Skip to Content
‏اخبار
السودان
الان
من
كل
المصادر‏
زين العابدين صالح عبدالرحمن يكتب: الديمقراطية في السودان بتصور من؟
صحيفة الانتباهة اخبار السودان / مارس 14, 2021


بقلم : زين العابدين صالح عبد الرحمن
كتب جورج طرابيشي في مقدمة كتابه ” في الثقافة الديمقراطية” يقول ” أن الديمقراطية هي أفراز بنيوي متقدم لمجتمعات متقدمة، و أنها بدون أن تكون كاملة- هي النظام السياسي الأرقى و الأكثر عقلنة بين سائر الأنظمة السياسية التي اخترعتها البشرية في مسارها التاريخي الطويل”
و الديمقراطية مرت بمراحل عديدة في صيرورتها منذ دولة أثينا، حيث أرتبطت فقط بالنخبة الحاكمة دون عامة الشعب، و أيضا أرتبطت بمسار تطور الكنيسة في أوروبا و هيمنتها علي السلطة، و فرض الوصايا علي الشعب و ممتلكاته، حيث كان المجتمع الاقطاعي مكون من ملاك الأراضي و الذين كانوا يستعبدون بقية الشعب. فالتحول الذي حدث في عقل بعض القساوسة في الكنيسة أمثال مارتن لوثر، هو الذي قاد إلي تحرر الناس من قبضة الكنيسة و وصايتها، حيث أصبح المواطنون قادرون علي أن يتصرفوا في ممتلكاتهم و الريع الذي يعود منها، الأمر الذي فتح الباب لبروز طبقة جديدة ” البرجوازية” و جاءت هذه الطبقة بعقل جديد يتوأم مع التحول في المجتمع، فكان عصر النهضة و الاستنارة و بدأ عقد اجتماعي جديد، أفرز النظام الديمقراطي عبر مسار طويل مليء بالنزاعات و الحروب لكنه استقر أخيرا بعد حالة التوافق و القبول بالتداول السلمي للسلطة عبر صناديق الاقتراع بفترة زمنية معلومة، حيث الكل يخضع للقانون و يحترمه.
و الديمقراطية في السودان، لا تحتاج أن تمر بذات المرحلة التي مرت بها دول أوروبا، لكنها تحتاج أن تدرس تاريخ تطورها، و التحديات التي كانت تواجهها، لكي تستفيد من هذه التجربة في عملية التحول الديمقراطي، لكن مشكلة النخبة السياسية السودانية لا تستفيد من تجاربها، رغم أن مصطلحات الديمقراطية أكثر المصطلحات التي استخدمتها النخبة السياسية علي مختلف مدارسها الفكرية، و لكنه كان مصطلحا هائم في الفضاء لم يجد طريقه للواقع، فكان شعار يرفع من قبل المعارضة علي السلطة الحاكمة، و عندما تصل المعارضة للسلطة بصورة من الصور تنسى الشعار تماما و علاقتها به، و يتحول الشعار لإيادي الذين فقدوا السلطة، هكذا كان مسار الشعار. فالسلطة تختلف من سلطة الدولة إلي سلطة داخل الحزب السياسي، فالاثنين لا يمارسونها بالصورة المطلوبة و يعيقون تطورها.
في الأسبوع الماضي أقامت جامعة الجزيرة أسبوع التحول الديمقراطي، حيث تحدث فيه الدكتور صديق تاور عضو مجلس رأس الدولة قال في كلمته ” أن التحول الديمقراطي مرتبط بمطلوبات عديدة أولها أن يكون هناك جيشا واحدا مهمته حماية البلاد و حدودها و دستور البلاد، و سلطة أخرى مهمتها نفاذ القانون وقفا للمرجعيات القضائية و العدلية ” و أكد في حديثه ” و قال لا يمكن أحداث تحول ديمقراطي إلا من خلال أحزاب تتحلى بالمسئولية و واعية بدورها بعيدا عن المصالح الحزبية الضيقة. و قال تاور أن الفترة الانتقالية تمر بصراع معقد بين القوى التي انجزت الثورة و أعداء البلاد المتربصين” فالدكتور تاور هو عضو في ” حزب البعث العربي الاشتراكي” و الانتماء مهم معرفته عندما يكون الحديث عن الديمقراطية، لآن الانتماء يوضح إذا كانت المرجعية الفكرية تتوافق مع الديمقراطية أم تفارقها، فإذا كان الأنتماء يتماشى مع الديمقراطية يكون المطلوب من المتحدث أن يبين لماذا تتعثر الديمقراطية في السودان، خاصة الآن بعد ثورة أوضحت الجماهير ملامح طريقها في شعارها ” حرية – سلام – عدالة” لكن الدكتور تاور ذهب للحديث عن جزئية هي تعدد القوات المسلحة في البلاد، و تعد واحدة من الإشكاليات إلي جانب المرجعيات القضائية، و أيضا تناول الأحزاب لكنه لم يخوض في الحديث إذا كانت ديمقراطية أم أنها ذات ثقافة مخالفة. و حديث تاور يعتبر حديثا للمناسبات، رغم أنه في صرح أكاديمي يتطلب سبر عمق المشكل من خلال البعد الفكري، و معرفة التحديات التي تواجهها، و كيفية التغلب عليها، لكن الدكتور تاور لم يتطرق لذلك لآن مرجعيته الفكرية لا تساعده أن يتعمق في فكر لا يتوافق معه ثقافيا و معرفيا، و تجارب حزب البعث في الحكم تقول ذلك و يؤكدها مجلدات ” نضال البعث” و هي مجلدات تؤرخ لصيرورة البعث في المجتمع و سلطته في الحكم، فاغلبية المجلدات تحكي عن حياكات لمؤامرات و انشقاقات داخل البناء التنظيمي، و صراعات تفتقد للمواعين الديمقراطية. و الدلالة علي ذلك الآن هناك أكثر من خمس أحزاب بعثية في السودان تشظت من بعضها البعض خلاف المنتمين للبعث السوري. كما يتبين بصورة جلية القيادات التي تخلد في قمة الهرم لا يبعدها من الموقع إلا الموت، جميعها تعكس أن المصطلح غير مخدوم فكريا و غير مطبق واقعيا، لذلك يصبح السؤال ديمقراطية بمفهوم من؟
و في الأسبوع الديمقراطي أيضا تحدث والي ولاية الجزيرة الدكتور عبد الله أحمد علي أدريس و قال ” أن الديمقراطية يشكلها البناء الفوقي، تختلف عن سلطتها، و المشكلة تكمن في الثقافة و الوعي الديمقراطي و مازالتا بعيدتان عنهما. و تحتاج الثقافة خاصة للتعامل مع الأجهزة النظامية باعتبار أحد مكونات المجتمع الأساسية” و معروف انتماء والي الجزيرة للحزب الشيوعي، و حديثه عن الثقافة يوضح قناعاته الفكرية، أن تناوله للثقافة باعتبارها تشكل البناء الفوقي للمجتمع، و الذي يتخلق من القاعدة الاقتصادية السائدة في البلد، و المعادلة هذه في مرجعية الوالي يغييرها فقط الصراع الطبقي عندما تثور البوليتاريا علي الطبقة الرأسمالية المتحكمة في وسائل الإنتاج، و البوليتاريا ثورتها تخلق نظاما دكتاتوريا يمنع مشاركة الطبقات الأخرى،و هو أحد مراحل البناء الشيوعي. كما أن المركز الديمقراطية داخل هذه المؤسسة تحد حرية عضويتها تماما و لا تستطيع أن تعارض أي قرارات خارجة من المؤسسة، باعاتبار أن المركزية الديمقراطية تجعل حفنة قليلة قيادية هي التي تتحكم في الحزب و هي التي تحدد من الذي يصل للجنة المركزية، و من الذي يشارك في المؤتمر العام للحزب، أن عملية طرد الدكتور الشفيع خضر و حاتم قطان و زملائهم حتى لا يحضروا المؤتمر السادس تبين غياب الديمقراطية داخل هذه المؤسسات رغم الشعارات الكثيرة المرفوعة من قبل الزملاء. لذلك تواجه الديمقراطي معضلة كبيرة من خلال قوى اليسار و الأن يظهر ذلك بوضوح لتعثر الفترة الانتقالية. و هي الحالة التي سماها البعض بسرقة الثورة.
ليس اليسار وحده هو الذي يعاني من ضيق المواعين الديمقراطية، أيضا اليمين يعاني من غيابها تماما، فالحركة الإسلامية تتحمل مسؤولية نظام الإنقاذ الذي غابت عنه الديمقراطية، و أيضا كانت هناك فئة قليلة بقيادة رئيس الجمهورية المخلوع هي التي تتحكم في مفاصل السلطة، فالحركة الإسلامية جميعها هي في حاجة أن تجري معراجعات فكرية تتعلق بقضيتي الحرية و الديمقراطية، إلي جانب الحزبين التقليديين ” الأمة القومي – الاتحادي الديمقراطي” حيث تشظى الحزبان إلي مجموعات متعددة لا يقارب بينهم شيئا، و غياب الكارزمة كان يمكن أن يخلق واقعا جديدا تسود فيه المؤسسية باعتبارها من الآدوات الجوهرية للعملية الديمقراطية، لكن لم يحدث ذلك بالصورة المطلوبة حيث البعض مايزال يبحث عن كارزمة جديد، و هي من مولدات الثقافة الشمولية، هل ذلك لانتشار الثقافة الرعوية في المجتمع، أم أن دور المؤسسات الأكاديمية لم يتطرق للمشكل من خلال منهج نقدي تبين فيه العوامل الموروث التي لا تساعد علي عملية التحول الديمقراطي، كما أن النخب السياسية فاقدة الإرادة التي تجعلها تحدث واقعا جددا في البناء الحزبي، هل يعود ذلك لمحدويتها بالثقافة الديمقراطية، و التي جعلها غير قادرة أن تتجاوز مسألة الكارزمة ، أي الشخص المفرد الذي يتحكم في الحزب وحده يعتبر المفكر له دون الآخرين.
أن عملية التحول الديمقراطي الذي تتحدث عنه بعض القيادات السياسية يفتقد لأهم شيئين الأول الثقافة الديمقراطية و الثاني تعارض المرجعيات الفكرية مع قيم الديمقراطية، فالكل لا يريد أن يخضع نفسه للتعامل من خلال اللوائح و القوانين، و الدخول في منافسات لا يضمن نتائجها. مثالا لذلك قوى الحرية و التغيير ” قحت” فكرتها تقوم علي السلطة و ليس فكرة سيادة الديمقراطية، لذلك حاولت أن تضيق فرص المشاركة في آليات سلطة الفترة الانتقالية حتى لا تضعف قبضتها علي السلطة، و خلق العديد من المطبات، مثالا لذلك حرمت القوى التي شاركت في الثورة لكن لم توقع علي إعلان الحرية و التغيير، و أيضا حرمت لجان المقاومة من المشاركة و ضيقت عليهم الفرص، و السبب لا تريد أن توسع دائرة المشاركة التي تضيق فرص المشاركة في كل مكونات السلطة. هذا السلوك يوضح أن الديمقراطية عند البعض شعارات فقط لا يرغبون لنزولها علي الأرض. و نسأل الله حسن البصيرة.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب



مصدر الخبر موقع الانتباهه

Comments
No comments yet, take the initiative.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‏اخبار السودان الان من كل المصادر‏ © 2022