Skip to Content
‏اخبار
السودان
الان
من
كل
المصادر‏
د. حيدر معتصم يكتب: أثر السلوك الإجتماعي على الأداء السياسي
صحيفة الانتباهة اخبار السودان / مارس 28, 2021


الإستدراج و الغزو
(1)
عُرِفَ السودانيون بين الشعوب الأخرى بأنهم شعب طيب و متسامح لأبعد الحدود و لكنه في نفس الوقت لا يقبل الضيم أو الظلم و هاتين الصفتين المتميزتين ظلتا محور حديث الآخرين عننا أينما ذُكِرنا في المجالس خارج الحدود فالطيبة مثلا صفة إيجابية في الإنسان و لكنها يمكن أن تتحول إلى صفة سالبة إذا ادت إلى تنازله عن حقه بسذاجة و كثير من القصص و الحكايات على مستوى الداخل و الخارج تعبر عن ذلك، و كذلك الحال بالنسبة لصفة عدم قبول الظلم و برغم إيجابيتها فيمكن أيضا أن تؤدي إلى الإنفعال الزائد الخارج عن السيطرة و تتحول إلى شكل من أشكال الحماقة، و لتلك الصفتين أو الميزتين اثر كبير و دور بارز في مسيرة السودان السياسية سلباً و إيجابا في حالتي المدح و الذم و ظلتا أيضا مصدر فخر لنا خارج الحدود، و مثلت هذه الثنائية بجانب الصدقية العالية سبباً رئيسياً لإختيار وتميز السودانيين بهاتين الصفتين بهذا الكم السائد على المستوى الجمعي بين الشعوب لأداء بعض المهام الخاصة التي تحتاج لهذه الصفات النادرة .
حكي لي صديق و زميل دراسة أجنبي أيام الجامعة خارج السودان و هو صاحب روح مرحة انه كان لا يتحرج أثناء الاكل بمد يده للأكل من طعام أو إناء من بجانبه في السفرة إن كان سودانيا و وراء ذلك حكاية، و حكي لي أنه في أيامه الأولى بالجامعة مد يده مرة و عن طريق الصدفه المحضة و بعفوية داخل طبق جاره السوداني أثناء وجبة الغداء و قال انه قد أحس لحظتها بحرج شديد لدرجة فكر بعدها بالإعتذار و كانت المفاجأة بالنسبة له أن ذلك الزميل السوداني قد دفع بطبقه تجاهه بشكل تلقائي و دون تفكير لدرجة أصبح فيها الإناء أقرب له من صاحبه السوداني بل و إصراره بترحاب و أريحية غالبة على مواصلة الاكل معه دون حرج، حكي صديقي أن ذلك الموقف ظل يشغله لأيام إلى أن حكي تلك الحادثة لأحد بلدياته القدامى الذي قال له أن كل هؤلاء السودانيين طيبين للحد البعيد و دعني اثبت لك ذلك فما رأيك أن نفعل ما فعلته مع ذلك السوداني و بنفس الطريقة مع عدد من السودانيين الآخرين لنرى ما سيحدث وظل يراهنه و يؤكد له بأن المشهد سيتكرر بالصورة التي حدثت له تماماَ و بالفعل عند خوض التجربة قد تكرر المشهد مرات و مرات مع سودانيين أٌخَر بشكل متطابق تماما و لم ينسى صديقي في نهاية الحكاية أن يذكرني بأنه و بروحه المرحة تلك حاول أن يفعل ذلك مع زملاء من جنسيات أخرى حتى من بني جلدته و قد كانت النتائج في غالبها مختلفة تماما و معاكسة تماماً لما فعل السودانيين.
نعم نحن طيبون و لا نقبل الضيم أو الظلم و تلك صفات جيدة و لا خلاف على ذلك و لكن هل فكر أحدنا بأن تتحول تلك الصفات النبيلة وفقا لعلم الإجتماع السياسي إلى مصدر قلق بالنسبة لنا في تعاملنا مع بعضنا البعض و مع الاخرين و تصبح الطيبة و الحماس مدخلاً للإستدراج و الإبتذاذ و معبراً لتخريب حياتناوإستغلال حقوقنا من قبل آخرين على المستويات السياسية و الإقتصادية و الثقافية و الأمنية، و تصبح صفة عدم قبول الظلم مصدراً للمتاعب داخليا و سبباً لمهابتنا و الخوف من الإصطدام بنا أو مواجهتنا خارجيا، و إذا كان الأمر كذلك فهل ما يجب أن نفعله في سبيل البحث عن الإيجابية و التوازن لهذه الصفات هو التخلي عن طيبتنا و الإذعان لقبول الظلم و الضيم حتى لا يتم إبتذاذنا و إستدراجنا أم ماذا نفعل.
… نواصل.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب



مصدر الخبر موقع الانتباهه

Comments
No comments yet, take the initiative.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‏اخبار السودان الان من كل المصادر‏ © 2022