يوسف السندي يكتب حمدوك في القيادة العامة، زيارة ام انقلاب


زيارة رئيس مجلس الوزراء للقيادة العامة ذات دلالات متعددة، وتحمل رسائل مبطنة كثيرة قد لا يراها الكثيرون، وأكثر الدلالات ظهورا لهذه الزيارة هو ما لخصته جملة ذكرها رئيس الوزراء في تصريحه المنشور على صفحته الرسمية بالفيسبوك، حيث قال: ( إن من أهم متطلبات الفترة الانتقالية والبناء الديموقراطي هو بناء جيش مهني قومي محترف يفخر به السودانيين والسودانيات، وفي ذلك الاتجاه فإن زيارتي اليوم للقيادة العامة للقوات المسلحة هي فاتحة لحوار وطني مهم لتطوير هذه المؤسسة)، هذه الجملة فتحت الباب لمناقشة ملفين بالغي الخطورة، بل هما من بين أخطر الملفات التي تواجهها الفترة الانتقالية وهما: ملف بناء جيش (مهني) بعيد عن السياسة، وملف اشراك المدنيين مع العسكريين في الحوار حول (تطوير المؤسسة العسكرية).

هذه الزيارة هي الزيارة الأولى لرئيس الوزراء للقيادة العامة التي شهدت أسوا مذبحة في البلاد بعد سقوط البشير وهي مذبحة فض إعتصام القيادة العامة والتي لم ينتهي التحقيق فيها بعد، وفي هذا دلالات كثيرة، وإذا قرأنا ذلك مع مجيء هذه الزيارة بعد ايام قلائل فقط من حادثة الهتافات ضد رئيس الوزراء في عطبرة، فقد تحمل هذه الزيارة دلالات عميقة وجديدة كلية عن مشهد السياسة في الفترة الماضية منذ تقلد حمدوك منصب رئيس الوزراء، وهو ما قد يفتح الباب للحديث عن تحالف جديد في الساحة هو (تحالف البرهان- حمدوك) وهو تحرك ضخم وانقلاب سياسي في المواقف قد يعيد ترتيب الساحة برمتها.

البرهان وحمدوك يجلسان على رأس المؤسستين الأرفع في البلاد ( المجلس السيادي ومجلس الوزراء)، كما إنهما يحملان رؤية مشتركة في كثير من القضايا والملفات التي تواجهها الفترة الانتقالية، مثل ملف السلام مع الحلو ( إعلان حمدوك-الحلو) (إعلان البرهان- الحلو)، وملف الدين والدولة، إضافة إلى اشتراكهما في الرؤيا الدولية التي تتعلق بإعادة السودان إلى المجتمع الدولي بدون مراعاة للخطوط الحمراء التاريخية مثل قضية التطبيع ومثل حضور البعثات الأممية للسودان والاستعانة بالبنك الدولي، وكلها ملفات بالغة الخطورة لم تقتحمها من قبل الحكومات الانتقالية ولا الديمقراطية في تاريخ السودان بالشكل الذي اقتحمتها بها حكومة الفترة الانتقالية الراهنة بقيادة البرهان وحمدوك. مما يجعل الطرفين شركاء في هذه الاختراقات غير المسبوقة، شركاء في قطف النجاح اذا نجحت الاختراقات وشركاء في الفشل اذا فشلت.

زيارة القيادة العامة ولقاء البرهان حمدوك كذلك ربما يرسل رسائل في اتجاهات أخرى، وأولها لقوى الحرية والتغيير وحزب الأمة القومي شركاءهما في السلطة الانتقالية، ففي حين تتطابق رؤي البرهان وحمدوك في معظم الملفات إلا ان مواقف قحت وحزب الأمة مختلفة معهما في عدد من الملفات، حيث رفض حزب الأمة وحزب البعث بصورة جادة وواضحة اي اتجاه لإقامة علاقات مع إسرائيل، هذا بجانب رفض حزب الأمة وأطراف أخرى التوجهات نحو فصل الدين عن الدولة، هذا بخلاف رفض عدد من قوى الحرية والتغيير للسياسة الاقتصادية للحكومة والمعتمدة على سياسات البنك الدولي، هذه التباينات داخل الشركاء والتململ الذي بدأ يظهر من بعض القوى السياسية والشارع من اداء الحكومة التنفيذية ربما عجل بهذه الزيارة التي جعلت حمدوك يدوس لأول مرة على الأرض التي سقط فيها شهداء فض الاعتصام.

الزيارة ايضا ربما تحمل رسائل خارجية بالتقارب الكامل بين قيادتي السلطة التنفيذية والسيادية ووقوف الجيش من خلفهما، وهي تطمينات مهمة لمحاور اقليمية وشركاء خاريجيين مهمين مثل أمريكا واسرائيل واوربا، وهو ما قد يغري هذه القوى العالمية بدعم هذا التحالف اذا تبلور بشكل أكثر وضوحا في المستقبل. كما أن الزيارة تعتبر كذلك رسالة في بريد جهتان تراقبان المشهد السياسي، الاولى الإسلاميين والجماعات الإسلامية التي مازالت تتعشم في العسكر، والشيوعيين الذين مازالوا ينتظرون حدوث مفاصلة بين العسكر والمدنيين، وفحوى الرسالة يغلق الباب امام الجهتين بعدم وجود أي فرصة للتكهن بحدوث مفاصلة أو انقلاب بين الطرفين (البرهان وحمدوك).

هل تصدق التحليلات ويتبلور تحالف البرهان حمدوك بصورة أوضح في الفترة القادمة، ونرى تطابقا في الرؤية بينهما عند اجازة قوانين جهاز الامن وتعيين الولاة والترتيبات الأمنية والمفوضيات والسلام والانتخابات، مما يجعله تحالفا مهيمنا على الساحة بصورة تجعل الأحزاب السياسية المشاركة معهما في السلطة كالكومبارس، أم أن الأمر مجرد زيارة عادية كغيرها من زيارات رئيس الوزراء للمؤسسات تنتهي بانتهاء مراسم الوداع، هذا ما ستسفر عنه الأيام القادمات، والأيام حبلى بكل جديد.

صحيفة السوداني



مصدر الخبر موقع النيلين

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: