في ذكرى الطيب صالح – صحيفة التغيير السودانية , اخبار السودان




يوسف مايكل بطراوس أو أحمد منسي يوسف

هل هو حاجة الطيب صالح لقرين حارس؟

كما يختلق الأطفال أصدقاء خيالين، يؤانسون وحدتهم ويقومون عنهم بالأعمال الخارقة، ويتلقون عنهم اللوم حين إساءة السلوك، أو كالقرين في ميثولوجيا الروحانيات يتحقق به الانطلاق والتحرر للشخص المسجون داخل ذاته.

خلق الطيب صالح شخصية “منسي”. والخلق هنا لا نعني به خيالية الشخصية الخالصة، فحتى لو أنها كانت موجودة بلحم ودم، فما سبغه ليها من أسطرة يفوق حد الواقعية.

الراحل الطيب صالح

ولربما نزعم أن “الطيب صالح” الكاتب بذهنيته المتقدة، ومخياله الجريء قادر على خلع أي لبوس على أي من شخصياته، وهو ما تبين من تشكلات شخصية “منسي” في كل حقبة ومكان. وقد برع الطيب صالح بحسبانه صوتاً للراوي بجانب الكاتب، في أن تشمل شخصية “منسي” مجموعة من التباينات، وإذ لا نسميها تناقضات، لما يسر لها الراوي من دروب الفهلوة والحيلة ومحبة الناس من جانب آخر؛ فما بين الفقر المدقع والثراء، وما بين البخل والكرم؛ تتقاطع كثير من الأحداث التي تنبئك بحاجة الكاتب إلى صوت مزدوج استعاض عنه بدور ثانوي لشخصية “الطيب” الراوي كمساعد للشخصية الرئيسة “منسي”.

وفي تقديرنا فهي ليست سيرة غيرية خالصة، فبينما ارتكزت على سرد حياة منسي كأرضية وسقف، كانت تعتمد على أعمدة لا يستقيم البناء إلا بها من سيرة ذاتية للطيب صالح نفسه الراوي أحياناً والكاتب أحياناً أخر. فقد مثل الراوي صانع الكرات في لعبة كرة القدم للهداف “منسي”. فترى أنه لكل طرفة أو موقف محرج يحدثه “منسي” صلة بعمل يقوم به الراوي، ابتداءً من سرد أحداث “شقة مارقو فونتين” التي ندم على شرائها فيما بعد. مروراً برحلته إلى بيروت فدلهي وليس انتهاءً بسيدني في استرالياً.

ربما أقول ربما شخصية “منسي” هي تجسد أحلام الراوي عما فاته من مرح الحياة، عنفوانها ومغامراتها التي لم يتسن له خوضها، هذا وإن لم يبن الندم صراحة إلا في حادثة شراء الشقة أعلاه. غير أنك تستشف من احتفاء الراوي بحياة “منسي” بتقلبه بين جوى الغبطة واغْتباط الانفعال.

فقد جمع الراوي في شخصية منسي خصال لا تتوفر في شخصيتين متابينتبن ناهيك عن شخصية واحدة. مما وفر له مساحة في التنقل داخل الشخصية البشرية كأبرع عالم نفس واجتماع. كما طاف بنا بين سوح المثقفين والكُتّاب والممثلين من لدن بيكيت ويوسف جاهين. كما طار بنا بين المدن شرقاً وغرباً كأبرع ملاح. هذه هي عبقرية الطيب صالح في ظني، إذ يتنقل بك وأنت جالس على مقعدك بين الحقب الزمنية والعوالم المكانية دون تعقيد أو زيف. وهو ما يصعب عليك آخر الأمر التفريق بين شخصياته التي يبنيها، أيها حقيقية وأيها خيال.



مصدر الخبر موقع صحيفة التغيير

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: