زين العابدين صالح عبد الرحمن يكتب: لجان المقاومة و صراعات السلطة


كانت الفكرة بعد سقوط الإنقاذ؛ أن تكون لجان للمقاومة في الأحياء، لكي تظل جذوة الثورة متقدة في المجتمع، و تصبح لجان المقاومة هي ضمير الأمة الحي، و تقوم بتتبع و مراقبة مسيرة الثورة و التغيير السياسي و المجتمعي. و كانت الفكرة أن يتم انتخاب لهذه اللجان داخل كل الأحياء في السودان، الهدف من الانتخابات تحقيق أمرين. الأول أن تمثل اللجان القاعدة العريضة في المجتمع و تشارك فيها كل القوى السياسة ذات القاعدة الاجتماعية، و الهدف من المشاركة الواسعة لكي تنجح الفكرة، و تجد القرارات الصادرة منها تأييدا كبيرا في المجتمع. الثاني أن الانتخابات سوف تعد تمرينا ديمقراطيا يجب أن يحافظ الكل عليه. لكن هناك بعض القوى السياسة في ” قوى الحرية و التغيير” رفضت مسألة الانتخابات. و الرفض جاء أيضا لسببين. الأول بعض القوى اعتقدت أن الانتخابات سوف تفتح الباب لعناصر النظام القديم. الثاني رفض لذات السبب، لكنها كانت تبيت النية لكي تستخدام الأسم لتمرير أجندة حزبية. و كان أصحاب الرفض يتخوفون من ذات الشارع الذي يصفونه بالثوري. و ظلت لجان المقاومة تمثل علامة استفهام بعد ما تعثرت خطى الثورة، كما معلوم في الثقافة السياسية أن القوى التي تعتقد أنها قد قبضت مفاصل الدولة لا تريد من يشكل لها إذعاجا، فهي تريد أن تحدد أدواتها بنفسها و تفرض عليها أي نوع من المراقبة التي تقلق مضاجعها.
أشاد الدكتور عبد الله حمدوك رئيس الوزراء لدى لقائه لجان المقاومة بالولاية الشمالية بحضور وألي الولاية الدكتورة أمال محمد عز الدين وأعضاء الحكومة والقيادات السياسية والتنفيذية بالولاية بتجربة لجان المقاومة في حماية الثورة، مشدداً على ضرورة قيام الدولة المدنية الديمقراطية لتحقيق أهداف الثورة المجيدة، و في زيارة رئيس الوزراء لعطبرة التي خرج فيها البعض رافضين الزيارة قالت والية ولاية نهر النيل آمنة المكي أن لجان المقاومة لم تقاطع زيارة رئيس مجلس الوزراء، بل عقد معها اجتماعاً مطولاً، قال فيه رئيس الوزراء “إن لجان المقاومة ستظل الضمير الذي ينبهنا إذا أخطأنا في مسار بناء الدولة المدنية الديمقراطية” أن زيارة رئيس الوزراء تضع سؤالا مهما، كيف يستطيع المرء أن يفرق بين لجان المقاومة باعتبارها تمثل الخط العام لثورة ديسمبر، و بين لجان الأحزاب الحاضنة للحكومة و التي تعطي نفسها ذات الأسم بأنها تمثل لجان المقاومة؟
أن تجربة حكومة حمدوك الأولي و التي لم تستطيع أن تنجز المهام المناط بها، و أيضا فشلت أن توقف عجلة الاقتصاد المتدحرجة و التي تسببت في معاناة 95% من الشعب السوداني الذين وصلوا حد المسغبة، قد جعلت هناك مشادة واسعة داخل الحاضنة السياسية للحكومة، و التي خرجت منها أحزاب و منظمات عديدة بعد ما كانوا فاعلين فيها، و أيضا جمد حزب الأمة نشاطه داخلها، حيث بقيت بعض القوى السياسية، و التي كانت قد أكدت قبل تشكيل الحكومة الثانية، أنها تريد استمرار رئيس الوزراء حمدوك في موقعه، رغم فشل الحكومة في تحقيق مكاسب ملموسة تنعكس علي معاش الناس، أو تحسن في الخدمة. لكن جاءت التذكية لموقف يتعلق بالتوازن السياسي. حيث تعتقد القوى التي بقيت في ” قحت” أن دخول لاعبين جدد ” الجبهة الثورية” المتحالفة مع العسكر قد غيرت توازن القوى في الساحة السياسية، و يجب عليها أن تتمسك بحمدوك في مواجهة الحلف الجديد، فإذا هي فقدت حمدوك ربما يعين رئيس للوزراء خارج دائرة سلطتها، و اعتقدت ان بقاء حمدوك ربما لا يجعل التوازن مختلا بعض الشيء، و أنها تستطيع أن تدير معركتها السياسية باعتبارها الحاضنة للحكومة، بعد ما انسحبت العديد من القوى السياسية من تحالف ” قحت” و اتخذت لجان المقاومة موقف منها، لذلك كان لابد أن تتمسك بحمدوك.
أن الخلاف حول مسألة لجان المقاومة كانت متوقعة لأي متابع للحراك السياسي، و في ظل الصراع بين القوى السياسية التي كان يربطها تحالفا واحدا، و خاصة القوى المكونة لتحالف ” قحت” حيث كل قوى تعتقد إنها تمثل التيار الثوري دون الأخرين، و بعد ما اشتد الخلاف داخل التحالف و بدأت مسيرة المحاصصات منذ الدعوة لتعيين ولاة مدنيين للولايات، فالكل أصبح يجمع عدد من الشباب، أن كان من الحزب، أو استقطاب الرموز الذين كان دورهم بارزا في الثورة، لكي يجعلهم قريبين للحزب باعتبارهم لجان مقاومة، لذلك تصبح هناك العديد من الأسئلة تحتاج إلي إجابة من هم الذين خرجوا علي حمدوك في الكلاكلات و عطبرة و طالبوه بالرجوع دون إكمال الزيارة؟ هل هم الذين استقبلوا حمدوك بشعارات مناهضة له رافضين الزيارة أم هم الذين عقدوا معه اجتماعات في ولايتي نهر النيل و الشمالية؟ أم هم الذين يتهمون بعض القوى السياسية بأنها سرقت الثورة؟
أن هناك العديد من الشباب الصادقين الذين مايزالون يحاولون إرجاع الجميع لمسار الثورة و شعاراتها، و أيضا هناك الذين ابتعدوا بسبب حالة من الإحباط السياسي، و هناك أيضا الذين يمثلون تيارات سياسية و يستلفون الأسم لكي يوظفونه ضد الآخرين، أو محاولات لكي يؤكدوا أن أحزابهم مع شباب الثورة. لكن الحقيقة أن شعارات الثورة لن تجد طريقها إلي الواقع في ظل تغليب الأجندة الحزبية و الشخصية علي الأجندة الوطنية، لذلك لا يستطيع أي يشخص يؤكد أن الذين خرجوا علي حمدوك في زيارته لنهر النيل و الشمالية لا يعتبروا جزءا من لجان المقاومة. و أيضا لا يستطيع شخص أن ينفي أن الذين اجتمعوا مع حمدوك تغلب عليهم الصفة الحزبية. الأمر الذي يبين أن الأغلبية بدأت تمثل مصالح ضيقة. الغائب من المعادلة الوطن.
و في السياسة السودانية تعودت الأحزاب السياسية إذا قطعتها لجان المقاومة أن تعجز أن تملأ القاعة بشباب تسميهم لجان مقاومة، لأن القضية ليس البحث عن الحقيقة بقدر ما هو تحقيق مصالح ضيقة، مادم أصبحت السمة هي المحاصصة، و الكلمة نفسها لا تدل علي البحث عن مطلوبات النجاح بقدر ما تمثل مصالح حزبية يضيقة. و العودة لمسار الثورة يتطلب التعبئة المجتمعية و إقناع الشارع بالخروج مرة أخرى لتعديل المسار و هذا أمر صعب في ظل فقدان الثقة بين الشارع و الحاكمين. لذلك لا يستطيع حمدوك و لا حاضنته من أحزاب ” قحت” أن يؤكدوا أن لجان المقاومة لم تصبح متعددة الهويات. و ولايتي نهر النيل و الشمالية تحت قبضتي تنظيمين سياسيين من التنظيمات القليلة التي بقيت في تحالف ” قحت” أي أن السلطة هناك تمثل أرضية سياسية مرتبطة بسياسة المحاصصة، و حشدها لابد أن يكون داعما لقضية المحاصصة، و هنا تختل المعادلة القديمة التي كان يجب أن تلعبها لجان المقاومة. نسأل الله حسن البصيرة.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب



مصدر الخبر موقع الانتباهه

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: