عبد الحفيظ مريود يكتب.. شجن


في النّشيد الكبير للقلب، ثمّة تموّجاتٌ لا يعرفها إلّا المجرّب. مثل تيّار النّهر، الصيّادون العارفون، الرّاكبون الأنهر والبحار، فقط، يعرفون أنَّ هناك شيئاً تحت الموجة هذه، أو تلك. في استدعاء عبد القادر سالم للتراث، هناك أغنية جميلة. بسيطة مثل نسمة لطيفة. “كلما قلت نغني، جروجك ما بخلّني”. أدّاها فيما بعد حسين الصّادق بنكهةٍ شبابيّة، كما فعلتْ معها فهيمة عبد الله. الأغنية مليئة بالانكسار والهزيمة العاطفية. لكنَّ القلب هنا لا يطلب ثأراً، لا يجرّم المحبوب، لا يوجّهُ إليه شيئاً شائناً. يتجاوز الموقف الذي يبدو فيه منكسراً، بسبب انهيار العلاقة، ويشرعُ في تأسيسٍ جديد. فالرّغبة في الغناء أملٌ وطاقةٌ جديدة، يعيقُ تقدّمها الجروح والحسرة – كما وردتْ في المقطع الثاني – وليس ههنا نقداً موجّهاً للمحبوب.

يأسرني دائماً صلاح حاج سعيد، مدَّ الله أيّامه، ومتّعه بالصّحة والعافية. يتسامى بالوجع إلى الدّرجة التي تكادُ تطفرُ دمعة منك، لأنّكَ تستطيعُ أنْ تلمسه. يرجعُ السّمتُ المبجّل لقصيدة صلاح حاج سعيد إلى أنّه مفعمٌ بالقناعة. في أغنيته “الحزن النّبيل” تجدُ شخصاً متصالحاً مع فكرة أنّه – رغمّ الأذى الكبير الذي خلّفه الشّخص/ المحبوب بغيابه، بغضّ النّظر عن الأسباب – متقبّلاً للمصير الخاصّ، الجرح الخاصّ، الذي ينفتحُ فيجعله قادراً على التعامل جماليّاً معه. قادراً على التغنّي به، حتّى ولو كان غناءً حزيناً. وهو عكس تأكيد أغنية عبد القادر سالم المشار إليها، في أنَّ المغنّي لا يستطيعُ أنْ يتجاوز الجراح، تقعدُه عن الغناء. وهو كاذبٌ بالطبع، لأنّه تعامل معها جمالياً، وغنّى. على الرّغم من تأكيده أنَّ الجراح والحسرة منعته الغناء، فيما هو – في الواقع – يفعلُ ذلك، ويتسامى عن تقرير أسباب الوجع والفقد، ولا يلتفتُ إلّا إلى قدرته على التعامُل جماليّاً مع حالته الخاصّة.

يلجأُ الشّيخُ الأكبرُ محيي الدّين بن عربيّ إلى التعامُل جماليّاً مع فقدان نّظام الدّين، محبوبته في مكّة، لأوّل عهد قدومه إليها من المغرب. هذا حبٌّ إنسانيّ، بشريٌّ بطريقةٍ واضحة لا لبس فيها. كتب ديوانه الكبير “تُرجمان الأشواق” في حبّه وفقده لنّظام الدّين. قد يتهيّأ للكثيرين أنّه كتب ذلك في العشق الإلهيّ. ولكنّه كتبه في امرأة. كانت حواراته معها ذكيّة إلى درجة أنَّ الشّيخ العاشق لم يجد ما يشبعُ به نهمها، رغباتها في معرفة “لماذا تريدُ أنْ تتزّوجني؟”. السؤال الذي تلقى به النّساء – عادةً – للاطمئنان إلى أنَّ الشخص يجدها كما تحبُّ أنْ تكون. أنْ ترضي غرورها الأنثوي بأنّها لا شبه أحداً، وأنّ حياة الشخص سيصيبها عطبٌ كبيرٌ إنْ هي غادرتها. لكنّ نظام الدّين تتطلّب إجاباتٍ أكبر من طاقة محيي الدّين بن عربيّ نفسه في الوصول إلى كنه روحها وجوهرها.

الرّقرقة التي يصنعُها الجرح الكبير، لا بدَّ أنْ تترجم جماليّاً. لا يمكنُ التغلّبُ على الأسى الكبير بالانغماس في شئ آخر، لأنّه لا يتيحُ لك فرصة للفكاك منه إلّا بشئ يشبه المحبوب. لذلك يستعيض المبدعون عن الغائب بإعادة بنائه وتركيبه، ومن هنا يأتي تمجيدُ الرّاحلين في قصص الحب. أمّا الهوس بتبخيسه، بالتعريف بخيانته، بعدم استحقاقه لنا، فإنّه لن يعدوَ أنْ يكون تشفّياً، ومكايدة. وليس حبّاً كبيراً يخلّف جرحاً جميلاً.

صحيفة الصيحة



مصدر الخبر موقع النيلين

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: