محمد عبد الماجد يكتب: الحكومة وعوينة أم صالح


(1)
العمر الافتراضي لكثير من المؤسسات والشبكات والخدمات في الخرطوم او في السودان عامة انتهى منذ اكثر من ربع قرن.
السكة الحديد انهارت لأن الحكومات لم تحدث تطوراً فيها، بل ولم تعرف حتى المحافظة على اصولها . تعمل السكة الحديد الآن بمقومات متهالكة شرب الدهر عليها واكل. السكة الحديد تعمل بمقومات لا تدير عربة كارو. محطات السكة الحديد في السودان الآن ينعق فيها البوم.
مشروع الجزيرة كان يمكن ان يحقق مقولة السودان سلة غذاء العالم – لكن تهالك المشروع حدث بسبب ان المشروع يعمل بمقوماته الاولى. اننا لا نكتفي بالاهمال، وانما نسلب ونسرق حتى الاصول. العالم كله يحدث فيه التطوير بشكل كبير – حدثت في السنوات الاخيرة اكتشافات وإضافات كبيرة في كل المجالات ، ومازال السودان يعمل في كل مشاريعه بعوينة أم صالح. الكهرباء الآن تعمل بأجهزة بالية لم يحدث فيها تجديد منذ عشرات السنوات – شبكات المياه صممت وعملت لتغطية عدد محدد من الناس وليس كل هذا الكم من البشر. الطرق والجسور لم تستوعب بعد التوسع البشري الذي حدث في الخرطوم ، لذلك تعيش الخرطوم في (اختناق) مروري دائم.
الاضافات الوحيدة التى حدثت في العاصمة هي اننا جعلنها ثكنات عسكرية، ترتع فيها الحركات المسلحة.
(2)
الحكومات في كل دول العالم ملزمة بدراسات استراتيجية وأبحاث دائمة لنظرة مستقبلية ولأجيال قادمة. مسؤولية الحكومة ليست مسؤولية (آنية) ، فهي يدخل ضمن رعاياها اجيال قادمة مازالت في رحم الغيب.
دعونا نسأل ماذا قدمت الحكومات السودانية المتعاقبة للأجيال القادمة؟ – اننا حتى وقتنا هذا نعيش بفضل اسس ومؤسسات خلفها الاستعمار. يجب ان نترك للأجيال القادمة وطن (حدادي مدادي) يسع الجميع وتتوفر فيه مقومات الحياة بشكل محترم وتكنولوجي متقدم. العمل للأجيال القادمة هو عمل لأطفالنا ولنسلنا الذي نسأل جميعاً في ان نورثهم وطناً متماسكاً ومتكاملاً، خاصة ان السودان يمتلك المقومات والإمكانيات التي تجعله شامخاً و(عاتياً) كما يقول محجوب شريف.
مسؤولية الحكومة ليست توفير الخبز فقط، هناك قضايا اهم من ذلك فليس بالخبز وحده يحيا الانسان.
الحكومة تصرف طاقتها وجهدها وكل امكانياتها في خدمات (افتراضية) ، (اساسية) و (تلقائية) يجب ان لا تشكل هماً للحكومة او هاجساً. حكومتنا الآن تصارع وتقاتل من اجل توفير الغاز والبنزين حكوماتنا تحسب ان استمرار التيار الكهربائي واستقراره انجازاً لها.
حتى تفكيرهم اصبح في حدود (رزق اليوم باليوم).
(3)
الذي يجب ان تسأل منه الحكومة الآن وهو مسؤولية تاريخية تقع على عاتقها وبسببها يمكن ان تورث الحكومة الاجيال القادمة وطناً مشلولاً ومأزوماً هو ما هي الحلول المستقبلية التي وضعتها لحل ازمات دائمة ومستمرة وزائدة مثل (الاختناق المروري) والشوارع المتكدسة والجسور القليلة.
يفترض ان يكون هناك تفكير وحلول لعاصمة نموذجية ومخططة لا تعاني في الشبكات المرورية وشبكات المياه والتصريف الصحي وغيرها من الخدمات.
الخرطوم الآن تعيش في بركة تصريف صحي – كثيراً ما تختلط مياه الشرب مع مياه الصرف الصحفي، وكثيراً ما يحدث انفجار في شبكة المياه فيختلط الحابل بالنابل.
ما هو تخطيط الحكومة لمعالجة الانفجار السكاني الذي تعاني منه الخرطوم. الحياة في وسط الخرطوم اصبحت لا تطاق – بل الحياة لا تطاق حتى في اطراف العاصمة بسبب الزحام والاختناق المروري. نصف وقتك يهدر بسبب الاختناق المروري الذي تعيش فيه الخرطوم.
لا نرى أي دراسات او خطط معنية بفك ذلك الاختناق وتشييد الجسور الطائرة والطرق الرئيسية والفرعية.
كل هذا الحمل مع الكم الرهيب من السيارات التي دخلت الخرطوم حديثاً ببوكو حرام او بغيرها تعمل في نفس الطرق والجسور التي شيدت قبل عشرات السنوات والتي كانت تحتمل سيارات وكثافة سكانية محددة.
يفترض ان يكون هناك تخطيط واستراتيجيات لمثل هذه الازمات (الآنية) والتي تتضاعف يوماً بعد يوم.
في كل العواصم حتى في دول افقر منا كثيراً بدأ العمل او التفكير في نقل العاصمة وفي تشييد طرق دائرية وجسور طائرة تقلل مثل هذه الاختناقات.
ما الذي تفعله الحكومة الانتقالية الآن – لا ارى غير (الضجيج)، رغم ان الحكومة الانتقالية امامها فرصة تاريخية بسبب الانفتاح الخارجي مع الروح الثورية التي انتابت كل ابناء الشعب السوداني.
يجب استقلال هذه العوامل والإمكانيات في تشييد الطرق والجسور والشبكات الخدمية والأنفاق والمترو.
لماذا لا يبدأ التفكير والتخطيط والعمل من اجل ربط العاصمة القومية بشبكة محطات المترو؟ كل الدول والمنظمات العالمية والشركات الضخمة سوف تكون حاضرة في هذه العطاءات. لا نريد منحاً ولا نريد (فتافيت) تتمثل في صرف منح او دعم – نريد ان يتم بناء هذا الوطن. الكل سوف تعود عليه مكاسب ذلك – لا تتسابقوا نحو المنظمات والدول من اجل منح للخبز والبنزين والكهرباء والتطعيم ضد كورونا. كورونا اقضوا عليها بالقضاء على هذا الزحام. السودان قادر على ان يكفي اهله من كل هذه الاحتياجات ، اذا وجد الحكومة الواعية والراعية والتي تبني وتعمل وتنظر للمستقبل. إن لم يكن لنا نصيب من الطيبات والراحة في هذا الوطن فاعملوا من اجل ان يكون للأجيال القادمة – لأطفالكم نصيب من الراحة والهناء والحياة الكريمة. لا تفكروا في انفسكم … عليكم بالتفكير في القادم – فكروا لأجيال قادمة ما زالت في رحم الغيب.. اتركوا لها وطناً قوياً وراسخاً، بدلاً من بان تتركوا لها وطناً ممزقاً يعاني من كل شيء. وطن كله حركات مسلحة!!
(4)
بغم /
شاهدت صوراً ومناظر للخرطوم في الستينيات والخرطوم تبدو مثل (العروس) في الجمال والرقي والنظافة …فقلت ان كل الدول تمضى الى الامام .. إلّا نحن نمضي للخلف.
لم نستفد من التقدم والثورة التي حدثت في التكنولوجيا والاتصالات – فقد كانت وبالاً علينا.
لم نعرف حتى ان نحافظ على ما نملك … مضينا نحو الهواية بصورة غير مسبوقة.

صحيفة الانتباهة



مصدر الخبر موقع النيلين

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: