غياب في دفتر الحكومة وحضور في السوق الأسود.. الجـازولين.. من يشــــعل الأزمـــــــــــة؟؟


تحقيق: أم النصر محمد
لم تكن أزمة الوقود بالسودان حديثة عهد فقد ظهرت في السنوات الأخيرة، ولكنها ازدادت استفحالاً في الفترة الأخيرة، وإن كان هناك شبه انفراج في البنزين رغم الصفوف الطويلة التي اختفت او تقلصت بدخول رمضان الكريم، الا ان أزمة الجازولين تفاقمت لدرجة العدم رغم انه كالهواء الذي يتنفسه المجتمع والدولة في شتى ضروب الحياة، وقديماً غنت الفتيات (البابور جاز خلي اليشتغل الشغل بالجاز) فقد (دخل) على النقل فانعدمت المركبات العامة وأصبحت تعرفتها فوق طاقة المواطن البسيط، وعلى غاز الطبخ فقد اعاد الناس لحياة للعصور البدائية. وتوقفت بعض الافران والطلمبات بانعدامه وانقطاع الامداد الكهربائي لدرجة أن تتحلل الجثث داخل المشارح في قلب العاصمة .
فالجازولين أصبح معضلة حقيقية عجزت مؤسسات الدولة عن حلها، حتى اصبح المواطنون يرابطون بالطلمبات لما يقارب الشهر في انتظار الامبراطور(التانكر).. وزارة الطاقة قيل انها تعكف الآن على دراسة هذه الأزمة وأسبابها وكأن الحكومة لا تعرف او كأنها استيقظت فجأة ووجدت ازمة .
دول الجوار وخاصة الشرقية منها أصبحت هي المستهلك الحقيقي للوقود السوداني خاصة الجازولين، عن طريق التهريب بالطبع، فكم من تانكر شوهد وهو يقطع الفيافي باتجاه الشرق دون ان تعترضه (حكومة) في الطريق، مما يدفع بسؤال ان كانت الحكومة نفسها تقوم ببيع الجاز خارجياً، بينما تلهث مركباتها ومؤسساتها ومزارعها عطشاً خلف الجازولين؟
ورغم ان الجاز يشكل غياباً تاماً في الطلمبات حتى بعد رفع الدعم عنه واقترب سعر الجالون من الألف جنيه، الا انه متوفر بالسوق السود (بالجابس كده)، وقد برع تجار الازمات في ابتكار الطرق التي يمتصون بها دماء المواطنين، حتى ان البعض متهمون بافتعال حوادث بعد بيع جل حمولة التناكر لتضيع معالم الجريمة في مياه النيل بحسب زعم مواطنين علقوا على حادث مشابه، فقالوا: (بكون باع تلاتة ارباع التانكر وتكاهو تكية خفيفة كده عشان يقولوا الجاز انكشح).
وفي استطلاع أجرته (الإنتباهة) تحدث فتحي محمد نور سائق شاحنة فقال: (قبل خمسة أيام كان يقف في طلمبة النحلة بري، وخلال هذه المدة لم يأتِ تنكر فهناك أزمة حادة في الجاز، ولم يبق أمامنا إلا أن نشتري من السوق الأسود، وهذا أفضل من أن نقف سبعة أيام، ولما نسأل مدير الطلبة يقول ما في. ودي ما بلد أعوذ بالله منها).
ويضيف السائق عبد الرحمن انه واقف في طلمبة النحلة بري له أربعة عشر يوماً وفي كل مرة  يقولون الجاز على وشك الوصول ولم يأتِ حتى الآن، ومعظم الذين يقفون بشاحناتهم ذهبوا وبحثوا في محليات الخرطوم المختلفة ولكنهم لم يجدوه، فهو غير موجود في كل مكان .
نزع الحقوق
أما محمد أحمد فيقول: (نحن نبحث عن الجاز لنا ستة عشر يوماً، وطيلة هذه الفترة لم نحظ به ودخلنا في ديون، حيث كنا في البداية بشرق النيل في نوافل وفي نوافل قضينا ثلاثة عشر يوماً، وجئنا للنحلة قبل ثلاثة أيام، وفي نوافل بالرغم من وجود الحافلات والدفارات ولكنهم لا يعبئون إلا لاصحاب الجرارات الكبيرة، حيث هناك جرارات تعبئ بمليار .. المفترض يشيل برميل يوصلو بورتسودان ولكنه يشيل خمسة براميل في آن واحد)!!! ويتابع محمد  قائلاً: (شكونا لدورية (999) كانت واقفة وطلبنا منها التنظيم، ولكنهم رفضوا، وبعد رفضهم ذهبنا للأمن الاقتصادي الساعة الواحدة والنصف صباحاً فقالوا (المشكلة محلولة)، ولكن الجاز جاء وانتهى ولم نزود به). ويضيف زميله محمد عمر قائلاً: (بالإضافة لكلام الزميل انت لو جاي عليك الدور تتوقع انك ما تكب لان التعبئة أصبحت شغالة بقانون (زولي وزولك)، ولا توجد جهة منظمة للطلمبة. وهناك الكثير من المركبات يأتي مع السائق أحد افراد القوات النظامية فور وصول الجاز فيقدموا علينا، ونحن لنا أيام لا نستطيع التفويل، فقد كنت في طلمبة بشاير، ولي خمستاشر يوماً من طلمبة لطلبة ولم أجد، وليس هناك انضباط في الطلمبات، والعساكر الشغالين هم الخاربين الشغل)  .
وأضاف محمد قائلاً: (لجان المقاومة التي تأتي لتنظم عمل الطلمبات (أكعب) من ناس المؤتمر الوطني، وهم بشتغلوا لمصالحهم الشخصية. أما بشاير فلدينا كرت يتم التحويل فيه عشرون ألف جنيه، وبعد تغذيتها لا تجد الجاز وقروشنا مجمدة بعملوا بيها في شنو ماعارفين؟).
ويقول الطيب إدريس: (انا واقف من أربعة صباحاً للبنزين ولم أعبئ حتى الآن، في الطلمبة ثلاثة آلاف جالون وما معروف بصلنا ولا لا. وأيضاً عندي عربية واقفة بسبب الجاز) .
رشوة
يقول (أ. د): (لا توجد رقابة على الطلمبات، فهناك طلمبات تفول فقط للجرارات التي تحمل ستة براميل برشوة عشرة آلاف جنيه، كما أن هناك تواطؤاً من بعض القوات النظامية في مسألة الوقود وسببوا لنا الأزمة. ونحن ما بنعرف نشتكي لمنو وهم عندهم طلمبات خاصة بيهم البجيبن هنا شنو).
موظف طلمبة النحلة يقول: (أزمة الوقود هذه بسبب الحكومة، فقد كان يأتي في السابق عبر الاستيراد الخاص، وهذه الطلمبة قاطعة لها أربعة أيام جاز، والبنزين لا يأتي بنفس الكمية، والآن أصبح برميل الجاز بسبعين ألف جنيه في السوق الأسود، وإذا الحكومة عومت الدولار يجب عليها تعويم الوقود لمحاربة السوق الأسود، وهناك بعض أصحاب المواتر يقومون بالشراء لبيعه في السوق الأسود.(
ويقول موظف بطلمبة بشاير بشرق النيل: (البنزين لا توجد فيه مشكلة هذه الأيام لكن الجاز ليس متوفراً، ونحن هنا نعمل بخدمة الكروت منذ عام 2012م خوفاً من تعرضنا للمخاطر) .
كما كشف موظف بمحطة وقود بأم درمان عن تراجع الامداد للمحطة كثيراً عن الذي كانت تتلقاه المحطة، مما دفع الكثيرين لأخذ حصص زيادة عن حاجتهم خوفاً من فقدانه أو عدمه، ووصف ذلك بالهلع الذي أصبح مستديماً لأصحاب المركبات نتيجة لاستمرارية الأزمة .
جاز المشروعات
ويقول المزارع بالقسم الأوسط محمد عبد الله البدوي: (أزمة الوقود بمشروع الجزيرة أزمة كبيرة جداً، وبدأت من انسياب مياه الري بالترع العادية، مما أضطر المزارعين الى أن يتموا الري عن طريق وابورات الجاز، وهناك أناس وصلوا الى ثلاث وسبع ريات بالجاز، وكانت هنالك معاناة حقيقية في الحصول على الجاز مما يضطرهم لشرائه من السوق الأسود، وهذا زاد عناء المزارع بالإضافة إلى التحضير، وهنالك كثير من الأراضي تأخرت عن التحضير بسبب عدم وجود الجاز. وبعد أن حلت مشكلات التحضير في وقت متأخر كثيراً جاءت السقاية بالطلمبات، مما اعاد الناس للمعاناة مرى أخرى والشراء من السوق الأسود، فوصل سعر البرميل إلى (80) ألف جنيه في السوق الأسود. وعدم وجود الجاز كارثة في عملية الحصاد، بالإضافة لعدم وجود حاصدات لمحصول القمح وهو مربوط بزمن ولديه مواقيت إذا لم يحصد فيها فسوف يتلف تماماً، مما جعل الكثيرين يتضررون جداً من عدم وجود الجاز فهذه مشكلة حقيقية).
ويرى البدوي أن الكارثة الحقيقية هي رفع الدعم عن جاز الزراعة مما افرز أعباءً إضافية على المزارع، ويرى أن يُعفى جاز الزراعة ويصبح مدعوماً كما كان في السابق ويتوفر، بالإضافة لوجود آلية فعالة للمراقبة لتوزيع الجاز في التحضير والحصاد والري لضمان وصوله لمحله الصحيح ويستفيد منه المزارعون مباشرة. ويجب تدارك هذا في العروة الشتوية .
إنتاج نفطي ضعيف
مصدر عليم كشف لـ (الإنتباهة) عن مشكلة بين الحكومة والمستثمر الصيني في مجال انتاج النفط في السودان الذي قل انتاجه من (500) الف برميل في اليوم قبل انفصال الجنوب الى (150) الف برميل في اليوم عقب الانفصال، ثم تراجع بصورة مخيفة الى اقل من (60) الف برميل في اليوم.
ووصلت مشكلات الديون بين الحكومة والشركات الصينية المنتجة الى ابعاد بعيدة، خصوصاً بعد صدور خطاب من وزارة الطاقة من قبل الوزير السابق بخروج الشركات الصينية، وتم إرسال الخطاب للشركة الأم بالصين حيث تم إخطارهم بانتهاء العقد، وان عليهم المغادرة قبل انتهاء السنة، ولكن الجانب الصيني أوضح انه ليست لديهم مشكلة على أن يتم إيفاء ديونهم التي على السودان (مع العلم أن العقد معهم الذي عقد في ظل حكومة النظام السابق لم ينته بعد وينتهي في 2026م)، ونسبة لعدم إيفاء الديون الصينية أرسلت الحكومة خطاب اعتذار للجانب الصيني، وإلى الآن لم يصل رد من الجانب الصيني، الشيء الذي جعل الشركات تعمل بأقل طاقة مما كانت عليه في السابق نسبة لارتفاع تكلفة التشغيل، ولزيادة الإنتاج لا بد من ضخ مبالغ ضخمة، وربما أن الجانب الصيني أصبح غير راغب في هذه المبالغ نسبة لما بدر من الجانب السوداني حول بقائهم .
وهذا الأمر حسب محدثي انعكس على مصفاة الجيلي لأن الخام الذي يأتي اليها أقل مما كان في السابق، بالاضافة لارتفاع تكلفة الصيانة في بعض المواقع.
إجراءات عاجلة
وشرعت لجنة كُونت للتقصي حول أسباب شح الوقود، في تشكيل فرق فنية لمعرفة الاسباب التي أدت إلى عرقلة انسياب الوقود، وخلصت مراجعة المنظومة الرقابية في كل المستويات والتأكد من عمل آليات بالفاعلية المطلوبة .
إقرار بالأزمة
وقد اقر وزير الطاقة والنفط بوجود أزمة حقيقية في توزيع الوقود، وفي إطار الحلول ان تتم مراجعة جميع المنظومة المتعلقة بالتوزيع، وكذلك مراجعة شركات التوزيع. ويقول ان السبب الذي ادى إلى نسف الجهود في الحصول على المحروقات بشق الانفس سواء بالانتاج أو الاستيراد، هو عدم توزيعه بطريقة مناسبة .
ثالوث الأزمة
مدير الإمدادات وتجارة النفط بوزارة الطاقة والنفط المكلف أسامة الغبشاوي قال لـ (الإنتباهة): (ان أزمة الوقود تكمن في ثلاثة عناصر رئيسة هي التمويل ثم الإمداد والتوزيع، وبالنسبة للتمويل نحن كل إمداداتنا تأتي عبر جهتين، إما عن طريق محفظة السلع الإستراتيجية أو الاستيراد الخاص لكل المنتجات، ماعدا منتجات الغاز والفيرنس فهذه تحت رقابة الحكومة والباقي استيراد خاص، وهذا يرتبط ارتباطاً مباشراً بوزارة المالية وبنك السودان المركزي، بالإضافة للإمداد الذي يعتمد على توفير المنتجات من الخارج عبر استيراد البواخر، وهذا من الأسباب التي قد تؤدي إلى التأخير مثل عدم فتح الاعتمادات للبواخر أو عدم وصولها في المواعيد المحددة لها أو بسبب بعض الإجراءات، بالإضافة إلى ذلك عنصر التوزيع للمنتجات الذي تؤثر فيه عدة عوامل منها عدم تشغيل المصفاة بطاقتها التشغيلية الكاملة لفترات طويلة، فالمصفى يغطي 40% من احتياجات البلاد و60% تتم تغطيتها عبر الاستيراد) .
الاستهلاك الفعلي
ويضيف الغبشاوي أن الاستهلاك الفعلي للمنتجات في 2020م كان اجمالي البنزين فيه (1.920.332.2) جنيه، والجاز بلغ (4.510.36.9) جنيهات، والغاز بلغ (528.911.3) جنيهات، اي أن الاستهلاك الفعلي بلغ في مجمله (8.461.789) جنيهاً مقارنة مع الاستهلاك الفعلي المخطط له لعام 2021م والبالغ (11.436.191) جنيهاً بنسبة تقدر بـ 35%، وهذا يعزى إلى الزيادة في منتجات الجاز والفيرنس والغاز التي انخفض استهلاكها بسبب جائحة كورونا .
وأضاف الغبشاوي أن من المشكلات عدم ثبات الدفعيات سواء كانت من وزارة المالية أو بنك لسودان المركزي أو المستوردين، لأنه مرتبط بأنظمة عالمية، وكذلك التعسف في فتح الاعتمادات وهذا يؤثر في الإمداد الداخلي.
حلول
ويرى الغبشاوي أن هنالك حلولاً آنية ومستقبلية، فالحلول الآنية هي الالتزام التام بسداد قيمة فواتير الكميات المستوردة بين الاطراف. أما الحل المستقبلي فهو العمل على توسيع المرابط، إذ أن هنالك مربطاً واحداً للبواخر، والعمل على توسيع مواعين التخزين وخطوط الأنابيب وتفعيل دور السكك الحديدية، إضافة إلى زيادة الانتاج المحلي من الخام .
المحرر:
بعد تجوالنا على العديد من المنشآت ذات الصلة وأخذنا افادات من لهم علاقة بالوقود لاسيما الجاز، يمكن حصر بعض المشكلات التي أدت إلى تكرار هذه الأزمة التي لا تكاد تبرح مكانها وهي :
ضعف التمويل اللازم في مكان الانتاج وتراجع عملية ضخ الأموال في بعض الشركات المستثمرة بسبب تزعزع الثقة بينها وبين الحكومة في الاستمرارية، مما جعلها تعمل بأقل طاقة تشغيلية.
العطل المتكرر لمصفاة الجيلي وعدم وجود الرقابة الحقيقية في مكان التوزيع وإسناد الامر لغير اصحاب الكفاءة.
غياب الدور الرقابي الذي كان يقوم به الأمن الاقتصادي إثر نزع بعض صلاحياته، الأمر الذي قاد إلى الفوضى في محطات الوقود.
انتعاش السوق الأسود حال دون وصول الكمية المطلوبة للمحطات المعنية، بالإضافة للتلاعب بالحصص من قبل بعض موظفي الطلمبات وتواطؤ بعض أفراد القوات النظامية ونزع حقوق بعض المواطنين في الحصول على حقوقهم واعطاؤها لغيرهم ممن يساندهم بعض أصحاب البزات العسكرية واستغلال سلطتهم في غير محلها .
الحلول: إعادة الثقة بين المستثمر والحكومة، وتفعيل الدور الرقابي عبر دائرة الامن الاقتصادي وإعادة صلاحيتهم في ذلك، بالإضافة لتفعيل رقابة المنتج من الحقول مروراً بالمصفاة وعبر الميناء إلى أن يصل توزيعه عبر القنوات الرسمية، ومحاربة السوق الأسود وسن قوانين رادعة وتخصيص طلمبات للأجهزة العسكرية والجرارات الكبيرة.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب



مصدر الخبر موقع الانتباهه

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: