السودان: بروفيسور/ زين العابدين يكتب: اليقينيات القاتلة في السياسة




بقلم البروفيسور/ زين العابدين صالح عبد الرحمن
في واحدة من ليالي الصيف في القاهرة عام 1999م، كنت جالسا في حضرة الشريف زين العابدين الهندي، و كنت دائما بين فترة و أخرى أذهب إليه بمنزله العامر بألف مسكن في مصر الجديدة، ليس للاستماع لقضايا السياسة و خلافاتها التي لا تتوقف، بل الاستماع لمخزون الثقافة السودانية عنده، و أيضا لنوادر و حكايات الإدارة الأهلية في المجتمع السوداني و في كل أقاليم السودان، و في تلك الليلة كان جالسا معنا الشيخ الحسين أحد الطلاب الاتحاديين الذين يدرسون في القاهرة في ذلك الوقت، و كان محبا للشريف و شعره، و يحفظ أغلبية قصائده، فدخل فجأة و دون أستئذان بالحضور أحمد عبد الحليم سفير السودان بالقاهرة ذلك الوقت. و أراد الشيخ الحسين أن يواجهه بسؤال سياسي. فقلت للشيخ إذا أردت أن تخرج من هذه الجلسة كما أنت الآن أسأله سؤالا سياسيا، فالرجل إذا تحدث في ضروب السياسية لا يتوقف أبدا. إما إذا كانت لديك الرغبة في معرفة السودان أكثر، أجعلنا نطرح عليه سؤلا ثقافيا و أيضا يتضمن دور الإدارة الأهلية في السودان، ففيها من الحكم و النوادر و الحكايات الممتعة، و بها سوف تتفتح خلايا ذهنك لكي تستقبل الجديد في المعرفة، أجعلني أن أطرح عليهما الإثنين سؤلا ثقافيا. فقلت سائلا أستاذ أحمد معاليك كنت رجلا ذو ثقافة أشتراكية و تشبعت بهذه الثقافة و هي لها موقف من قضايا الصوفية، و المكونات الأولية للمجتمع، ما هو الذي دفعك أنت أن تأتي لرجل صوفي في داره هل لعشقك للتجليات الصوفية الروحانية أم لفلسفة الثقافة عند أبن عربي و ماذا يمثل الشريف في دروب العشق الإلهي مقارنة بأبن عربي؟
طبعا قراءة أحمد عبد الحليم لابن عربي و الحلاج و حتى لعبد القادر جرجاني أحد فطاحلة المعتزلة، عرفت تلك القراءات منه شخصيا عندما كان مديرا لمعهد اللغة العربية للناطقين بغيرها، كما يحلو للبروف عبد الله الطيب، و كنتُ اعمل في ذلك الوقت بالإذاعة السودانية. و تربطني بأحمد علاقة نسب أبن عمه خضر جمال الدين متزوج من عمتى مهدية عبد الرحمن النور. قال الشريف هذه فتنة لكن ما أحلها أنها. فالذي جالس الشريف زين العابدين الهندي يعرف الفرق بين الشخصيتين الشريف السياسي و الشريف المثقف الذي يعلم بكل ضروب أهل السودان في الشعر و الدوباي و المسادير و حتى في غزو الشيوخ لبعضهم البعض في غزوات ذات أحكام و معالم تربوية ينشأ عليها النشء.
قال أحمد عبد الحليم أن قراءة الماركسية كمشروع فلسفي يتبناه الحزب الشيوعي، كانت مفروضة علي العضوية، و بالتالي لا نستطيع التفكير إلا من خلالها، و حتى تحليل القضايا مرتبط بالمنهج التاريخي، هذه القراءة، في ذلك الوقت كان أداة لتصنيف الشخص بين التقدمية و الرجعية، و في ذلك الوقت الشيء الذي دفعنا في الانخراط، أن المنطقة الأفريقية و العربية كانت في حالة اشتباك مع الاستعمار، و كان الاتحاد السوفيتي يقف مع قوى التحرر في العالم، و رغم الشقف لقراءة المنتوج المعرفي و الثقافي، إذا كان في جوانبه الفلسفية و السياسية أو في مجال الأدب كان علامة للمثقف، لكنه حجبنا تماما عن الثقافة السودانية التي لم نكن نرعيها هتماما، لذلك كنا نعرف السودان في مظهره الخارجي و لا نقوص لمعرفة درره التي تحتفظ بها تلك المجتمعات، و قال بعد انقلاب مايو 1969م فالسلطة جعلتنا نختلط بالمجتمع الصوفي و نتعرف عليه أكثر، ثم بدأت رحلة القراءة للعديد من شيوخ الصوفية أولهم محي الدين أبن عربي ثم أبوحيان التوحيدي و أبو العلا المعري أبو حامد الغزالي و غيرهم في تلك الفترة، و تعرفت عن قرب و حقيقة المعايشة و الشوف للثقافة السودانية و مصادرها و أضابيرها، ثم عرجت للإدارة الأهلية في السودان و هي ذات حمولات ثقافية ثقيلة. هي الدافع الذي يجعلني دائما أن أطل علي الشريف زين العابدين الذي يمثل الضلع الثالث في مثلث البيوتات الصوفية التي ارتبطت بالسياسة.
فالزيارة تجدد و تنشط خلايا الذهن، و تجعلني أتخلص من تلك اليقينات القاتلة، و التي حرمتني من متعتة الثقافة الوطنية، ليس في أطروحاتها عند المثقفاتية و لكن في مصادرها الحقيقية كمخزون وجداني و روحي يعطي الشخص دفق من السمو للعلو فوق الخلافات التي تحدث بسبب مزاجية و حدة الخطاب السياسي، و لذلك أقدم لكم نصيحة مع قراءتكم التي تعشقونها في ضروب المعرفة و الثقافة يجب عليكم قراءة التراث السوداني بكل تجاعيده و منعرجاته أبداوا الرحلة من المملكة السنارية و التعرف عليها أكثر، لأنها هي التي تعين الذين يشتغلون بالثقافة و السياسة معا معرفة السودان، و أن لا تتعاملوا مع المكونات من خلال إبراج عجية تجعلكم أنتم غرباء وسط مجتمع غني جدا بمخزونه الثقافي وراضي عنه و يتعامل يوميا سلوكا و أخلاقا به. فالقراءات اليقينية تقتل صاحبها قبل أن تزرع الخلاف مع الأخرين. و نسأل الله لنا و لكم حسن البصيرة.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب






مصدر الخبر موقع الانتباهه

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: