مواكب واحتجاجات.. الحكومة في فخ الثوار


ما أشبه الليلة بالبارحة، الشوارع تثور في وجه حكومة الفترة الانتقالية هذه الأيام، في صورة أقرب للاحتجاجات التي اسقطت نظام البشير، فقط الفرق أن القمع الذي كانت تواجه به مواكب الثوار، ليس موجوداً اليوم، وان كان هنالك القليل.. غير أن المسببات هي ذاتها التي جعلت الشعب يثور في وجه البشير، بل هذه المرة أشد، في ظل تنامي الأزمة الاقتصادية التى استفحلت بصورة غير مسبوقة، ما دفع كثير من الذين يُشعلون الثورة يخرجون الى الشوارع منددين بالضائقة المعيشية وبسودانهم الجديد الذي لم تبدو لم ملامحه بعد، الامر الذي فتح الباب على مصراعيه للتساؤلات، هل تسقط هذا مظاهرات حكومة حمدوك الذي جاء بأمر الشارع ؟!.

# احتجاجات واسعة
الاحتجاجات الشعبية شملت أجزاء واسعة من البلاد وتركزت بصورة أكبر على العاصمة الخرطوم مُنددة بتردي الأوضاع الاقتصادية، وفي مدينة أم درمان بأحياء ومناطق الصالحة والفتيحاب والمهندسين وشارع الأربعين والموردة وأم بدة في أم درمان، كما شهدت مناطق شارع المعونة وشمبات والأراضي جنوب والمؤسسة والديوم بحري وشارع المزاد بالخرطوم بحري احتجاجات مماثلة وإغلاقا للطرق، وفي مدينة الخرطوم خرج المحتجونباحياء بمناطق الصحافة وبري وجوار السوق الشعبي والكلاكلات.
أشعل المحتجون الإطارات بعد أن اغلقوا الطرق الرئسيسة والفرعية (بالمتاريس).. ورددوا شعارات منددة بالغلاء والضائقة المعيشية وندرة الخدمات.
وفي الولايات اندلعت التظاهرات بالفاشر حيث أُصيبت طفلة ، فيما أغلق محتجون حركة البصات السفرية والشاحنات على الطريق القومي الرابط بين بورتسودان والخرطوم، كما اندلعت تظاهرات في كل من القضارف وربك والشمالية ونهر النيل، وردد البعض هتافات تطالب برحيل رئيس الوزراء عبد الله حمدوك.

# دعم الإسلاميين

وجد أنصار النظام المعزول ضالتهم في الاحتجاجات التي أتت إليهم على طبق من ذهب، حيث وجدت دعم كبير من قبل الاسلاميين لاسيما عبر الاسافير حيث عمد كثيرون على نشر الاحتجاجات على اوسع نطاق، من أجل اسقاط الحكومة الانتقالية، بل وخرج العديد من الاسلاميين في التظاهرات ملوحين بعلامة السقوط.. الأمر الذي دفع أنصار حكومة الثورة لأن يهتفون (الجوع ولا الكيزان)، والقول إن الاحتجاجات من اجل الضغط على الحكومة للاسراع في تشكيل الحكومة وحلحلة الازمات الاقتصادية، وليس بصدد اسقاطها، لجهة أن الأمل مازال يحدوهم في تغيير الواقع الحالي الى أفضل.

وهنا أعلنت لجان مقاومة الجريف غرب، عن تصعيد مفتوح، وقالت: (سترون أن لا هناك غير الثوار الأحرار في شوارع الثورة المجيدة، وسيرون أننا لا نيأس حتى نرى أننا حققنا هدفنا الذي مات من أجله الشهيد.. أتينا لكي نُبيد عسكر الكيزان وكل من له يد في إحباط الثورة المجيدة). وأكدت لجان مقاومة الجريف غرب أنه ليس لديها غير (اللساتك والبنزين)، ومضى البيان: (المجد لكل شرفاء التروس الصامدة، الذين يقبضون على جمر القضية وعلى دم الشهداء والمصابين والمفقودين).

# لن تسقط

الشاهد أن الاحتجاجات في بدايات الثورة قوبلت بالتقليل والتبخيس من قبل قيادات النظام البائد، وفي الذاكرة العديد من التصريحات الساخرة من الثورة، وفي العهد الحالي نجد ان الرجل الموصوف بعراب الحكومة القيادي المقرب من رئيس الوزراء، الشفيع خضر، يذهب في ذات النهج، ويقلل من تأثير الإحتجاجات على إسقاط الحكومة، مشيراً إلى أن سقوط الحكومة في الوقت الراهن سابق لأونه.
وأردف: ” سقوط الحكومة مطالب لفلول النظام السابق وليس الثوار”، وتابع:”مظاهرة وأحدة أو اثنين لا يمكن أن تسقط الحكومة، فالنظام السابق سقط بعد احتجاجات متكررة وبعد سنين عديدة “.
وقال خضر: “إن الاحتجاجات التي تندد بغلاء المعيشة تُعد حقا مشروعا ما دامت ملتزمة بالسلمية”. مشددا على ضرورة أن تستجيب الحكومة لمطالبها.

# انشغال الحاضنة
التحالف الحاكم قوى اعلان الحرية والتغيير من ناحيتها لم تكن آبهة للتظاهرات التي بدأت رقعتها تتسع يوماً بعد يوم، بيد أنها منهمكة في اجتماعات مكثفة للتشكيل الوزاري والسيادي والمجلس التشريعي، الى جانب الخلافات الاخرى، مثل أزمة المناهج وتوتر الحدود مع اثيوبيا، علاوة على الزيارات الرفيعة لمسؤولين امريكيين واسرائيليين، ما جعلهم بعيدين عن الاحداث التي يشهدها الشارع، من احتجاجات ربما تطال وضعيتهم كحاضنة لحكومة الفترة الانتقالية.

# الدقير ينصح

وليس بعيداً عن ذلك، كان رئيس حزب المؤتمر السوداني، عمر الدقير، منتبهاً لما يدور في الساحة، فقد نصح الحكومة الانتقالية بمواجهة الأزمات الاقتصادية بالخروج لمخاطبة السودانيين وعدم تجاهل الاحتجاجات المتنامية في الشارع، وقال الدقير إن الاحتجاجات تأتي على خلفية تفاقم المعاناة الاقتصادية والتدهور الأمني ومجمل الأداء خلال الفترة السابقة، مؤكداً أنها حق مشروع ومن واجب الحكومة أن تقابلها بالاعتبار اللازم وليس بالتجاهل أو الآذان الصمّاء، وتابع في تصريح بثه الحزب: “صار من المعتاد أن يصحو الناس في أي صباح ويجدوا منشوراً مبثوثاً في وسائل التواصل الاجتماعي يحمل زيادة جديدة في أسعار سلع أساسية مثل الوقود والكهرباء والخبز والدواء”.

# الاستعصام بالصمت
وأشار رئيس المؤتمر السوداني إلى أن هذه الزيادات تقر بدون توضيح لخطة تم في سياقها تطبيق الزيادة، أو توضيح لأسباب ندرة هذه السلع رغم زيادة أسعارها أو تقديم تفسير لانخفاض قيمة الجنيه السوداني بمعدل يومي متسارع يُربِك القطاعات الاقتصادية وينعكس فوراً في ارتفاع أسعار كثير من السلع والخدمات، وانتقد الدقير تراخي الأجهزة الأمنية في بسط الأمن وحماية المواطنين ما أدى لفقدان العديد من الأرواح في نزاعات مجتمعية لم يقابلها تدخل سريع إلى جانب وجود تفلتات تزعزع الأمن العام وتهدد السلامة الشخصية للمواطنين في المدن، وقال: “لا أحد ينكر أن الحكومة الانتقالية ورثت أزمة وطنية شاملة، ومن معالمها البارزة الواقع الاقتصادي المتردي وأنها تعمل في ظروف صعبة نتيجةً للتخريب الذي طال مؤسسات الدولة المدنية والأمنية والتي لا تزال تتنظر الإصلاح كمهمة ملحة لا بد من إنجازها”. ونصح الدقير الحكومة بمواجهة التحديات والأزمات وتمليك الشعب الحقائق وتوسيع دائرة التشاور بشأن سياسات الإصلاح الاقتصادية.
وأضاف: “المطلوب من الحكومة أن تفارق حالة الاستعصام بالصمت وتتحدث إلى شعبها وتستعصم به عبر خطاب الحقيقة والمصارحة المسنود بخطط وبرامج واضحة وفعالة تُلْهِم الأمل وتحشد الإرادة العامة لمواجهة التحديات ومعالجة الأزمات”.

# ضغط الشارع
ولم يمر قليل وقت على حديث الدقير، حتى استجابت الحكومة لضغط الشارع حيث عقدت اجتماعاً استمر لأربع ساعات بمقر وزارة الطاقة والتعدين بمشاركة كل من وزير شؤون مجلس الوزراء، وزير الصناعة والتجارة، وزير الثقافة والإعلام، وزيرة المالية والتخطيط الاقتصادي، وجهاز المخابرات العامة، وقوات الشرطة، ووالي ولاية الخرطوم، وكبير مستشاري رئيس الوزراء، ومحفظة السلع الاستراتيجية، وبحضور وزير الطاقة والتعدين المكلف ووكيل النفط بالوزارة، اكدو فيه على ضرورة استمرار الحرص على تمليك المواطنين الحقائق والمعلومات المتعلقة بموقف إمداد وتوزيع الوقود بصورة مستمرة وفي وقتها، كما عقد كل من وزير الثقافة والإعلام فيصل محمد صالح، ووزير الطاقة والتعدين المُكلّف، ووالي ولاية الخرطوم تنويراً صحفياً بمنبر وكالة السودان تم من خلاله تقديم شرح مفصل للصحفيين عن ما تم في الاجتماع وموقف السلع الاستراتيجية.

# خيارات الثورية؟
أما الجبهة الثورية، يقول مني أركو مناوي: “إن التصعيد الشعبي المُطالِب بتحسين الأوضاع المعيشة واستكمال مطالب الثورة لا يعني إفساح المجال لعودة النظام السابق. خيارات الشعب غير محصورة فقط في (اليمين النمطي) أو (اليسار التقليدي) على طريقة( طرة وكتابة). الخيارات أمام الثوار الشباب متوفرة”.
فيما ينظر ياسر عرمان للمطالبات بإسقاط الحكومة الانتقالية بأنه ليس هو الحل، قائلاً: “إن لجان المقاومة لجان ذكية، وستدرك في نهاية الامر أن إسقاط الحكومة يتطلب قوة داخل القوات النظامية؛ لكي تُحدِث لحظة التغيير الأخيرة”. ويؤكد: “أنا مع المواكب والحركة الجماهيرية؛ وعدم وقفها، لكن المواكب من أجل ماذا؟، المواكب يجب أن تطالب بتنفيذ اتفاق السلام، بإزالة التمكين، بمعالجة أهم قضية الآن في الساحة كيف نعالج الوضع المعيشي؟ ويجب أن يتم تفاكر حقيقي حول هذه القضية”. ويمضي عرمان في القول للزميلة السوداني: “نحتاج لدراسة التجربة الحالية؛ فهنالك نجاحات وإخفاقات، النجاحات متمثلة في السلام، وفي إزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب. والإخفاق الكبير في الحالة المعيشية؛ وهذا مربوط بالتسوية السياسية، وهناك تضارب مراكز القرار في السلطة، وعدم وجود تسوية سياسية مَرْضيٍّ عنها من كل الفرق وهي التي تُحدث هذه الأزمة. ولذلك نحن نحتاج إلى أولويات واضحة، وإلى قيادة، وإلى برنامج، وإلى تجانس في داخل قوى الثورة التي ليس بينها حوار الآن، والحديث لياسر قوى الثورة تستخدم أساليب الثورة المضادة مع بعضها البعض؛ في “التربص، والتخوين، وتصفية الحسابات”. وهي ذات أساليب النظام السابق، ولا يمكن لقوى الثورة أن تستخدم هذه الأساليب، ويجب أن تنتهي، وأن يسود حوار حقيقي لكيفية الوضع الحالي. أو سنخسر كلنا وسيخسر السودان، فنحن أضعنا ثورة أكتوبر وثورة أبريل ويجب أن لا نضيع هذه الفرصة الحالية.

# توقيت الثورة
حالات الاحتقان الثوري تتصاعد ولجان المقاومة هنا وهناك تتعالى اصواتها بضرورة اجراء إصلاحات حقيقية علي هيكلة الدولة ومؤسساتها بما يستق وتحسين الاوضاع الاقتصادية، حيث ان لجان المقاومة في احياء بحري سارعت الي تحديد الساعة الواحدة ظهراً “توقيت الثورة”، من يوم السبت الثلاثين من يناير موعداً لاكبر موكب متجهه نحو الصر الرئاسي في الخرطوم.
وقالت في أحدث بيان اطلعت عليه “المواكبط، ان الوضع الاقتصادي يتفاقم بالبلاد يوماً بعد يوم، ويضيق الخناق برقاب السودانيين بصورة متسارعة جراء الارتفاع الجنوني للأسعار وندرة السلع الأساسية وغياب الخدمات، وكل ذلك نتيجة مباشرة لسياسات السلطة الانتقالية التي اتبعت ذات درب البشير ونظامه المخلوع، وهي سياسات تتعارض وشعارات ثورة ديسمبر المجيدة وغاياتها وتهدد استقرار البلاد وأمنها، فبدلاً من توجه السلطة الانتقالية لتنزيل توجهات وخطط اقتصادية تنموية تدعم الكادحين والقطاعات الإنتاجية، عملت على رفع الدعم عن كل الاحتياجات الأساسية اليومية للمواطنين، وبذلت نسب عالية من موازنة الدولة على الأجهزة العسكرية والأمنية ومجلسي السيادة والوزراء.

هذه السياسات الاقتصادية المجحفة التي انتهجتها السلطة الانتقالية في عامها الأول وتصر على تكرارها في عام ثانٍ تنذر بمزيد من التردي الاقتصادي والمعيشي، مما يجعل العمل السلمي المقاوم من أجل إسقاطها واجب مقدم لكل القوى الثورية، كما هو السبيل الوحيد الوحيد لفرض سياسات جديدة تتسق وأهداف الثورة وترفع الأعباء عن كاهل المواطنين وتفتح آفاق التنمية المتوازنة والتحول للإنتاج وتطويره.

ودعت لجان أحياء بحري إلي التصعيد الثوري السلمي المشروع الذي انتظمت فيه جماهير شعبنا تنديداً بالسياسات الاقتصادية الحالية، إلا إنها تشجب بشدة المخربين والمغرضين الذين يستغلون هذه الأزمة للتعدي على المواطنين وممتلكاتهم ورفع شعارات تمكين العسكر من السلطة، وهي محاولات بائسة من فلول النظام البائد والمتربصين لدق إسفين الفتنة بين القوى الثورية وحاضنتها الجماهيرية، وهيهات.
وتابع بيان المقاومة ” ندعو للمزيد من التنظيم والاصطفاف والتشبيك لعزل هذه العناصر ومحاصرتها وكشف مخططاتها الخبيثة”.
وشدد البيان على انه و في إطار التصعيد الثوري المقاوم السلمي للسياسات الاقتصادية المجحفة ندعو جماهير شعبنا الأبي للخروج للشوارع وتسيير مواكب مهيبة يوم السبت 30 يناير 2021، تتجه المواكب للقصر الجمهوري ومجلس الوزراء لرفض سياسات رفع الدعم عن السلع والخدمات الأساسية والمطالبة بتوجهات اقتصادية بديلة تتماشى ومطلوبات الثورة في العدالة الاجتماعية.
وتشير “المواكب”، إلى أن لجان أحياء بحري قد حددت المحطة الوسطى بحري موقف العربي كــ(نقطة التجمع).

 

صحيفة المواكب :جاد الرب عبيد



مصدر الخبر موقع كوش نيوز

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: