تجربة (النمير).. ادركوا الاستثمارات الزراعية..!!


أشفق كثيراً على المستثمرين السودانيين في القطاع الزراعي والحيواني جراء ما يواجهونه من تعقيدات كبيرة وأزمات متناسلة تجعل من مهمتهم- في كل الأحوال – مغامرة غير مأمونة العواقب.
رسائل استغاثة عديدة وفدت إلى بريدي من مستثمرين في المجال الزراعي يعايشون تعقيدات كبيرة وأزمات متناسلة جعلتهم يقلبون أكفهم على ما أنفقوا من دولارات في مشروعات قصدوا بها الإسهام في دعم الاقتصاد الوطني لكنهم لم يجنوا سوى السراب وبؤس الحال .
كنت قد هممت بالكتابة عن الشكاوى التي يجأر بها مستثمرون في مجال المشاريع الزراعية ، يواجهون مصيراًِِ مظلماً؛ ومجهولاً جراء احتدام الأزمات خاصة بعد الزيادات الكبيرة في مدخلات الإنتاج ( الوقود والكهرباء) علاوة على بؤس البنيات التحتية ، وغياب الجهات الرسمية عن متابعة أحوال المستثمرين والتضارب البائن والتقاطعات ما بين الأجهزة الحكومية والولائية المشرفة على الشأن الزراعي ..
ستظل تجربة الشاب الثلاثيني، عمر النمير؛ رئيس مجلس إدارة شركة فيض النعم- والذي اختار منطقة غرب أم درمان لاستثماراته – شاهدة على فشل ذريع َوإهمال حكومي غير مبرر لقطاع كان بامكانه أن يهب السودان خيراً وفيراً في ظل ما يعانيه من ضيق وأزمات اقتصادية، كيف لا والمشروع يعنى بالزراعة والإنتاج الحيواني والسمكي ويرقد على مساحة ، (8800 ) فدان استغل منها النمير ( 60%) مسجلاً رقماً قياسياً في نسبة الأرض المزروعة بالمشروعات الاستثمارية ، كان بإمكان الرجل أن ينشئ مشاريع في الخارج أو ان يستثمرها في أسهم البورصات اللامعة، وريع الودائع المغري، حيث الاستثمار الآمن والعائد المضمون ولكنه اختار أن يدفن قرابة العشرين مليون دولار في الأرض البور البلقع أملأ في غدٍ أخضر واعدٍ يداوي جراح السودان ويعالج أزماته في المال والغذاء والوجود المنتج..
انشأ” هذا الشاب في خلاء أم درمان وعلى تخوم ولاية شمال كردفان مشروعاً متكاملاً للإنتاج الزراعي والحيواني والسمكي، مساحات خضراء تسقي عبر عشرين محوراً ضربت آبارها في عمق الحوض النوبي لتشعل المكان خضرة ، تزيت فصولها أملاً ورجاءً في غدٍ يعد السودان بفيض النعم والرخاء.
لكن الواقع البائس يهدد هذه التجربة بالفناء، الموت يحاصر الخضرة ، وملايين الدولارات في باطن الأرض يقتلها الظمأ وتستبد بمصيرها الزيادات المتلاحقة في أسعار الوقود والتذبذب في الكهرباء والغلاء الفادح في كلفة إنتاجها مع ضعف استعداد البنية التحتية لتقبل مثل هكذا استثمارات.
لك أن تعلم عزيزي القارئ أنه وفي تلك الأنحاء توقفت معظم المشاريع وكفت المحاور عن الدوران ، خروج مشروع الجار (ود الشيخ) لإنتاج البطاطس -مثلاً- قفز بالكيلو في الخرطوم وكل أنحاء السودان إلى أرقام قياسية، خرجت أسماء كبيرة ، الخسائر فادحة ، تقلصت مساحات الخضرة ، المشاريع تلفظ الآن أنفاسها الأخيرة .. ولا مغيث..
نعم تعذر التشغيل، تضاعفت ميزانية الانتاج (500%) على مستوى الوقود، تذبذبت الكهرباء، الوقود المدعوم غير متوفر، الحصص المصدقة لا تغطي النذر اليسير من استهلاك المشروع، تعقيدات علي مستوى الصادر بفعل الأزمات المتلاحقة في الموانئ، تضاعفت كلفة الإنتاج فبات المالك مجرد (فاعل خير )في مساحة أنفق عليها عشرات الملايين من الدولارات .
نتمني ان تنتبه الحكومة الي مثل هذه المتاعب التي تؤسس ل( سمعة سيئة) ستلاحق استثماراتنا الزراعية والحيوانية في بلد ينبغي ان تقود فيها الزراعة دفة الاقتصاد والتحولات المنظورة في أعقاب رفع العقوبات الامريكية.
لو كنت مكان الحكومة لحفزت النمير وجيرانه علي صنيع فعلهم وإعانتهم علي صناعة الواقع الأخضر في صحراء جرداء ليس بها خضرة ولا ماء، ولقدمت كل ما يلزم لانجاح تجاربهم حتي تكون انموذجا يحفز الآخرين علي الاستثمار في السودان.

صحيفة اليوم التالي



مصدر الخبر موقع النيلين

أضف تعليق