محجوب مدني محجوب يكتب: تمايز الصفوف


لا أحد يعرف كنه الآخرين، وتوجههم في الظروف العادية للحياة، وفي الحالة العامة للناس.
يعرف كنه، ومعدن الناس حينما يشتد الكرب، وحينما تتزعزع الأمور، ولا تستقر على حال.
ففي عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الكل يصلي، والكل يحضر مجالس الذكر، والكل يغزو، ولا أحد يعرف مصير أحد.
فها هو أبو هريرة رضي الله عنه يروي:
جلست مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط ومعنا الرجال بن عنفوة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن فيكم لرجل ضرسه في النار مثل أحد) فقال أبو هريرة، فهلك القوم، وبقيت أنا، والرجال، فكنت متخوفاً لها حتى خرج الرجال مع مسيلمة، وشهد له بالنبوة، وقتل يوم اليمامة.
فالشاهد أن الظروف الطبيعية لا تبين نوايا الناس، ومقاصدهم إلى أن تظهر زعزعة، وتغيير في الأحوال، فينكشف الأصل ويختفي المظهر.
ذكر التاريخ أن موقعة (أم دبيكرات) التي خاضها الخليفة عبد الله التعايشي ، والتي كانت بمثابة نهاية لدولة المهدية ضمت هذه المعركة المخلصين للمهدية، أما كل من كان يتعلق بالمهدية لغرض إختفى.
وهكذا كل فكر إذا صار مجرداً، وذهبت عنه المظاهر، والرتوش ظهر سبب كل من ينتسب إليه.
فمن ينتسب إلى المهدية من أجل مغرم أنسحب، ومن ينتسب إلى المهدية بسبب تقوية قبيلته أنسحب.
ومن ينتسب إلى المهدية بسبب خوف من حكمها أنسحب.
لم يبق من رجال المهدية حتى استشهد إلا من يؤمن بعقيدتها، ومبادئها.
سقطت (الإنقاذ)، فكيف تمايزت الصفوف؟
توجد ثلاثة صفوف إثر سقوط الإنقاذ:
صف يبكي على الإنقاذ.
وصف فرح بسقوط الإنقاذ
وصف يسعى لتصحيح مسار الإنقاذ.
الصف الذي يبكي على الإنقاذ لا يخلو من نوعين:
الأول يبكي على مصلحته التي ضاعت مع الإنقاذ، فهذا سوءه لا يحتاج إلى شرح.
أما النوع الآخر الذي يبكي على الإنقاذ بسبب ذهاب خيرها، ورشدها، فهذا البكاء لا مبرر له، لأن الإنقاذ لم تكن تحكم لا يهود ولا نصارى. كانت تحكم مسلمين، فسقوطها هي سببه، وليس الشعب، فالبكاء عليها ينبغي أن يكون محله الحسرة، والندم، والأسف على ضياع الفرصة التي جاءت لها، وتم رفضها

من قبل الشعب.
البكاء على الإنقاذ كان مبرراً إذا سلبت السلطة منها قهراً، وظلماً من قوة خارجية مثلاً أما وأنها سقطت بسبب رفضها من الشعب، فهذا فشل منها، والفاشل لا يُبكى عليه.
الصف الذي فرح بسقوط الإنقاذ، ليحل محلها ويستمتع بمتعة السلطة الزائف، فسوف يشرب – طال الزمن أم قصر – من ذات الكأس الذي شربت منه الإنقاذ.
الصف الثالث الذي يسعى لتصحيح مسار الإنقاذ لا يبكي عليها بقدر ما يتعظ، ويتعلم من تجربتها، فهو يسعى لإقامة تجربة لا تضيع بعد أن يحصل عليها كما فعلت الإنقاذ، ولا يريد أن يقتفي أثرها، ليسقط في ذات الحفرة التي سقطت فيها.
فلا طول المدة شفع للإنقاذ بالاستمرار، ولا رفع شعارات براقة حفظ قواعدها من الإنهيار.

صحيفة الانتباهك



مصدر الخبر موقع النيلين

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: