حينما أشرفت على برنامج للبروفيسور عبد الله الطيب!!




ركن نقاش

عيسى إبراهيم

حينما أشرفت على برنامج للبروفيسور عبد الله الطيب!!

 

احتفلت الإذاعة السودانية يوم الثالث عشر من فبراير الماضي بيوم الإذاعة الذي أعلنته الأمم المتحدة يوماً للاحتفاء والاحتفال بالإذاعات عبر العالم الأثيري تحت شعار «إذاعة جديدة لعالم جديد» وشاركت قناة السودان الدولية أختها الاذاعة في يوم عيدها وعلى الهواء مباشرة، وتمت إعادتنا لتلك الأيام التي التحقنا فيها (مجموعة من الخريجين في يناير 1972) بالإذاعة وكان يديرها الاذاعي اللامع القدير محمد خوجلي صالحين (يرحمه الله)، وكانت الادارة قد أعدّت لنا برنامجاً تعريفياً شاملا عن الاذاعة؛ تقانات ومهارات وكان على رأس المحاضرين المهندس محمد عثمان (يرحمه الله) كبير مهندسي الاذاعة الذي علمنا الكثير عن موجات الاذاعة ومهام وتقنيات تحويل الصوت إلى موجات كهرومغنطيسية يرجعها جهاز الراديو إلى أصوات ومؤثرات سمعية، وزرنا معه مركز الارسال الاذاعي بسوبا وخبرّنا عن أنواع المايكرفونات «الكارديود والبريشر والريبون»، وتولى عبقري الاذاعة يس حسن معني (له الرحمة والمغفرة) اخبارنا بالتفصيل عن مجتمع الاذاعة وكان دليلنا الناصع على التعرف بذلك المجتمع ووجدنا كل كلمة قالها عن ذلك المجتمع ماثلة أمامنا، من أبناء الدفعة المذيع أحمد عبد المجيد الذي زاملني في كلية دار العلوم جامعة القاهرة الأم، والعزيز الشاعر (صاحب ديوان أبو التي تي– صدى الصوت) الأستاذ محمد سعيد دفع الله (حتى الطيف رحل خلَّاني ما طيَّب لي خاتر) الذي زاملته في القسم الثقافي بالاذاعة، ومن طرائفه أنه كان يسرح كثيراً وفجأة يقفز من كرسيه و”ياخد لو نقزه نقزتين وصفقة صفقتين” ثم يرجع إلى كرسيه وصمته العبقري!!..

عدد لقمان مدير الاذاعة والتلفزيون القومي أنهم بصدد تجديد المباني والأواني والمعاني للاذاعة والتلفزيون لتواكب التقدم العمراني والتقني وتهيئة البيئة لمزيد من الأداء والابداع، وقال ستكون هناك استديوهات لعباقرة الاذاعة أمثال صالحين، واضيف عبقريات الاذاعة من أمثال المذيعة (المرحومة) صفاء حِرِّك وغيرها كثيرات ماجدات وماجدين، تحدث دكتور صلاح الدين الفاضل عن الرؤية بالاذن من خلال الاذاعة “والأذن تعشق قبل العين أحيانا”، تحدث لقمان عن علاقته بالاذاعة وهو في طفولته الباكرة بجبل مرة وكان يستمع الى الاذاعة من الراديو ويذهب خلفه باحثاً عن ذلك المتكلم!!..

مشرف على برنامج عبد الله الطيب “من تراث العرب”:

كان المشرف الأساسي على تسجيلات البروفيسور عبد الله الطيب هو الأستاذ “الحاج” (لم تسعفني الذاكرة للحصول على باقي الاسم)، ولظروف له كلفت بالاشراف على برنامج البروف عبد الله الطيِّب (طيَّب الله ثراه ونفعنا بجاهه) “من تراث العرب”، وتنحصر مهمة المشرف على البرنامج أن يتصل بمكتبة الاذاعة ليحصل على شعار البرنامج المسجَّل والشريط المناسب للحلقة حسب مدتها الزمانية، وللاذاعة في ذلك الزمان– في مكتبتها– أربعة أنواع للاشرطة من حيث الحجم؛ الشريط “س” ويرمز لساعة تسجيلية، والشريط “ن” ويشير إلى نصف ساعة، والشريط “ر” ويشير إلى ربع ساعة، وأخيراً الشريط “ص” ويعني دقائق أقل من ربع الساعة، حملت الشريط المناسب لتسجيل الحلقة وشعار الحلقة و”عِدِلْ” إلى الاستديو المقرر للتسجيل، وفي انتظار وصول البروف العالم الفذ، ووجدت الفني الذي يتولى التسجيل، وفنيو الاذاعة “عالم قائم بذاته” كما علمنا الأستاذ يس معني، الفنيون لهم طرائفهم وامكاناتهم المقدرة في التسجيل واعادة التسجيل إذا احتاج لارجاع “الريل” لإعادة التسجيل مفاداة لخطأ أو غيره من المستدركات، ومن طرائفهم قول أحدهم: “إنني أستطيع أن أحذف النقطة!”، أستديوهات الاذاعة مجهزة بطريقة تمنع الصدى وهي مصممة بطريقة فنية خاصة تخرج معدن الصوت الحقيقي بلا ضوضاء أو تشويش، جاء البروف القامة وبعد التحية والسلام والمجاملات دلف إلى داخل الاستديو لتلقي الاشارة ببداية التسجيل؛ مهمتي الأساسية المتابعة وإرجاع الموقف لاعادة التسجيل في حالة تحتاج لاستدراك، البروف كان يرتجل الحديث من الذاكرة مباشرة ولا يقرأ من ورقة قط، أعطيت الاشارة لبداية التسجيل وتدفق العالم في السرد ومتابعة ما يريد قوله، شدتني الحلقة واستغرقت في المتابعة حتى وصل دكتور عبدالله الطيِّب إلى نهاية حلقته في سلاسة منقطعة النظير ورشاقة الكلمات، وفي نهاية الحلقة ختمها قائلاً: “وإلى حلقة ماضية آآآآ حلقة قادمة بإذن الله وكل شيئٍ ماض”، تحيَّرت وارتبكت ولكنني مررت الحلقة كما هي لبراعة استدراكه وقدرته الفائقة على الفطانة وحسن ختامه، خرج البروف مغادراً وكنت قد استمعت إليه يقول عن أمرٍ ما أنه “باطلٌ حنبريت” فقررت أن أسأله ليشرح لي كلمة “حنبريت”، فتقدمت إليه متسائلاً عن معنى الكلمة فقال لي: “معناها باطلٌ مطلق البطلان”، لك الله يا حبيبنا عبد الله الطيب يا ابن دامر المجذوب!..

ذكر مرة عن حدسه أنه كان يسير في مكانٍ ما خارج السودان في شارع لمدينة ما ذكرها ونسيتها، قال إنه صرخ فجأة وجلس على الأرض، وحفظ تلك اللحظة، وحينما علم لحظتها أنها كانت لانتقال أحد أقربائه حيث غيبه الموت!!..

عبد الله الطيب وقصيدته “قد شجاني مصابه محمود”:

قد شجاني مصابه محمود

مارقٌ قيل وهو عندي شهيد

وطنيٌ مجاهدٌ وأديبٌ

منشئٌ في بيانه تجويدُ

وجريئٌ وشخصه جذابٌ

ولدى الجدِّ فالشجاع النجيد

ذاق سجن المستعمرين قديما

ومضت في الكفاح منه العهودُ

[email protected]



مصدر الخبر موقع صحيفة التغيير

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: