشككون في جدوي الحرب هو ايضا موقف عاطفي و مختزل و به قصر نظر كبير، فالتصعيد للحرب ليس كخوضها و ما أن تتعالي اصوات المدافع و تتكاثر الخسائر فلا مناص ستتزايد الضغائن و سيكون هنالك رغبة في الانتقام من الطرفين و هذا الانتقام عادة ما يأتي علي الضعفاء من الطرفين. يجب أن نعمل علي حماية كل الاثيوبيين في السودان من اي اعتداءآت و تصعيد محتمل و أتمني أن يفعل العقلاء في اثيوبيا الشيء مثله تجاه المواطنين السودانيين. بالرغم من تعقيد الاوضاع و منطقية حجة دفاع القوات السودانية عن اراضي الوطن فأن تحكيم صوت العقل و طرق ابواب العمل الدبلوماسي و حتي استدعاء وسطاء هو افضل من الشحن و تصوير أن لا خيار سوي الحرب. ليس لي حاجة للقول أن البلاد في حالة ضعف و ليس لها حاجة في حرب لأنه ليس هنالك وضع مثالي للحرب حتي و ان امتلأت الخزائن بالاموال.

فلنحكم صوت العقل و الحكمة..

*المقال نقلا عن صفحة الدكتور بكري الجالك على موقع فيسبوك

 



مصدر الخبر موقع صحيفة التغيير

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: