«اخبار اليوم» ترصد وتنشر تدشين اللجنة القومية لتخليد ذكرى الإمام الصادق المهدي انشطتها ببيت الابداع في ذكري




«اخبار اليوم» ترصد وتنشر تدشين اللجنة القومية لتخليد ذكرى الإمام الصادق المهدي انشطتها ببيت الابداع في ذكري

تحرير الخرطوم في 26 يناير 1885م ومساهمة الإمام الصادق المهدي في إحياء ذكراه

دشنت اللجنة القومية لتخليد ذكري الامام الصادق المهدي انشطتها  المتعددة باحتفال ومهرجان اسفيري ليلة الخميس الماضي احتفالا بذكري تحرير الخرطوم في 26 يناير 1885 م تحت عنوان عبق الماضي بعيون المستقبل وقد اشتمل علي عدد من الفقرات والكلمات والفواصل الغنائية والدرامية .


عرض تاريخي

قصة تحرير الخرطوم في 26 يناير 1885م تحكي عن عزيمة وبسالة  السودانيين ونبل أخالقهم في مواجهة عدو لا يراعي إلا ولا ذمة، لكنها لا تروى في مضابط التاريخ السوداني الرسمية بالصورة التي توضح مغزاها  وأهميتها في تحديد المصير السوداني.

كان الطريق للخرطوم شاقًا، فقد بدأت الثورة المهدية من الجزيرة أبا  وذهبت لجبال قدير بجنوب كردفان ثم انطلقت نحو كردفان وحررت كافة  الأطراف حتى كانت النهاية تحرير الخرطوم. أهم المحطات في الطريق  للتحرير كانت شيكان يوم الإثنين 5 نوفمبر 1883م، بعدها استسلم  سالطين النمساوي في شعيرية وتم تحرير دارفور في 14 يناير 1884م.  بعد الهزيمة الماحقة ومقتل هكس باشا في شيكان وضع البريطانيون  ّ خطة للإستيلاء على السودان بإرسال غردون مطوع ثورة (الملك  السماوي) في الصين فتم تعيينه حاكمًا عامًا على السودان في يناير  1884م.


حصار الخرطوم

بدأ حصار الخرطوم في يناير 1884م بقوات الشيخ محمد الطيب البصير قبل وصول غردون وتجريبه كل وسائل الخداع واالستمالة والترغيب.

وكانت أولى محاولاته قبل وصوله بربر في 11 يناير 1884م إرساله هدية (جبة وقفطان وحزام وطربوش مغربي بعمامة ومركوب وشال) وخطابًا ً رشوته بأن يعطيه ملك كردفان. ورد عليه المهدي داعيًا للمهدي محاولا له للإسلام ورد له هديته وأهدى له جبة ورداء وسراويل وعمامة وطاقية  وحزام ومسبحة.

وصل غردون الخرطوم في 18 فبراير 1884م، وأصدر على الفور إعلاناً للقبائل المجاورة بأن السودان قد تم فصله نهائيًا عن مصر وأن كل  القرارات الخاصة بإلغاء الرق قد أبطلت وأنه لن تحصل أقساط ومتأخرات ضرائب وأنه عين المهدي سلطانًا على كردفان وأمر باحراق دفاتر متأخرات  الضرائب علنا مع الكرابيج والسياط وأدوات التعذيب الأخرى المعروفة عن ذلك العهد الذي أشقى السودانيين كثيرًا.

وفي مارس أرسل القائد المهدوي إبراهيم العبيد لغردون يقول له إن  الإمام المهدي أمرهم بحصار الخرطوم ويقول له (سلم تسلم يؤتك اهلل  أجرك مرتين) لكنه أبى، وقضى غردون أبريل 1884م في زيادة تحصينات ّ الخرطوم فحفر خندقًا أطول وعمق ما كان محفورًا لثمانية أقدام، وشيد سورًا من الداخل ارتفاعه خمسة أقدام، وشيد طوابي جديدة. وفي منطقة انحسار النيل وضع مراكب محملة بالمتفجرات، وعلى بعد من الخندق وضع عبوات ناسفة مزودة بأجهزة إشعال محملة بالبارود وضعت في براميل المياه الفارغة. وشمل نظام الألغام هذا كذلك حامية أم درمان، حلة خوجلي ببحري وجزيرة توتي، وأنشأ نظام تلغراف يجمع هذه  النقاط المتباعدة بالقصر.

في 15 أبريل الحت بوارق الأمير ابو قرجة (أمير البرين والبحرين) حول  الخرطوم ومعه اربع فرق من جهادية كردفان حملة الاسحلة النارية  ومدفعين وبطارية صاروخ. ونزل بالجريف شرق الخرطوم، وأرسل خطابا لغردون يحضه كذلك على التسليم، ثم تقدم لمنطقة بري وبنى فيها  طابية وضع عليها مدفعًا، وأمر فضل أحمد (فضلو) بالنزول على النيل  الأبيض في منطقة شجرة ماحي بك (الشجرة الآن) فنزل هو ورجاله هناك  وشيد طابية ووضع عليها مدفعًا. ولم تسكت الدانات داخل الخرطوم، واشتد الحصار عليها فارتفعت األسعار بنسبة 3000 ،%وزاد عدد القتلى  والجرحى. وفي 14 مارس 1884م تم تحرير بحر الغزال، وتحرير بربر في 19 مايو 1884م.

في الأسبوع الأول من مايو أرسل غردون ثالث بواخر محملة بالجنود لضرب طابية احمد فضلو بالشجرة، وتمكنوا من هدم الطابية والإستيلاء على المدفع وكمية من الذخيرة ودمروا منازل كثير من الأهالي ولكن الثوار  تجمعوا سريعًا بعد ذهاب البواخر وشددوا الحصار مرة أخرى.

في 10 يونيو 1884م دعا الشيخ أحمد العوام وهو مصري من خطباء الثورة  العرابية وكان منفيًا للسودان في الخرطوم، لحل سلمي فقبض عليه  غردون بتهمة التحريض وكبله بالحديد وسجنه وبعد ذلك أطلق سراحه  وعينه معاونا في الحكمدارية لكنه لم يتنازل عن ثوريته فبطش به ولفق  له تهمًا أعدمه إثرها، وقد خلف كتابه (نصيحة العوام للخاص والعام من  أخواني أهل اإليمان واإلسالم).

في 15 يوليو أرسل غردون جردة لمهاجمة الأمير أبي قرجة. وأخرى لمنع تقدم تعزيزاته من جهة الكالكلة. فنجحوا في تشتيت قواته والإستيلاء  على بعض مؤونته، كذلك شن هجومًا آخر عليه في 12 أغسطس  1884م، وأرسل حملة في 15/8/1884م طردت قوات العبيد ود بدر من  الحلفايا، وأطلق جردة في 29 أغسطس على قوات ود بدر المتمركزة  في العيلفون استولت على كميات من الأغذية، مما حسن من الحالة في  الخرطوم المحاصرة. وحاولت قوات الجردة مطاردة الثوار، فحاصروها في  غابة أم ضبان وقضوا عليها ومن فر منهم ووصل الخرطوم كان في حالة  هلع شديد. بعد هذه المعركة بدأ غردون يسقط في الهاوية.

أرسل المهدي الأمير عبد الله جبارة والأمير بابكر عامر للانضمام للشيخ  العبيد ود بدر فالتقياه وقد كان شيخا مسنا ولكنه قوي الإرادة استطاع  من غرفته أن يوجه أبناءه لقتال الغزاة. وكان الأمير العباس العبيد ود بدر  بالمرصاد لبواخر غردون من الشاطئ الشرقي للنيل الأزرق.


وصول النجومي

عزز من النكبة الغردونية وصول أمير الأمراء عبد الرحمن النجومي  لمشارف الخرطوم في 1 سبتمبر 1884م في قوة مسلحة بالسلاح الأبيض والبنادق، انضمت إليهم قوة عبد الله النور معهم مدافع كروب ومدافع  ّ جبلية وصاروخ. وكان معه من الأمراء عبد القادر مدرع شيخ الحسنات  وعبد الله سالم الحاج عبد الله وعبد اهلل النور. التقى النجومي بأبي قرجة  في قرية ود شكر الله (على بعد 24 ميال جنوب الخرطوم) وتقدما لقرية  الفرقان بالقرب من حصون الخرطوم.

تقدم النجومي لمنطقة القوز وشيد طابية هناك قبالة اقوى طابية  لغردون، وشكل طابية في الجريف يقودها الأمراء سليمان العبيد، حامد  النيل حامد وعمر الخليفة محمد سوار الذهب، كما وضع مخازن للأغذية  يشرف عليها الأمير حاج خالد العمرابي. وأرسل الأمير عبد القادر مدرع  لمقابلة بوابة المسلمية وأمر عبد الله النور وجيشه بالنزول في مقابلة  بوابة بري على ضفة النيل الأزرق اليسرى وأرسل محمد عثمان أبو قرجة  لاحتلال ضفة النيل الأبيض اليمنى أمام قرية الفرقان.

في شهر سبتمبر 1884م تلقى غردون عدة خطابات من أمراء المهدية  تطالبه بالتسليم أهمها خطاب من النجومي في 13/9/1884م رد عليه غردون في 24 سبتمبر يرشو فيه النجومي وأبا قرجة عارضًا عليهما ان  يعينهما سلطانين على الغرب بعد أن تعود الأمور إلى نصابها!


نجدة غردون البريطانية

فكرت بريطانيا في إرسال نجدة لغردون بقيادة اللورد ويلسلي وصلت  أعداد منها دنقلا في منتصف نوفمبر 1884م. في 27 ديسمبر 1884م  قسم اللورد ويلسلي قوة النجدة (حملة النيل) المتجهة للخرطوم إلى  قسمين: الأول يسمى طابور الصحراء يذهب عبر الصحراء لاحتلال المتمة.

بقيادة سير هيربرت استيوارت والثاني يسمى الطابور النهري بقيادة  ميجور جنرال ايرل يذهب مع النيل لاحتلال بربر بمساعدة الطابور الأول. الحرب البايولوجية والتزوير نفذ الغزاة الحرب البايولوجية على الثوار من داخل الخرطوم ومن خارجها.

أما من الداخل فقد قام غردون بمساعدة الطبيب نيكوال بنشر الجدري  بين قوات الثوار المحاصرين للخرطوم، وأخالها من الأوربيين (هو شخصيا  لديه مناعة من المرض)، وقد قبض الثوار على باخرة الأوربيين الفارين  ومعهم أوراق مهمة وأختام مزورة فيها توقيع المهدي.

الجزء الثاني من الحرب البايولوجية أشرفت عليه حملة الإنقاذ البريطانية،  حيث كانت حملة النيل تحمل معها 96 صندوقًا من الأطعمة المعلبة  الملوثة بالتايفويد، وضعت معها صناديق الخمور للتمويه.


المهدي يتجه نحو الخرطوم

سار المهدي من الرهد في 22/8/1884م نحو الخرطوم على قدميه  (مراعاة لحال الضعفاء واألصحاب الذين معه في السفر) وذلك بطريق  شركيلة وشات والدويم، فمر بالرهد، وبقي شهرًا بشات، وقضى عيد  الأضحى في الترعة الخضراء وأخيرًا وصل أبي سعد جنوب أم درمان في  24 أكتوبر 1884م، وأمر بتشديد الحصار على الخرطوم وحصار حامية أم درمان بقيادة الأمير حمدان أبو عنجة الذي أكمل بناء استحكاماته في نوفمبر 1884م وصار يقوم بهجوم يومي على الحامية.

في 31 ديسمبر 1884م تم تأمير الأمير موسى ابو حجل ابن زعيم الرباطاب على أهله، فواجه طابور النهر وأصابه بخسائر فادحة. وفي نفس اليوم  اجتمع المهدي مع قواده لبحث الهجوم على الخرطوم والذي يرى أنه  سهل ولكن يحجم عنه لأنه ستفقد فيه أرواح يجب حقن دمائها، ومن  جهة كان يدرك أنه لا بد من مهاجمة الخرطوم فورا إذا اقتربت أية قوات  إنجليزية منها. في الخامس من يناير 1885م سلمت حامية أم درمان لألنصار.

أرسل المهدي خطابا لغردون في 6 يناير يقول له (سلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين وإن أعرضت كان عليك إثمك واثم من معك). وفي اليوم  التالي أرسل له خطابا آخر يقول له: (سمعنا مرارًا فيك الخير ولكن على قدر ما كاتبناك للهداية والسعادة ما أجبتنا بكالم يؤدي إلى خيرك كما نسمعه من الواردين والمترددين، واآلن آيسنا من خيرك وسعادتك).. (وقد بلغني في جوابك الذي أرسلته إلينا أنك قلت إن الإنجليز يريدون أن يفدوك وحدك بعشرين ألف جنيه،..، وأنت إذا قبلت نصحنا فبها ونعمت، وإلا إن أردت أن تجتمع على الإنجليز فبدون خمسة فضة نرسلك إليهم).


أبو طليح والشبكات:

طابور الصحراء بقيادة هيربرت ستيوارت وصل أبو طليح في الجمعة 16 يناير. الثوار الأنصار احتلوا آبار أبي طليح وكانوا بانتظار طابور الصحراء  لتأخيره بحسب أوامر الإمام المهدي الذي كان يريد إعطاء زمن لغردون  حتى يسلم، وانضمت إليهم جزء من الراية الخضراء بقيادة الأمير موسى  محمد حلو. وهجموا على الطابور في صباح السبت 17 يناير فأصابوه  ببلبلة عظيمة وحققوا هدفهم برغم الهزيمة، قال مؤرخ بريطاني: (من  لحظة اصطدام الأمير موسى محمد الحلو بالمربعات اإلنجليزية في أبي طليح، إلى ساعة هروب طابور الصحراء أمام الأمير عبد الرحمن النجومي فقد هذا الطابور الشيء الوحيد الذي تميزت به القوات البريطانية.. وهو  الانضباط).. وقام الغزاة بالجريمة التي كررها البريطانيون كثيرا وهي قتل الجرحى من الأنصار في أبي طليح.

بعدها واجه طابور الصحراء معركة الشبكات في يوم الإثنين 19 يناير  1885م، وفي المتمة في 21 يناير هجم الأمير النور عنقرة على الطابور  ولم تصب قواته بخسائر في حين فقد العدو 98 قتيال وجريحا. بعد ذلك  توجه طابور الصحراء في باخرتين نحو الخرطوم ومعهم مركب يحمل  ذرة وعلب اللحوم الملوثة بالتايفويد، ومنعوا المراسلين الحربيين من الذهاب خوفا من ان يعرفوا بأمر الحرب البايلوجية.

حينما وصل خبر الباخرتين المتجهتين للخرطوم للإمام المهدي كان ذلك بمثابة إصدار قرار من بريطانيا بالهجوم على الخرطوم. لأن الأنصار ما  كانوا يمكنهم الانتظار حتى يحاربوا جيشين.


تحرير الخرطوم

في يوم الأحد الثامن من ربيع الثاني 1302 هـ الموافق 25 يناير 1885م أصدر  الإمام المهدي الإنذار الأخير لغردون وأهالي المدينة وفيه: (إن النصائح ً، والدلائل ترادفت عليك ولم تزدك إلا ضلالا تتابعت إليك ولم تلق لها بالاوكثرة المواعظ باللين لم تفدك إلا نفورًا واستكبارًا) وكان بمثابة إنذار أخير بالتسليم أو لقاء ما حدث لأهل ققرة الأبيض. وقضى الإمام المهدي بقية يوم الأحد في إصدار أوامر تنفيذ الهجوم على الخرطوم. فاستدعى النجومي وبقية الأمراء لأبي سعد، وتم اصدار الأمر للأمير حمدان أبو عنجة  بقصف الخرطوم والسيطرة التامة على مدخلها النيلي بالمدفعية.

وبعد صالة المغرب عبر الإمام المهدي النيل نحو شجرة محو بك ومعه  الخلفاء الثلاثة حيث استقبلهم أمير الأمراء عبد الرحمن النجومي وقادته  وذلك لوعظ الأنصار في أمر اقتحام الخرطوم فأبكى الجميع وقال لهم إن  الهجوم يجب أن يكون جهادا خالصا لوجه اهلل حتى ال تشوب الاستشهاد  شائبة. وذكر لهم أربعة يجب ألا يقتلوا وهم: غردون، والفكي الأمين  الضرير، والشيخ حسين المجيدي، والشيخ محمد السقا.

بدأ الأمير حمدان أبو عنجة جنوب أم درمان بالقصف منذ عصر الأحد  وكذلك مدفعية النجومي بالشجرة قاموا بقصف الثغرة والمراكب التي  كان غردون وضعها على ضفة النيل الأبيض فيها وبوابة بري وقصر  الحكمدارية وحامية المقرن. وفي الثالثة من صباح الإثنين 26 يناير توقف  القصف ليبدأ هجوم المشاة على الخرطوم عبر ثالثة محاور: محور بقيادة الأمير أبو قرجة تتقدمهم ثيران لتفجير الألغام في بوابة بري. والثاني  تضليلي يقوده الأمير عبد الرحمن النجومي وقواته من الفرسان عبر  بوابة المسلمية، والثالث يقوده الأمير محمد ودنوباوي يتحركون من  معسكر الشجرة بدون أي صوت مقدمته تحمل البنادق والبقية سيوف  ورماح. وبتكتيكاتهم الذكية وتضليلهم للعدو استطاعوا العبور وتحرير الخرطوم.


دور النساء في التحرير

كانت النساء يحملن رسائل المهدي لغردون وجاء في تحشية إحدى  الرسائل: »فتخبرك المرأة الواصلة«، بما يعني أنهن كن مندوبات الحاملات  للرسائل فقط. بالرغم من أن شهداء الثورة في تحرير الخرطوم كانوا  عددًا لا يتجاوز بضع عشرات فقد كان بينهم نساء أشهرهن المحاربة  ست البنات بت سليمان المشهورة بست البنات أم سيف وقد شاركت  في الحصار تحت راية الأمير أبي قرجة واستشهدت هي وأربعة من  إمائها. أما الشهداء من جانب غردون فحولهم أرقام تبلغ الآلاف. وللأسف قتل اثنين ممن اوصى المهدي بألا يقتلوا: غردون باشا والشيخ حسين  المجيدي.

مغزى معركة تحرير الخرطوم

إنها تشير لقوة الإرادة والعزيمة والإيمان والجهاد الخالص في سبيل الله، ونجاعة التخطيط وإحكامه. ولأخالق الحرب التي مارسها جيش المهدية في مواجهة عدوه، فهو لم يقم بدفن الآبار في أبي طليح كما فعل مع  آبار شيكان لأن الخاسر هنا عدد كبير من السكان، فأحجموا عن الدفن  برغم حاجتهم له حربيًا مراعاة للمدنيين، وفي المقابل بدت فيها الأخلاقيات العدو الذي كان يقتل الجرحى ويستخدم الحرب البايولوجية ويزور الأختام وينشر الأكاذيب، وهذا يؤكد إن الأهداف النبيلة يجب أن  تتخذ سبلا نبيلة.

وتعني معركة تحرير الخرطوم كذلك أنه لو تضافر كافة أهل السودان  خلف هدف، فإنهم لا محالة بالغوه ولو بعد حين، ولو تعرضوا لهزائم  وقتية، حيث شارك السودانيون من كل جهاتهم وراياتهم، وحارب مع  المهدي شيوخ الطرق الصوفية من زملائه وفرسان القبائل شمالا وجنوبا  وشرقا وغربا ووسطا، وقد وصف معركة التحرير المرحوم السيد محمد أحمد محجوب في رثائه الإمام عبد الرحمن المهدي بقوله:

 شهدت َ فيها، وراء ِ الغيب ً معركة …

حمراء ُ تلمع َ في حافاتثها القضب.. ُ

وقد أحاطت بهذا القصر كل فتي ..

 جلد تطاير من اجفانه الغضب..

َّ وخر ُ غردون َّ من أعلى مدرجه مجندلا بدماء الخوف يختضب…

ُ وأصبح القطر ُ حرا لا يدنسه..

باغ ُ يعيث ُ ، ولا يضنيه ُ مغتصب..

الإمام الصادق المهدي وذكرى تحرير الخرطوم

درج الإمام الصادق المهدي على إحياء ذكرى هذا اليوم الذي كان يسميه  بالاستقلال الأول، مشيرًا للاستقلال في 1956م ب«الاستقلال الثاني«.  وقد نظم حزب الأمة بالقاهرة في يناير 1999م احتفالا بذكرى 26 يناير، وروي الإمام عليه الرضوان الحادثة بقوله: (قلت في خطابي: احتفال بها في  قلب القاهرة، صدق أو لا تصدق! كان في الحضور المؤرخ المصري الشهير ٍ يونان لبيب رزق فقام وقال: أصدق يا فلان، ففي المجتمع المصري يومئذ تياران معبران عن الوعي السياسي هما تيار إسالمي بقيادة الإمامين  جمال الدين ومحمد عبده، وتيار وطني بقيادة العرابيين، كان التياران  مرحبين بالثورة في السودان ويتمنيان أن تبلغ مصر لتحريرها من  السلطان الثنائي العثماني والإمبريالي البريطاني(. ومن المحطات المهمة التي أحيا فيها الإمام عليه الرضوان ذكرى التحرير الأول كان يوم احتفال حزب الأمة به في 26 يناير 2011م بمسجد الخليفة بأم درمان، وقد سماه )يوم الفرقان(، وقاد الجموع في هتافات بحياة ذكرى  التحرير الأول والحرية والثورة، قال: )يلزمنا أن نكرر الاحتفال بذكرى التحرير  ليلهم الماضي المستقبل. حدثان مهمان وملهمان من تحرير الخرطوم  الأول: إن الدعوة انطلقت في كل أنحاء السودان وحرر الثوار مناطقهم  في كثير من أنحاء السودان قبل تحرير الخرطوم في 26/1/1885م.

الثاني: كل خطابات الإمام المهدي لغردون المحاصر في الخرطوم منذ  شهر نوفمبر 1885م خالصتها: أنتم محاصرون حصارا واسعا لأن الطريق  الشرقي والشمالي كلاهما انحاز للدعوة، وحصارًا مباشرًا حول الخرطوم  ونحن لا نريد سفك الدماء فاستجيبوا لحقائق الواقع ولا تلقوا بأيديكم  إلى التهلكة. ولكن غردون تمنى الصمود حتى تدركه النجدة البريطانية  القادمة ولكن خبر وصولها عجل بالتحرير وكان ما كان بسبب حماقة  غردون. في كل التاريخ القيادة الحكيمة تقرأ الواقع وتتجنب التهلكة(  مطالبًا النظام البائد أن يتعظ به، وقال في نهاية الخطاب: )لم يبق إلا  قليل من الوقت يا وطني فهل من أمة تثب؟( محطة أخرى كانت الاحتفال بواقعة أبو طليح في يوم 29 يناير 2013م،  فأشاد بها (لأهميتها الاستراتيجية ودورها في استقلال السودان الأول)  ثم روى كيف أن خطة التحرير كانت تقوم على (حصار استراتيجي يمنع  الخرطوم من أية اتصالات ومواصلات عبر شمال السودان وعبر شرق  السودان فتكون الخرطوم محاصرة إستراتيجيا، وقد كان). وأنها (دليل  ساطع على وحدة الشعب السوداني كله واتحاد قبائله بالصورة التي  رمزت لها أعالم المهدية وراياتها وتكوين قواتها والخلافة والأمراء)، وقال:(القراءة الجديدة الصحيحة لتاريخ السودان توجب تبيان حقيقة التنوع فيه، وأن الإدارة الحكيمة للتنوع كانت السبب الأهم في إنجازات البالد التاريخية، وهو الدرس المستفاد لتأمين المصير الوطني الآن.( ومن أهم المناسبات التي استلهم فيها الحبيب الإمام الصادق المهدي  تحرير الخرطوم عودته في 26 يناير 2017م والتي أطلق عليها البعض  عنوان (التحرير الثالث)، أو (عودة تحرير).

كما أنه استحضر ذكرى تحرير الخرطوم في خطبة الجمعة بتاريخ 25 يناير 2019م أثناء ثورة ديسمبر المجيدة، فرسم ملامح التحرك الشعبي  ً كما كان، وقال إن المهدية زالت كدولة لكنها بقيت مغروسة في أرض  ٍ السودان مستنبتة في أرضه، خالدة في معان باقية، هي: (إحياء الملة  بصورة متبعة للشعائر مجددة في المعاملات متحررة من الاجتهادات  الماضوية، بل ملتزمة بقطيعة معرفية من اجتهادات التراث على أساس  »لكل وقت ومقام حال ولكل زمان وأوان رجال«. ومن ثمار غرسها مولد  الكيان الوطني السوداني النافي لفرقة الإثنيات والجهويات، المنادي  ٍ بالعدالة الاجتماعية وناف كذلك للتفاوت الطبقي وسحق المستضعفين، وغرست ثورية سودانية أصيلة في مواجهة الظلم والفساد مشبعة بالبسالة والصمود والتضحية في سبيل المباديء بصورة أدهشت  العالمين، ما يبرر ويفسر النزعة الثورية السودانية في وجه الظلم  والاستبداد.. ما أشبه الليلة بالبارحة.( وقدم الإمام عليه الرضوان في مؤتمر المهدية الأول الذي عقده صالون  الإبداع في 26 يناير 2020م إحياء لذكرى تحرير الخرطوم، محاضرة مهمة  بعنوان (المهدية في الماضي والحاضر والمستقبل)، تحدث عن ملامح  فكروية المهدية ثم عن قضية الإحياء الإسلامي وأهميتها في استنهاض  الأمة على أسس تراعي جدلية الأصل والعصر، وقدم مرافعة من أجل  احتمال أن يقدم السودان للأنموذج المنشود، ذاكرًا أوراق اعتماده في  ذلك، مما يؤكد نظرته للمهدية ولإلحياء الإسلامي عامة باعتباره مشروعًا مستقبليًا لا ماضويًا.

 





مصدر الخبر موقع صحيفة اخبار اليوم الالكترونية

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: