الدعم السريع: هضربة أزمة الهوية


قال الفريق أول حميدتي أيام خصامه الباكر مع موسى هلال: “هلال شغال إيهضرب الأيام دي وأنا ما عندي معاهو شغلة”. وتصريحات حميدتي الأخيرة هضربة طالت ولسنا على ترف تجاهلها كما تجاهل هو هلال. وبدا لي منها أنه انقلب على ميثاقه مع المدينة حين قال في طور باكر من الثورة إنه يريد لها أن تعرف عنه أحسن مما سمعت. وعلقت مرحباً على ميثاقه ذلك في وقت. ولم أنتظره طويلاً ليخذلني بمساعيه المحمومة لتبخيس ثوار المدينة بل طالت يد قواته رمزاً أخيراً منهم وهو الشهيد بهاء الدين نوري وصرعته مبكياً على وعد شبابه.

ما ينفث حميدتي من هضربة حالة من أزمة هوية. فلا يعرف هو ولا غيره كيف صار طرفاً في المعادلة السياسة القومية. فقد قضى، ضمن آخرين، على النظام الحاكم صانع هويته. وليس بغير دلالة قول البشير المخلوع الشائع إن حميدتي إنما حقاً “حمايتي”. فكان النظام وقع عليه في ثنايا الصراع الدافوري المضرج ليؤمن وجوده بعد ذلة واقعة مطار الفاشر في ٢٠٠٣. وانتهى النظام بسياسته لتعبئة العرب على الزرقة ب”جنجويد” العرب حين رفضت بيوت الأصل فيهم التجنيد في تلك الحملة الحكومية. فغَلَبوا بذلك السياسة المحلية على نزوات المركز.

فحتى ناظر الماهرية، قبيل حميدتي، رفض الفتنة. واستعلى عليها المرحوم سعيد مادبو ناظر الرزيقات. فكادت له الإنقاذ عن طريق موسى كاشا وعبد الله مسار بنبش نظارة المعاليا الخلافية. ورفض الهادي عيسى دبكة ناظر البني هلبة الانسياق مع المركز برغم أنه من كان قاتل بولاد الإسلامي الذي انضم للحركة الشعبية وقاد جيشه لحرب الحكومة في دارفور. وسلطوا عليه الحاج آدم يوسف الهلباوي، مساعد رئيس الجمهورية، ليزحزحه عن رفضه ونجح.

فالدعم السريع عصبة لا تعريف لها. فلا هي قبيلة، ولا هي جيش نظامي. إنها مجرد خدمة مسلحة من صنع نظام لم يحرص على شيء مثل الاستماتة في الحكم. وهو إفراز قوة حديثة سواء في الجيش والحركة الإسلامية ساطت دارفور سواطة تبذر الفتنة بين أعراقها والنار في أعرافها لمجرد تثبيت أقدامها. وبانت أزمة هوية الدعم السريع في العسر الذي لقاه البشير في تسكينها في هيكل دولته. فتشردت بين الجيش والأمن والاستخبارات حتى جرت هيكلتها في يوليو ٢٠١٧ بقرار من البرلمان بموجب توصيات الحوار الوطني. فصارت تتبع للقائد الأعلى للقوات لمسلحة المشير البشير رئيس الجمهورية. وأوكل القانون للجيش الإشراف على خططها وتحركاتها. وصارت شبه جيش ثان مربكاً ما يزال.

وعلى أزمة هويتها فالدعم السريع حقيقة من حقائق السياسة المحلية في دارفور. ولذا لم يجد من قاتلوها في الحركات المسلحة ومرغت أنوفهم في الهزيمة صعوبة في التحالف معها مثل الصعوبة التي لقوها مع ثوار المدينة ممن جمعتهم معاً مواثيق المعارضة من لدن جوبا إلى باريس.

وكنت خصصت فيديوهات للمحاضرة عن حقيقة الدعم السريع حين سارع الثوار في أول الثورة، وبأثر من غبينتهم لدورها المعروف في فض الاعتصام، إلى صرفها كمرتزقة أجانب من تشاد لا غير. واستفدت من مفهوم “صدأ الريف” في توضيح حقيقتها. فالدعم السريع هي مجتمع شباب بين العرب خاصة تصدعت حياته بالمحل الذي ضرب شمال دارفور، ولم تسعفه الحكومة بالتنمية، وعطل الفور المزارعون أصحاب الحيكورة أعراف التبادل المعاشي الذي حكم علاقاتهما تاريخيا، واستشرى السلاح من خرم حرب تشاد، علاوة على استثارة القذافي للنعرة العربية في شباب تلك الأنحاء ليستعين بهم في حربه في تشاد. فخرج هذا الشباب ك”همباتة” في أول طورهم وشاع عنهم “جن حاقب جيم وراكب جواد”. وصاروا بذلك مسلحين يبحثون عن مخدم. وجاؤوا على غرض الحكومة في ذلك الوقت التي لم تكد تفرغ من حرب الجنوب باتفاق السلام الشامل (٢٠٠٥) حتى نهضت دارفور بوجهها.

ومعلوم أن حميدتي لم يبدأ بخدمة الحكومة بل كان في معارضتها لحين. فقد سبقه إلى ذلك موسى هلال الذي أنشأ حرس الحدود ليؤدي نفس الخدمة للنظام. ولكن هلال ما يزال زعامة قبلية يكدره أن يأتمر لواحد من نفرات الرزيقات مثل حسبو، نائب رئيس الجمهورية، لذي أغلظ على زعامات القبائل لجمع السلاح. وهدد هلال ليرد عليه هلال مغيظاً أن يكف عن التهديد وأن يلقاه في الميدان “عوضاً عن النباح والعويل من داخل الخرطوم”. وكزعيم قبلي قام حرس حدود هلال على أفراد قبيلته. وهو في هذا خلاف حميدتى الذي، متي أمن دعمه من أفراد أسرته، لا يمانع في تجنيد الراغب متي استعت موارده. فهو لا يكف يطلب القبائل مثل الرشايدة والبني عامر مثلاً دفع شبابهم للانضمام إليه. وكثيرهم بلا عمل.

وعموماً صارت الوظيفة المتاحة للشاب الدارفوري هي القتال مع الحكومة جنجويداً وضدها كحركات مسلحة. فلا أعرف نظاماً تفشت فيه الحرب فصارت صناعة ذات عمالة واسعة مثل الإنقاذ. ولم ينعقد اتفاق سلام مع حركة إلا كان استيعاب محاربيها شاغلها الأول. بل صار تسجيل غير المحاربين في كشوف الاستيعاب، متى انعقد اتفاق سلام، باباً لتشغيلهم.

أزمة الهوية ناشبة في الدعم الريع. ولربما توقعنا بغير دلائل أنها ستنحل بهيكلتها ودمجها في القوات المسلحة كقوة نظامية. فلا شواهد على أن حميدتي تصالح مع هذه الفكرة أبداً مع أنها قد تأتي على فمه. وربما هي الفكرة الأكثر إزعاجاً وهضربة له. وسيصعب من الجهة الأخرى أن يستمر الجيش عندنا كجيشين. فليس هذا من طبائع الأمور.

زار الشيخ على التوم، زعيم الكبابيش (١٩٠٠ إلى ١٩٣٢) حديقة الحيوان في لندن عام ١٩١٩. وما استوقفه شيء مثل الجمل أب سنامين. واستغربه لمضيفه جداً.
(مدين لمذكرات أخذتها من كلمة مميزة عن أوضاع دارفور التي غطاها هذا العمود وآسف لأنني لم أقيدها في وقتها)

د. عبدالله علي إبراهيم – صحيفة التحرير



مصدر الخبر موقع النيلين

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: