افتتاحية (السوداني): حتى نعبُر بالسودان – SUDAN FM




  إنَّ أعظم تحدٍ يُواجه الحكومةَ الجديدة التي شكَّلها رئيس الوزراء د. عبد الله حمدوك منتصفَ الأسبوع الجاري، أن تكتسب صفتَها من اسمها للتحكِّم في إدارةِ الأمور. فخلال النسخة الأولى من حكومة الثورة، فقدت الحكومةُ تلك الصفة في كثيرٍ من المجالات، بل وأيسرها، سواءً أكان بفعل الشريك العسكريِّ الذي لم يُبد تعاونًا ملموسًا، أم عبر […]

افتتاحية (السوداني): حتى نعبُر بالسودان

 
إنَّ أعظم تحدٍ يُواجه الحكومةَ الجديدة التي شكَّلها رئيس الوزراء د. عبد الله حمدوك منتصفَ الأسبوع الجاري، أن تكتسب صفتَها من اسمها للتحكِّم في إدارةِ الأمور. فخلال النسخة الأولى من حكومة الثورة، فقدت الحكومةُ تلك الصفة في كثيرٍ من المجالات، بل وأيسرها، سواءً أكان بفعل الشريك العسكريِّ الذي لم يُبد تعاونًا ملموسًا، أم عبر ما بدا تهاونًا ظاهرًا من قِبل الحكومة المدنيَّة التي تستمدُّ قوتها وشرعيَّتها من الملايين التي جاءت بالثورة؛ فقد شهدنا الفوضى الأمنية تضرِب أرجاءَ البلاد، كما تشهد أجزاءٌ من بلادنا اليوم فوضى السوق، وفوضى الرأي، وحتى فوضى الوسائط الإعلامية، ولم يَعُدِ المواطن يظنُّ أنه تحت حكومة.
سيتبدَّل هذا في حال انتبهت الحكومةُ إلى إعادةِ التنسيقِ المُحكم بين أعضاء فريقها في المقام الأول، وبين وزراتِها ووزرائِها لإعلاء المصلحة العامة، والتحدّث بصوتٍ واحد؛ وإن تعددت الألسُن، وصياغةِ استراتيجيةٍ كما وصفها رئيسُ الوزراء بأنها “مركِّزةٌ على قضايا محدّدة وذات مدى زمني قصير”.
ولأن المهمةَ الأساسيةَ للحكومات تكمُن في قدرتها على الوفاءِ بالتزاماتِ حاجةِ الدولة من السيادة والأمن، وطموحِ الشعب لرفاهية حياة المواطنين، فإنَّ الكثيرَ من الأمور تحتاجُ إلى الإصلاح العاجل، لكن ثمَّةَ قضايا يجب أن تحصُلَ على الأولويةِ، وتسخيرِ الموارد.
تكمُن أول التحدّيات أمام الحكومةِ الجديدة في صياغةِ هيكلٍ جديدٍ للدولة، بعد أن تضعضعَ الهيكلُ الماثل أمامَنا تحت وطأةِ القِدم، إذ أنَّه هيكلٌ موروثٌ منذ عهود قديمة ترجع بعض أصوله إلى أيام المستعمر، كما أعملتْ فيه سنواتُ الحكم الأخيرة يدَ التخريب والتدْمير، ولم يعدْ هيكلُ الحكومة الحالي يلبِّي مستجداتِ الإدارة الحديثة للدولة، ولا حاجاتِ الإنسان، ولا يدعمُ رؤى التطور، بل يعطِّل حركتها، ويتوجَّب على الحكومة أنْ تتجاوز العقليات السابقة التي أبقتْ على هذا الهيكل وكأنه مكتوبٌ بماء الذهب. إنَّ تطورَ الحاجات البشرية وارتباطها بالتقنية ونظمِ الحكومات الإلكترونية، يُلزمنا بمراعاةِ هذا التطوُّر، وتقتضي الحاجة أن تشْرَعَ الحكومةُ في تبنِّي ما يجعلُ أعمالَها متسقةً مع متطلبات وروح العصر، وسرعةَ الأداء وجودتِه، وهي أمورٌ ضروريةٌ جداً في عملية حوكمة الإدارة، وقياسِ الأداء والحصولِ على التقارير والمعلومات الصحيحة التي تساعد في صياغة قرارٍ صائب.
ثاني التحديات يتعلقُ بالخدمة المدنيَّة والموارد البشرية، فقد شهدنا خلال السنوات الماضية ضعفَ ورداءة الخدمة المدنيَّة، وأداء الموظّف السُّوداني، وقلةَ خبرته، وإذ ينعكسُ هذا على سوءِ أداء المهام، ويبخِّس جودتها القيّمة، ويؤثُّر في سلوك التعامل مع طالبي الخدمة، فإنه في ذات الوقت يهلكُ الكثيرَ من الموارد التي كان يجب أن نوفِّرها للكثير من الاحتياجات.
إنَّ قلة الخبرة تؤدي إلى رداءةِ الخدمة، وتؤدي رداءةُ الخدمة إلى إهلاكِ الموارد بشكلٍ مباشر، وتعطِّل مصالح الكثير من الناس، بل وتؤثِّر أيضاً على حياةِ الناس، متى اتصلَ ذلك بأمور الصحةِ والسلامةِ والأمن، لقد أثبتتْ الكثيرُ من الدراساتِ الإداريَّة أن توفير الموارد يبدأ حين يتوفَّر موظفون على درجة ٍعالية من الكفاءة، وهيكلٌ إداريٌّ مترابط.
قد تبدو الكثيرُ من الأمور وكأنها تحتاجُ إلى الإصلاح، وأمام الحكومة مهمةُ بناءَ وطنٍ كاملٍ أقعدته سنواتُ من الفساد المموّل والمًدار، والتخريبُ الممنهج، لكن ذلك ليس صعباً، متى صوَّبنا جهودنا في بناءِ حكومةٍ تتعاملُ مع مهامٍ محدّدة مستمدَّة من استراتيجيَّةٍ مدروسة، في ذات الوقت الذي يمكنِها فيه التعاملُ مع إطفاء الحرائقِ الطارئة، ومتى فعَّلنا اهتمامنا بالكوادرِ البشرية التي ستقودُ هذا البناء، وبذلنا لها التدريبَ العمليَّ الذي يوافق أداء المهام، وسعيَنا في إرساءِ آلية للعمل، وإطارٍ منظَّم ومتفقٍ عليه، وأحكمْنا مواعيدَ بدءِ وتسليمِ في المهام. وفي جانبٍ آخر؛ متى بذلنا الرسائلَ الإعلاميَّة المحفِّزة لشعبنا، أو تلك التي تشرحُ له بكل صدقٍ وشفافيةٍ دواعي اتخاذ القرارات، وما الذي تنوي الحكومةُ فعله، وأيَّ نوعٍ من العقباتِ تواجهه، وماهي الإخفاقاتُ والأخطاءُ التي وقعت فيها.
تُبنى الأوطانُ بسواعد بنيها، وبإيمانِهم الراسخ بأن التحدِّيات لن تنفكَّ تنشأ، لكن العزمَ على تجاوزها سيتضاعف. ليس هناك مستحيلٌ حين يؤمِنُ الناسُ بأنهم يسكنون بلاداً تملكَ المواردَ والعقولَ وكل إمكانيَّات التقدُّم، لكنها وصلت إلى ما وصلت إليه فقط لغيابِ الاجتماعِ على صُنع أهدافٍ واضحة، وزمانٍ محدَّد لإنجازها، إن الإيمانَ الذي يملؤُنا هو أنَّه متى سلَكنْا طريقَ التقدم، سنمضي فيه بأسرعْ مما فعلتْ الكثيرُ من دولِ العالم والمنطقة.



مصدر الخبر موقع صحيفة سوداني

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: