يوسف السندي يكتب العودة إلى الجذور


لم يبدأ مفهوم الدولة في أوربا ولا في أمريكا، بل بدأ هنا في أرض النيل، الإنسان نفسه لم يظهر في أول خلقه في أوربا أو أمريكا أو استراليا بل ظهر هنا في أفريقيا السمراء، أرض النور والتاريخ، ورغم هذا هاهي المنطقة التي انطلق منها الإنسان وانبثقت منها الدولة الأولى تعاني الأمرين في بناء دولتها وفي تطوير انسانها!!! لا يمكن فصل السودان عن منطقة اكتشاف الإنسان الأول في شرق أفريقيا كما لا يمكن فصله عن دولة النيل القديمة أول دولة في التاريخ، هذا تاريخنا ولا يجب أن يهمل أو يكون مجرد قصص، وإنما يجب أن يكون مصدر إلهام لنا لسلوك الطريق الطويل نحو بناء الأمة والدولة.

علماء التاريخ يربطون بين التطور والحاجة، فالحاجة إلى الطعام ألهمت الإنسان الأول الصيد، والحاجة للدفء ألهمته اكتشاف النار، ثم ألهمه ظهور الصحراء والمجاعات وزيادة اعداد البشرية إكتشاف الزراعة، وألهمته الزراعة واستقرارها البحث عن نظام يحمي هذا الاكتشاف فكانت الدولة، لذلك ومنذ ظهورها كانت وظيفة الدولة هي حفظ الأمن ورعاية القوانين وتنظيم حياة الناس، لم يكن دورها الإطعام في المقام الأول وإنما الحماية والتنظيم، ثم تعاقبت القرون والسنين حتى وصلت الدولة اليوم إلى صورتها الراهنة المتنازعة بين شكلين، شكل الدولة المسيطرة على كل شيء (الدولة الدكتاتورية)، والدولة المتخففة من السيطرة والساعية لتكون مجرد منظم للحياة وحافظ للقانون كما كان شكلها في البداية (الدولة المدنية)، وكأنما الأنسان في سعيه نحو الدولة المدنية لم يطور في مفهوم الدولة شيئا يذكر رغم كل هذه السنين بين ظهوره الأول والعصر الحالي.

الصراع حول شكل ومهام الدولة هو الصراع الذي تغرق فيه أفريقيا وتحتل بفعله مؤخرة العالم رغم حقيقة انها منبع الإنسان الأول والدولة الاولى، منذ خروج الاستعمار تقبع أفريقيا في ظلام دامس بفعل هيمنة الدولة المسيطرة (الدكتاتورية) على الحكم فيها، دولة لا تترك للمواطن شيئا، تجرده من كل شيء من حريته في الكلام والتنظيم والانتخاب والمساواة امام القانون، ومن حق اختيار التعليم والثقافة واللغة والدين والفن والأدب، الدولة الدكتاتورية المسيطرة في أفريقيا جردت الإنسان حتى من أمنه وتنازلت عن حق حمايته، ففقدت الدولة بذلك وظائفها ومهامها التي وضعها الآباء الأوائل، وأصبحت بذلك أسوا من دولة الإنسان الأول.

الإنسان الإفريقي الأول الذي لم تكن لديه تجربة ولا سابق عهد بالدولة ولا الأنظمة، الإنسان البدائي ما قبل التاريخي، سعى لبناء تنظيم يخصه من أجل حماية وجوده واستقراره، ونجح في بناء اول دولة في التاريخ على ضفاف نهر النيل، بينما يفشل أبناء النيل والافارقة اليوم بعد كل التجارب حول العالم وكل الخبرات والعبر والعظات عبر التاريخ في بناء دولة مدنية تحميهم وتحفظ وجودهم!!! والبعض مازال يظن أن نزيف الجنينة ومقتل رئيس تشاد وحرب إثيوبيا الداخلية جينات افريقية متوارثة، لم نتوارثها بل اكتسبناها، نحن أفضل من ذلك، فقط نحتاج العودة إلى الجذور، بناء الدولة المدنية كامن في وجودنا، أجدادنا الذين طوروا مفهوم الدولة من العدم مازالوا في جيناتنا، الشعب السوداني الذي فجر ثلاث ثورات ضد الدول الدكتاتورية المسيطرة لاستعادة الدولة المدنية هو سليل الآباء الأوائل، وهو قادر على بناء الدولة المدنية، نعم قادر.

صحيفة السوداني



مصدر الخبر موقع النيلين

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: