السودان: دارفـــور.. هل عادت إلى المربع الأول؟!




نيالا: محمد المختار عبد الرحمن
عادت أنهار الدم القانى تجرى فى ربوع دارفور وتتفجر براكين العنف لتحرق الأخضر واليابس وتطحن كل ما تجده بقلب جامد ودم بارد، ولم تعد للإنسان قيمة فهو أرخص من طلقة البارود. بين أمس الدماء واليوم الدماء سقوط للانسانية والآدمية، وهل تجدى الكلمات وصفاً وتوصيفاً للأحداث التى تناسلت بين شمال ووسط دارفور لتغرق اليوم غرب وجنوب دارفور فى بحور من الدماء؟
تاريخ الصراع
لعقود من الزمان اهتزت الجوانب الأمنية بأقليم دارفور، فمنذ ستينيات القرن الماضى وإبان الصراعات الداخلية بدولة تشاد تأثر الشريط الحدودى بغرب السودان بتدفقات المقاتلين الى داخل الأراضى السودانية، وتلقت العشرات من الفصائل المتقاتلة العلاج والرعاية الصحية بمستشفى الجنينة، وكانت المنطقة تعتبر الحصن الآمن للمقاتلين، وعبر الفصائل التشادية المتقاتلة فيما بينها وصراعاتها حول السلطة وجد السلاح طريقه الى دارفور، وبتفجر الصراع بين تشاد وليبيا وعرفت بالحرب التشادية الليبية ازدادت وتيرة تدفق السلاح الى الأراضى السودانية بصورة كثيفة وبأسلحة متطورة، ودخلت معها عربات الدفع الرباعى القاهرة للصحارى والمرتفعات، وما شهده السودان من محاور ودعم فصائل ضد فصائل ساهم فى جعل المنطقة ملتهبة، وحينها بدأت ظاهرة النهب المسلح التى بدأت بصورة أفراد لتتقطع الطرق والسبل بالمسافرين والمارة، ولم تكن بداية تستهدف الانفس والأرواح بقدر ما أنها نهب مسلح للامتعة والممتلكات، ووقتها لافتقار الإقليم للمصارف كان التجار يحملون معهم النقد مما أسال لعاب المتفلتين، وحينها ظهرت المقولة الشهيرة التى مازال صداها الى اليوم (نهب ساعتين ولا اغتراب سنتين). ويرجع ذلك لضخامة العائد من عملية واحدة، مما أغرى الشباب كأفراد ومن ثم جماعات بقطع الطرق، وكانت بداية التفلت وجعل الاقليم منطقة غير آمنة ولا تتحرك العربات السفرية والشاحنات الا بالطوف، مما انعكس فى خلق حالة من الندرة فى السلع وارتفاع للأسعار، وفى النصف الثانى من ثمانينيات القرن الماضى وبعيد سقوط نظام مايو ومجىء الديمقراطية الثالثة، دخل الاقليم في صراعات جديدة، وتعد من الحقب السوداء فى تاريخ دارفور، وهو الصراع الذى عرف بالحرب بين العرب والفور ومسماه الآخر البغيض (العرب والزرقة).
وبذلك انجرت المنطقة فى قتال مرير حصد الارواح وعطل الحياة والتنمية، ولم تسلم الأحزاب حينها من التنافس فى دعم الاطراف المتقاتلة، مما زاد حدة القتال والمزيد من سقوط الضحايا، وفى ذات الوقت تصاعد وتيرة الحرب فى جنوب السودان وتقدم التمرد الجنوبى حينها نحو الشمال، حتى سقطت بعض المناطق فى قبضته، وهو ما ساهم فى سقوط الديمقراطية بالانقلاب العسكرى الذى قامت به الحركة الاسلامية، ليصعد نجم حكومة الانقاذ بقياد البشير الى سدة الحكم، وتمكنت فى بداية مشوارها من فرض الصلح على الاطراف المتقاتلة فيما بينها بدارفور للجلوس للصلح والمصالحة، وان كانت فى شكلها الخارجى فالنفوس محتقنة والقلوب مليئة بالضغائن .
وقبل هذه وبعدها دخلت العديد من قبائل دارفور فى صراعات بينية دفعت المنطقة لتكون ترسانة من الاسلحة أو برميل البارود المعد للانفجار فى أية لحظة.
هذا الواقع وكثير غيره يتخطاه الرصد العاجل ودون الخوض فى التفاصيل، لتتفجر المنطقة مرة أخرى عام 2003م فى صراع جديد جاء هذه المرة بين الحكومة والحركات المسلحة التى نادت بمطالب محددة تجاهلتها واستصغرتها حكومة الانقاذ فى بداية الأمر، وحاولت ترويضها بالعصا والقوة، فاستخدمت معها السلاح والذخيرة، ولكن سرعان ما وجدت الحركات الدعم والتبنى وتوفرت لديها مقومات الكفاح والحرب، فكانت كشوكة الحوت فى حلقوم حكومة الانقاذ، مما اضطرها لقبول الجلوس فى مفاوضات تعددت منابرها ومواقعها، وأفضت مع البعض الى مصالحات وبقى البعض الآخر يقاتل حتى صبيحة سقوط حكومة الانقاذ بثورة الشباب .
ما أشبه الليلة بالبارحة
اليوم انفرط عقد الأمن بالاقليم، وعادت اليه أيام التفلت، فها هى ملامحه تترى هنا وهناك، وبين ليلة وأخرى تتساقط مئات الجثث، وآخر أخبار جنوب دارفور تقول بقتال قبلي يحصد (60) قتيلاً و (40) جريحاً في هجوم على قرية (الطويل) شرقي قريضة بجنوب دارفور.. حسان ابراهيم المدير التنفيذى لمحلية قريضة فى تصريحات لـ (الإنتباهة) يقول ان إحصائية القتلى من الطرفين بحادثة (الطويل) تقدر بنحو (60) قتيلاً. وتشير بعض الأنباء الى إجلاء (27) جثة الى داخل قرية (الطويل)، وأن جثث القتلى مازالت فى انتظار مصادقة الطبيب على دفنها .
سيطرة ولكن ..
والي جنوب دارفور موسى مهدي أكد ان حكومته سيطرت على الموقف بارسالها قوات مشتركة من نيالا عاصمة جنوب دارفور، بالإضافة الى قوات أخرى من شرق دارفور الى قرية (الطويل) منعاً لاتساع القتال بين الطرفين وحصد ارواح المزيد من الأبرياء ــ على حد قوله ــ وأوضح ان ما حدث هجوم شنته مجموعة من مسلحي قبيلة الرزيقات قادمة من شرق دارفور، وان الهجوم خلف عدداً من القتلى، وبيّن الوالي ان سبب المشكلة قتل راعٍ من ابناء الرزيقات عمره (12) سنة على أيدي مسلحين من قبيلة الفلاتة.
أحداث الجنينة
أحداث الجنينة هى الأعنف فى تاريخ الصراعات والقتال بين الفصائل والقبائل فى دارفور، ففى أقل من يومين سقط أكثر من مائة قتيل ومئات الجرحى، وحالة من الرعب والنزوح وتناثر الجثث فى الطرقات. وعجزت الجهات الصحية عن تقديم الخدمة العلاجية لضخامة حجم المحتاجين للعلاج، مما دفع بوالى غرب دارفور محمد عبد الله الدومة لحظر التجول بالولاية لأجل غير مسمى، ودفع المركز لارسال وفد على مستوى عالٍ للوقوف على الأحداث ووصول تعزيزات عسكرية من وسط دارفور لاسناد القوات المتمركزة هناك منذ اندلاع الاحداث الأولى قبل عام، ولم تسلم مدينة الجنينة ومعسكر كريندنق من الأحداث، وجاءت حالة (مسترى) لتكشف مدى الهشاشة الأمنية والاحتقانات القابلة للاشتعال، وحينها سقطت ارواح واريقت دماء أبناء الوطن الواحد فيما بينهم .
صراعات إثنية
تساؤلات تجد طريقها هل هى صراعات مكونات وإثنيات، أم أن فى الأمر جذوراً غامضة وأيدى تتدخل لقيام مثل هذه الفتن التى المح اليها أحد الولاة عندما اندلعت صراعات دامية فى ولايته، فسقطت ضحايا من جرائها دون أن يسميها، فكيف لهذه المكونات والمجموعات السكانية بمختلف اثنياتها ان تعايشت ولعهود وقرون من الزمان فى تآلف وتوادد وتصاهر وتداخل، واليوم بدارفور لا يسلم عرق من الاعراق من تداخله وتمازجه مع الاعراق الأخرى، فتجد الخال من هنا والعم من هناك، مما يشير ويدلل على التداخل العميق بين المكونات، ولكن رغم ذلك تندلع الحروبات، وهنا يقتل الولد خاله والعم ابن أخيه، فمأساة دارفور التى تحترق اليوم بنيران متعددة وما تقوم به الجهات الرسمية من مصالحات تفتقد الى الخوض فى جذور الصراعات، مما يجعلها مصالحات صورية، وكما يقال فى المثل هنا (السلام فى الرادي والدواس في الوادي)، هذا يجسد مدى هشاشة مؤتمرات الصلح التى تقام اثر كل خلاف، فسرعان ما تعود الكرة وبصورة أعنف وأقوى..
وخلال النصف الأخير من العام الماضى تقارب بعض الاحصائيات سقوط نحو ألف قتيل من فتا برنو ونيرتتى ومسترى وقريضة ودمسو وسعدون والكركر ومناطق بليل ومرشينق وكاس وشرق الجبل وغيرها كثير، بجانب فقد ودمار بمليارات الجنيهات للممتلكات وحرق للقرى والحلال وتعطيل للاعمال والمشروعات وحالات الاستعداد الدائم للقوات النظامية.. كل ذلك يأتى على حساب التنمية والخدمات، ولكن كل ذلك لا يساوي سقوط قتيل واحد. ولحدة القتل تتدخل الأمم المتحدة وتستنكر ما يجرى بغرب السودان، وتطالب الحكومة الانتقالية بالتدخلات العاجلة لوقف نزيف الدم.
خطاب الكراهية
وجملة من استطلعتهم (الإنتباهة) أكدوا ان ترسانة السلاح المتوفر فى أيدى الأفراد والقبائل تساهم فى هذا العنف، والبعض يشير الى تصاعد خطاب الكراهية الذى انداح بصورة غير مألوفة، والبعض يشير الى تقاعس الحكومة وعدم قدرتها وجديتها فى جمع السلاح وفرض هيبة الدولة، والبعض يتساءل أين الحركات المسلحة الموقعة على سلام جوبا ودورها فى بسط السلام بالوجود الأرضى قادة وقيادات، أم أنها انشغلت بتقسيم الكعكة؟

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب






مصدر الخبر موقع الانتباهه

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: