زين العابدين صالح عبد الرحمن يكتب: النخبة الاسلامية و قضايا الديمقراطية و العلمانية


إن التغييرات الكبرى في المجتمعات الإنسانية دائماً قد تحدث خضةً كبيرة في البناء الإجتماعي و القيمي في المجتمع. و التغيير لا يحدث في المجتمع كما قال أغلبية علماء علم الإجتماع إلا إذا توفرت ثلاثة شروط أساسية. أولاً أن تكون هناك نخبة مؤمنة بعملية التغيير و لها مشروع تريد أن تطبقه. ثانياً أن يكون

هناك جزءً في المجتمع داعم لهذا التغيير. ثالثاً أن النخبة التي كانت تتحكم في المجتمع تكون قد فشلت في تحقيق مقاصد المجتمع و تصدع نظامها. و كل هذه الشروط قد توفرت في السودان قبل ثورة ديسمبر، و الغائب هو البرنامج السياسي الذي يحدد معالم الدولة الجديدة. و غياب البرنامج يؤكد أن قيادات

الأحزاب؛ إما أن تكون الثورة قد باغتتهم و لم يكونوا متوقعين أن التغيير سوف يحدث بهذه السرعة،..! أم أنهم لا يملكون مقومات صناعة البرنامج السياسي الذي يجب أن يلتف حوله كل الناس، و بالتالي يصبح التخبط و الإجتهادات المنفردة سيد الموقف، و يحاول البعض فرض شروطه على الآخرين.

قبل سقوط النظام كانت هناك نخبة من الاسلاميين ناقدة لنظام الإنقاذ، و هؤلاء قد كتبوا العديد من المقالات و الدرسات التي تبين الإنحراف الذي حدث في السلطة، لكن بعد الثورة أغلبية هؤلاء قد غابوا عن الساحة الفكرية و السياسية، رغم أن الساحة في أمس الحاجة إليهم و لمجهوداتهم الفكرية، خاصةً أن

الثورة قد كشفت أن المؤسسات السياسية السودانية جميعها تعاني من نقص في النخبة التي تشتغل بالقضايا الفكرية، و هذا النقص لا يخطئه أي مراقب للشأن السياسي، و أن الخلافات و الصراع التي تحدث الآن في الفترة الإنتقالية دون تحقيق شعارات الثورة يرجع لغياب العناصر التي تشتغل بالفكر. و

الإسلاميون فضلوا الجلوس على مقاعد المتفرجين، يطلق عليها البعض الإنحناءة للعاصفة، لكن الإنحناءة و صلت حد الموت، إلا قلة تشتغل في الصحافة تتناوله كإثبات وجود و لا تتناوله من خلال دراسة منهجية نقدية، تؤسس به لمشروع للتغيير. فالأوطان لا تعمر و تنهض بالغياب عن الساحة بل ولوج

الساحة بقوة و فتح العديد من الحوارات الفكرية و تقديم المبادرات الوطنية. رغم أن الاسلاميين أمامهم مهمتين رئيسيتين. الأولى لابد من تقييم و نقد العقود الثلاث التي حكمتها الإنقاذ ،و هي ليست متعلقة فقط بالشأن السياسي لوحده، بل هي ضربت في جذور بالبنية الأخلاقية للمؤسسة السياسية للاسلاميين، و

التي تتخذ من الدين الاسلامية مرجعية حيث إنتشر الفساد بكل أنواعه تحت سمعهم و بصرهم، و مارسته عناصر قيادية في التنظيم، و أيضاً كانت هذه النخبة القابضة على مفاصل الدولة و الثروة رافضة لممارسة الحرية و قلصت المواعين الديمقراطية. هذه كانت قضايا جوهرية للحكم، و يجب تناولها و

الخوض فيها بعقلية جديدة و خطاب جديد، يؤسس على منهج نقدي، بعيداً منهج الهتاف و الشعارات المقدسة التي خانتها العضوية بنفسها.

أن الإنحناءة للريح حد الجمود عملية لا تخدم العمل السياسي، و لا تخدم عملية التحول الديمقراطي في البلاد. و أن منهج السكوت و إعتماد الصمت ليس هو الحل. إن الساحة السياسية تعاني الشح و الضعف في الفكر السياسي. فأغلبية النخب من الإسلامين الذين يشتغلون بالفكر فضلوا الإنزواء و الابتعاد عن

الكتابة و مجادلة الأفكار، أن الفراغ الذي يخلفه فالبعض لابد أن يمتليء بآخرين. و في ظل التحولات يجب على الكل أن يقدموا تصوراتهم و مبادراتهم لكي تكون آداة محركة للحوار الوطني بين كل التيارات الفكرية في المجتمع، معلوم أن هناك بعض القوى تحاول أن توظف الساحة السياسية لمصلحتها، في

إعتقادها أن إبتعاد الآخرين سوف يمنحها السلطة و السطوة، رغم أنها مدركة أن السياسة ليست من الأشياء الثابتة، بل هي في حالة من السيولة و التغير المستمر، تتطلب الحضور المستمر عبر إبراز الرؤى. و هذا الحراك و الحوار الفكري للتيارات المختلفة، و هو أيضاً الذي ينتج الثقافة الديمقراطية التي

تشكل أرضية التحول الديمقراطي، لآن الحوار يوسع دائرة الحرية و يعدد مواعين الديمقراطية، ليس هناك مبرراً أن تبتعد النخبة التي تشتغل بالفكر بل تقبل التحدي و تقدم مبادراتها، فالحرية لا تمنح بل تؤخذ أخذاً، و تجربتهم في الحكم تثبت ذلك حيث أخذت الجماهير حريتها بثمن غالي جداً.

و النخبة الإسلامية ليست وحدها هي الغائبة عن الساحة، و أخذت الصمت منهجاً لها، حتى النخب التي تعتقد أنها تمثل التيار الليبرالي في المجتمع هي تمثل غياباً كاملاً، أن أغلبية الإتحاديين أيضاً أصبحوا يشكلون غياباً كاملاً في الساحة السياسية، رغم أن الظرف يتطلب حضورهم بقوة على الساحة السياسية،

لاسيما أن عملية التحول الديمقراطي تحتاج لدعاة الديمقراطية، و المجموعات الإتحادية المتعددة و كثرة قياداتها لكنها تعاني أيضاً من شح في النخب التي تشتغل بالفكر، لذلك أصبحوا غير قادرين علي صناعة الأحداث، و فشلوا في التعليق عليها من خلال تحليلات سياسية تقدم رؤاهم الفكرية، الأمر الذي أفسح

مجالاً كبيراً لخطاب مليء بالعنصرية و الجهوية، و شعارات الإقصاء و رايات العزل السياسي، و جميعها منهاضة لعملية التحول الديمقراطي، فالفراغات السياسية التي تخلفها العناصر التي تشتغل بالفكر تملأها عناصر ذات قدرات متواضعة، و هؤلاء ليس لهم خاصية البحث و النقيب بل دائماً يميلون للقضايا

الإنصرافية ذات الهياج الذي يعكر الأجواء.

بعد إعلان المباديء الذي وقعه كل من رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، و رئيس الحركة الشعبية شمال عبد العزيز الحلو و أيدته كل قوى اليسار، رغم أنه تأييد ليس مبني على قاعدة فكرية و معرفية توضح فائدة و ضرره في المجتمع و بناء السودان الديمقراطي، أيضاً خرج الاسلاميون

ينقدون الإعلان بذات خطاباتهم السابقة و هي أقرب للشعار منها إلى النقد و التحليل الفكري، الأمر الذي يدلل غياب العقل المفكر. لكن خرجت « حركة تضامن من أجل الديمقراطية» التي يرأسها الأستاذ المحبوب عبد السلام و هو أحد القيادات الإسلامية التي تشتغل بالفكر ببيات تؤيد إعلان المباديء و

تقول «نُرحب بإعلان المباديء بين حكومة الإنتقال والحركة الشعبية شمال».وأكدت الحركة على أنها «تُقدر الجهود المبذولة في التفاوض بين السودانيين من أجل سلام عادل ودائم في وطن حر وديمقراطي ووصفته بأنه خطوة مهمة لوقف الحرب وإقرار السلام، إضافةً إلى أنه «إجتهاد مقدر لتحرير

المفاوضات من مأزق الثنائية العقيمة بين وحدة السودان وشريعة الإسلام». أن موافقة حركة تضامن سوف يخلق تساؤلات عديدة وسط الاسلاميين بإعتبار أن المحبوب عبد السلام نفسه دائماً يثير أسئلة عديدة جدلية و خلافية، و الإختلاف أو التأييد للمحبوب عبد السلام لابد أن ينطلق من تصورات فكرية

بعيداً عن الإجابات السهلة القائمة على سياسة « Like and dislike» التي أصبحت قاعدة في الفقه السياسي السوداني.

أن المحبوب عبد السلام فتح الباب لحوار فكري من خلال طرحه للعديد من الإسئلة في شرحه لتأييد « إعلان المباديء» قال يجب أن نحرر أنفسنا كاسلاميين من مأزق عديدة في السياسة. أولها أن الدولة الحديثة يجب أن تحرر نفسها من الفقه التقليدي الذي أنتج في القرن الرابع الهجري و تؤسس لرؤيتها

الجديدة على منهج جديد. و تسأل هل هناك دولة إسلامية في القرآن أم هي صناعة بشرية؟ و قال أليس من الأفضل أن تحرير المباديء و شعور الناس بأنهم مواطنين بدرجة واحدة قبل جلوسهم على مائدة الحوار لصناعة الدستور؟ أن هذه الأسئلة التي وضعها المحبوب عبد السلام علي مائدة الحوار مع

الاسلاميين، هي أسئلة خارج الصندوق الذي إعتادونه، و هناك من يتفق مع المحبوب و من يختلف معه في طروحته، و لكنها أسئلة تحتاج إلي إعمال الفكر و ليس إعادة الردود الحاضرة المبنية على قناعات ليس لها قواعد، و المقدرة على مواجهة الحجة بالحجة، فالذين يميلون لتقديم ذرائع و إتهامات هؤلاء هم

الذين يصنعون وعياً زائفاً في المجتمع، لكن الحالة تتطلب الغوص في العمق حتى ينتقل العقل السياسي السوداني من الثقافة السطحية إلى ثقافة أكثر عمقاً و درايةً بالواقع و مطلوباته.

في أحدى أطروحات المفكر عبد العزيز حسين الصاوي، و التي كان قد وجهها لنقد الاسلاميين بأن أغلبيتهم من القوى الحديث، و التي درست في أفضل الجامعات إذا كانت في السودان أو في الخارج، و هناك مجموعة كبيرة درست في الغرب، و أيضاً كانوا يمتلكون الثروة و السلطة لكنهم لم يستطيعوا أن

يضعوا معالم لدولة حديثة، و حتى لم يستطعوا أن يقدموا أنموذجاً يدل لحداثة و تعليم تلك النخبة، إذاً هي الأسباب التي أدت لذلك؟ هو نفس التساؤل الذي كان قد طرحه الدكتور التجاني عبد القادر في عدد من سلسلة مقالاته عن « تحالف القبلية و السوق و الأمن « قال فيه « كانت الرؤية الأساسية

لوظيفة التنظيم هي أن يسد الفجوة بين المثال الاسلامى والواقع من جهة، وبين الدولة والمجتمع من جهة أخرى، أي أن يكون مساحة يستولد فيها برنامج اسلامي وطني تنموي يقوم على الطوع والتراضي. ولكن قلبت هذه الرؤية رأساً على عقب حينما استولى الاسلاميون على جهاز الدولة فى منتصف عام

1989م، إذ ما أن أزيحت حكومة الأحزاب وحلت مكانها حكومة الإنقاذ إلا وقد أزيح كذلك التنظيم، فصار من الطبيعي والحالة هذه أن لا يتم الإتصال فى كثير من الأحيان بين حكومة الإنقاذ و فئات المجتمع إلا من خلال أجهزة الأمن، وصارت الملفات السياسية والعسكرية والإقتصادية جميعها تتحول

وبصورة منتظمة إلى الأجهزة الأمنية، مما زاد التوتر بين الحكومة والمجتمع، وهذا خطأ وخطر في ذاته، ولكن الأخطر منه هو أن تلك الظاهرة قد قادت إلى تلاشي الوجود المؤسسي للتنظيم الإسلامى،» فالسؤال الذي أورده دكتور التجاني عبد القادر أين ذهب التنظيم الذي كان يبشر بالبرنامج التنموي و

يقوم على الرضا؟ و أضيف عليهم أسئلة أخرى هل الاسلاميون يمتلكون الجرأة على تقييم التجربة بمنهج نقدي؟ هل الاسلاميون قادرون علي تقديم مبادرات وطنية تصنع دولة الرفاهية و التنمية؟ هل الاسلاميون يقبلون التحدي و يغادرون مقاعد التفرج و يدخلون الساحة بعقليات جديدة؟ أم أنهم لا يستطيعون

تجديد أنفسهم و خطابهم، هي تحديات تحتاج للجرأة و الإقدام بصدور واسعة و أذهان مفتوحة.

كلها أسئلة تحتاج إلى إجابات تؤسس على الرؤية الفكرية، و ليس على دوافع عاطفية لا تستند على مرجعية فكرية. أن طبيعة هذه الأسئلة، و عمقها يجعلها تحتاج إلى دراسة و تمحيص فكري. هل هي التي جعلت أغلبية القيادات تفضل الردود السياسية السريعة القائمة على الحشد و التعبئة دون إعمال العقل؟

هو تحد للنخبة الاسلامية أن تستيقظ من ثباتها و تقبل التحدي الفكري و تواجه المجتمع بالحكمة و صائب الرأي و ليس الإنسحاب من الساحة و الإدعاء بأنه الإنحاءة للعاصفة. نسأل الله حسن البصيرة.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب



مصدر الخبر موقع الانتباهه

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: