المراجعة الداخلية – الحاضر المنسي في محاربة الفساد !


في ورشتها الخاصة بمشروع قانون المفوضية القومية لمكافحة الفساد لسنة 2020م – لم يفت على وزارة العدل أن تحصي المختصين والمهتمين بمحاربة الفساد، وتوجه لهم الدعوة لحضور الورش الخاصة بدراسة الموضوع وتقديم المقترحات .

تناثرت رقاع الدعوة فعمت القرى والحضر وشملت مؤسسات الدولة ومنابرها وسلطاتها ومنظمات مجتمعها المدني وقوى الحرية والتغيير – القضائية والمراجع القومي والمحامي العام ووزارة المالية واللجنة القانونية لقوى الحرية والتغيير والصحفيين وجيش تحرير السودان . ورغم هذا الشمول والاتساع فقد تجاوزت الدعوة في أكثر من مرة – ديوان المراجعة الداخلية لأجهزة الدولة القومية والإدارات العامة للمراجعة الداخلية في مستوى الحكم الولائي .

مرةً حينما تجاهلتها وزارة العدل إحصاء ودعوةً، ومرةً أخرى حينما تجاوزتها وزارة المالية .. علماً أن المراجعة الداخلية هي أهم خطوط حماية موارد الدولة، وحائط السد المنيع أمام محاولات الفساد والاعتداء على المال العام .

بناء الدولة الديمقراطية التي نتطلع إليها لا يمنح الأهمية للمفوضية المنشودة وحدها، كما تفضل السيد وزير العدل . وإنما يمنحها لكثير من الأجهزة الرقابية بالدولة، وعلى رأسها جهاز المراجعة الداخلية . الذي يحتل المكانة الأهم بين الإدارات في أجهزة الدولة ومؤسساتها الحكومية بصفة خاصة .

أو هكذا تزعم وتتفق المنظمات والمعاهد الدولية المهنية المتخصصة في جميع دول العالم . وبخاصة في بلاد العالم الأول الراسخ في الديمقراطية حيث العدالة والكرامة وسيادة القانون ودولة المؤسسات

حينما عرض مشروع القانون على مجلس الوزراء أعاده للوزارة لمزيد من التشاور مع المهتمين والمختصين وأصحاب الخبرة والمصلحة .
ومن عجب فقد غابت المراجعة الداخلية عن الحضور كما غابت في المرة الأولى . رغم أن السيد الوزير كان مؤمناً بضرورة الاهتمام بالتوسع الرأسي والأفقي في سبيل مكافحة الفساد .

التوسع الأفقي مفهوم في سياق مثل هذه المفوضية . أما التوسع الرأسي فلا يستقيم عقلاً ان لم تكن المراجعة الداخلية هي الأساس الذي يقوم عليه، والمحور الذي تدور حوله . وهو ببساطة لا يعني أكثر من تمكين المراجعة الداخلية بوضعها في مكانها المستحق وتلبية المطلوبات اللازمة لانطلاقتها بمهنية واستقلالية وموضوعية .
تقوية القوانين اللازمة لمحاربة الفساد وبخاصة تلك التي تحمي الصحفيين وتمكنهم من كشف الفساد للرأي العام – إنما أتت في صياغ كلمة الخبير هشام كاهن مستشار وزير العدل ومستشار وزير المالية للحوكمة . ذلك عندما تطرق لأسباب الفساد وأوجزها في غياب الإرادة السياسية وضعف القوانين .

جميعنا نريد الحياة الكريمة ودولة المؤسسات وسيادة حكم القانون … لكن السبيل إلى ذلك ينبغي أن يتجاوز الآمال والأمنيات إلى خطط وبرامج عمل تستند إلى معرفة علمية متخصصة .

إزاء هذه المحاولات المتعددة ابتغاء إصلاح القوانين ومحاربة الفساد وتحقيق العدالة – لا يسعنا إلا أن نطرح التساؤلات الآتية :
1- لماذا تلقى المراجعة الداخلية كل هذا التجاهل والإهمال في ظل اهتمام الدولة وقادتها بالحوكمة والشفافية ومحاربة الفساد . خاصةً أن المراجعة الداخلية هي العين الساهرة التي تحرس المال العام والموارد بحكم القانون .

الذي يتيح لها الاطلاع على كافة التصرفات الإدارية والإجراءات المالية والمحاسبية في أجهزة الدولة المختلفة ؟! 2- كيف لجهاز رقابي بهذا الحجم والقدرة والتأثير على تحقيق هذه الأهداف النبيلة والغايات السامية – أن يظل مجهولاً لدى المسؤولين والخبراء وصناع القرار في الدولة ؟!
المراجعة الداخلية يا سادتي تستطيع أن تأتي بما لم يأت به الأوائل في محاربة الفساد، إن وجدت الاهتمام اللازم من المسؤولين وقيادة الدولة

فقط الأمر بحاجة إلى التعريف بهذا الجهاز الرقابي الفعال، الذي يتربع على عرش الإدارات ويحتل أهم دائرة في هياكل الوحدات الحكومية المختلفة …
إنهم جميعاً يجهلوننا أو يتجاهلون .

فلماذا لا نتبنى مبادرةً مخلصةً صادقةً للتعريف بأهمية المراجعة الداخلية، وقدرتها على محاربة الفساد وحماية المال العام والموارد أكثر من أي جهاز آخر. ذلك بما لديها من حس وتجربة وخبرات في هذا المجال ؟!

المصدر: صحيفة السوداني



مصدر الخبر موقع النيلين

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: