(الأمن) .. محور الزيارة الاسرائيلية الرسمية الأولى إلى الخرطوم




كان “الأمن” محور أول زيارة علنية لمسؤولين اسرائيليين إلى الخرطوم.  حيث ترأس وزير المخابرات الإسرائيلي؛ ايلي كوهين وفداً مشتركاً من وزارة المخابرات وهيئة أركان الأمن الوطني زار السودان مساء الاثنين في زيارة غير معلنة مسبقاً استغرقت يوما واحدا.

التغيير: أمل محمد الحسن

مثلت الخرطوم مركز قلق لتل ابيب منذ قمة اللاءات الثلاث في ستينيات القرن الماضي. ثم استمر التوتر بعد سيطرة الإسلاميين على الحكم بعد انقلاب الرئيس المُباد عمر البشير، الذي مثل نظامه بحسب استاذ العلاقات الاستراتيجية، دكتور نجم الدين السنوسي، الحديقة الخلفية لحركة حماس.

إلى جانب علاقات الخرطوم في مرحلة ما مع الدولة الإيرانية التي تمثل العدو الأول لإسرائيل والولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط.

العسكر عراب الاتفاق

منذ لقاء رئيس مجلس السيادة الفريق اول ركن عبد الفتاح البرهان مع رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو الشهير في عنتبي اليوغندية، رسخ أن الجانب العسكري في الحكومة الانتقالية هو الراعي والمتبني لقرار التطبيع مع اسرائيل وفق السنوسي، الذي أشار إلى زيارة سرية سابقة للمسؤول الاسرائيلي استهدفت زيارة منظومة الصناعات الدفاعية.

واتفق امين السياسات العامة في حزب المؤتمر السوداني، مهدي رابح مع السنوسي فيما وصفه بتغول الجانب العسكري على كثير من الملفات ومن ضمنها ملف التطبيع. واتهم رابح مجلس الوزراء بعدم قدرته على السيطرة على –بعض-الملفات.

وأضاف: “المنهج الذي تدير به الحكومة ملف التطبيع مقلق وخالي من الشفافية”.

صناعة التاريخ

من وجهة نظر الجانب الإسرائيلي مثلت تلك الزيارة “صناعة تاريخ” وفق ما كتبه وزير المخابرات في تغريدة على موقع التواصل الاجتماعي تويتر.

وأعرب كوهين عن سعادته بكونه أول وزير اسرائيلي يقوم بزيارة رسمية إلى السودان. وأضاف: “السودان من أهم الدول في افريقيا والاتفاق معه سيعزز مكانتنا الدولية”.

بعد ثلاثة أشهر من موافقة السودان على التطبيع مع إسرائيل، لم يتم التوقيع حتى الآن على اتفاق رسمي، ولم ترد الخرطوم على مسودة اتفاق لإقامة علاقات دبلوماسية أرسلت اليها من الجانب الإسرائيلي قبل عدة أسابيع بحسب الصحفي الإسرائيلي باراك رافيد.

أخبر كوهين البرهان، أن إسرائيل لن تكون قادرة على المضي قدمًا في المشاريع والتعاون المتوقع حتى يتم توقيع اتفاق رسمي، ووفق رافيد ‏قال البرهان إنه مستعد للمضي قدمًا؛ لكنه يريد مصادقة إدارة بايدن على الاتفاقية واستضافة واشنطن لحفل التوقيع.

وبحسب مصدر حكومي سوداني، فإنه حتى لو تم التوقيع على أي اتفاق لن يكون ملزما وسارياً إلا بعد مصادقة المجلس التشريعي عليه، مؤكداً أن كل ما يحدث في إطار المشاورات والزيارات السياسية ولا يوجد اتفاق سلام مع تل ابيب بعد.

“كل الأقطار عدا إسرائيل”

لسنوات طويلة حملت جوازات المواطنين السودانيين عبارة: “كل الأقطار عدا إسرائيل”، ضمن عدد من القوانين التي تحظر التعامل مع الكيانات الإسرائيلية ومقاطعتها؛ إلى جانب منع زيارة الدولة العبرية.

قبل التوقيع على اتفاقية بين الجانبين السوداني والإسرائيلي، حمل كوهين في زيارته إلى الخرطوم مطالبات بإلغاء كافة القوانين التي يمكن أن تجرم العلاقات مع بلاده.

وبحسب بيان لوزارة المخابرات الاسرائيلية فإن السلطات السودانية أطلعت وفد كوهين على التقدم الذي أحرزته في إلغاء قانون مقاطعة إسرائيل، وتعديل قانون ينص على سجن السودانيين الذين لجأوا إلى إسرائيل وعادوا ادراجهم الى السودان.

وأكد ذات المصدر الحكومي، الذي فضل حجب اسمه، عمل وزارة العدل السودانية على الغاء تلك القوانين في الوقت الحالي.

وتظل خطوات انشاء سفارة إسرائيلية في الخرطوم، أمرا بعيدا بسبب كل هذه التغييرات المطلوبة بحسب السنوسي الذي توقع أن تسمح الخرطوم بمستوى علاقات تجارية أو ثقافية.

وبحسب مصدر في الخارجية السودانية تحدث لـ (التغيير) سابقا أكد ان العلاقات بين إسرائيل والسودان في درجة متدنية جدا من الناحية الدبلوماسية، واتفق مع السنوسي في أن خطوة افتتاح سفارة إسرائيلية في الخرطوم هي مرحلة متقدمة جدا وأن الوضع الراهن هو الانتقال إلى حالة “اللاحرب”.

تضارب رسمي

ويرى مراقبون أن هناك تضاربا بين تصريحات رئيس الوزراء عبد الله حمدوك حول ارجاء القرار حول إقامة علاقات مع إسرائيل إلى حين موافقة المجلس التشريعي، وبين التقدم السريع في العلاقات الإسرائيلية السودانية التي تباغت الأوساط السياسية والإعلامية كل حين.

في الوقت الذي يرى أمين العلاقات السياسية في المؤتمر السوداني أن “حمدوك” وفق الوثيقة الدستورية لديه كامل الحق في اتخاذ سياسات تخدم مصلحة الانتقال والبلاد، إلا أن استقرار البيئة السياسية من وجه نظر رابح يتطلب مشاورته لحاضنته السياسية.

وقال رابح إن مستوى العلاقات مع تل ابيب بعد الاعتراف بها كدولة ووقف حالة الحرب المعلنة والموافقة على إقامة سلام معها؛ يتطلب مشاورة أكبر مع الحرية والتغيير، وأضاف: “نشعر بقلق بالغ من عدم الشفافية”

ولم يتفق مصدر حكومي مطلع تحدث لـ (التغيير) على وجهة نظر رابح حول عدم مشاورة حمدوك لحاضنته السياسية، مشيرا إلى زيارة وزير الخارجية الأمريكي السابق، مايك بومبيو، إلى الخرطوم، والتي اجتمع فيها حمدوك مع كافة الحاضنة السياسية وأبلغ بعدها بومبيو برفضهم لقرار التطبيع ومطالبتهم بإرجاء الأمر إلى حين تكوين المجلس التشريعي.

حتى الشارع السوداني يشهد ذات الانقسامات بين معارضين من تيارات إسلامية وعلمانية، ومؤيدين من الحالمين الذين يرون في التطبيع مع إسرائيل مفتاح العالم الخارجي والدعم الاقتصادي والانفتاح على المؤسسات المالية العالمية وفق أستاذ العلاقات الاستراتيجية.

ووفق رابح سيتم حسم كافة خلافات الشارع السوداني بعد تكوين المجلس التشريعي الذي يعبر عن الإرادة الشعبية الخالصة، مؤكداً أنه يملك كافة الصلاحيات في استمرار العلاقات مع إسرائيل أو قطعها.

صورة من الجواز السوداني القديم

مطامع إسرائيلية

تزامنت مع زيارة المسؤول الإسرائيلي زيارة مسؤول امريكي عسكري رفيع، هو السفير اندرو يونغ نائب قائد القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا “افريكوم” والتي ربطها المراقبون ببعضها.

وبحسب السنوسي إسرائيل لديها مطامع في التوغل نحو شرق افريقيا ما يدفعها لبناء علاقات مع الخرطوم في الوقت الذي لم تستفد الخرطوم سوى الخروج من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب.

وكشفت تقارير صحفية إسرائيلية عن رغبة تل ابيب في الانضمام إلى دول مجلس البحر الأحمر، التي تضم إلى جانب السودان كل من مصر والسعودية والأردن واليمن والصومال وجيبوتي واريتريا.

وقلل السنوسي من أن يكون الانضمام إلى المجلس من أولويات الجانب الإسرائيلي، مشيرا إلى امتلاكهم ميناء أم شراشر، بالإضافة إلى امتلاكهم لقواعد عسكرية في اريتريا، مشيرا إلى امتلاك الجانب العبري لحق المرور عبر البحر الأحمر عبر اتفاقيات سابقة.

بحسب المسؤولين الإسرائيليين فإن الخطط السابقة لتوقيع الاتفاق قبل مغادرة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب لمنصبه أخرجت عن مسارها بسبب الأحداث السياسية في واشنطن.

من وجهة نظر تل ابيب الرئيس الأمريكي الجديد متحمس للتطبيع بين السودان وإسرائيل، ووافق الجانب الإسرائيلي على مطالبات البرهان التي ربطت، وفق تقارير صحفية، الموافقة على توقيع الاتفاق بمراسم تجرى في البيت الأبيض. ونقل الصحفي باراك رافيد عن مسؤول إسرائيلي لم يسمه قوله: “هذا مهم للسودانيين وسيعزز الاتفاق”.

وتبقى قضية التطبيع مع إسرائيل مثار جدل في الشارع السوداني؛ والحاضنة السياسية على السواء، في الوقت الذي يحذر فيه السنوسي من أحلام السودانيين بأن العلاقات مع إسرائيل تمثل المخرج من الضائقة الاقتصادية، مؤكدا في الوقت نفسه أن الهم الإسرائيلي يتركز حول الأمن قبل الاقتصاد.



مصدر الخبر موقع صحيفة التغيير

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: