مع والي الخرطوم.. حبيبتي الموية..


# في الثامن من فبراير من العام 2020 كتبت رسالة مفتوحة للسيد والي الخرطوم، سعادة الفريق أحمد عابدون حماد، وقتها كان الأفق يمتلئ ببعض الرعود والبروق التي اعتادت أن تخيب ظننا فيها.. قبل أن تتسابق الأيام، وننسى تماماً ما قاله الشاعر الكبير “عبد القادر الكتيابي” ذات عشم في “تلك الشهرزاد” التي ذهبت مع رحيق الذكريات: “وقرأت في الكتب القديمة.. أن يوماً بعد آلاف السنين.. ستطل آخر شهرزاد وتحل في البلد الأمين.. خريفه يسخو وتمتلئ الضروع.. ونواعم الأيام من ذهبت، تبادر بالرجوع..”.. ولكن..
# جاء في خطابي المفتوح للسيد الوالي: “خبر من الأخبار التي لم تلفت انتباه أحد، يقول إن والي الخرطوم، سعادة الفريق الركن أحمد عابدون حماد، التقى بشركة أجنبية لبداية تفاهمات، تقضي بإنارة العاصمة الخرطوم بالطاقة الشمسية.. جميل أن الخبر لم يلفت الانتباه لأنه واحد من الأخبار التي يتلقاها المتلقي على مخدات التعب فيتجاهلها من موقع مسؤوليته تجاه نفسه التي أضناها اللهاث، لم يعد المواطن في حاجة لمثل هذه الأخبار المترفة، طالما أنه في حالة تلبس واستغراق في مناقشة تلك المطالب الحياتية العادية التي لا تتعدى حقه في الغذاء والدواء والتعليم والبيئة النظيفة.. البيئة النظيفة هي مطلب نقاشنا الآني مع السيد الوالي، مواطن الخرطوم لا يريد الكهرباء المنتجة بالطاقة الشمسية في الوقت الحالي… بعد أن تماهى تماماً مع العاصمة الوحيدة في العالم التي تغرق في الظلام الدامس.. وتعيش صراعاً مربكاً بين المحليات وإدارة الكهرباء في مستحقات إنارة الشوارع، ولكنه يريد، أي المواطن، تلك الخرطوم التي كانت نظيفة ويقال عنها في الأرشيف والتاريخ إن شوارعها تغسل بالديتول، نحن ندعوك يا سيدي الوالي لزيارة قصيرة، وأنت ابن الخرطوم، لتلك البقعة الواقعة بين الخرطوم اتنين وثلاثة وحتى شارع الحرية.. لتشاهد بأم عينيك ما يجري في منطقة تقاطع الإمدادات وما تحت الكوبري الطائر، ستدهشك أكوام القمامة التي تجاور القسم الأوسط.. وتستمع لأولئك السمر الذين يلتحفون أوراق الجرائد ويصنعون لهم عاصمة عشوائية على طريقتهم، هذا في قلب العاصمة التي “فلق” النظام السابق رؤوسنا بحضاريتها، وهي ليست كذلك.. إن كان هذا هو شأن الخرطوم المحلية بأحيائها التي نطلق عليها استعلاءً الأحياء الراقية.. فماهو حال الأطراف المترامية في دردوق وكرتون مستر جون والوالي دقس في بقية المحليات التي يجلس عليها معتمدون لا يستطيعون أن يحركوا طوبة من مكانها.. وليس لهم أدنى فكرة خلاقة عن الخلاص والإنجاز لأن خزائنهم خاوية.. ونفسُهم قصير في ظل هذه المرحلة الحساسة والمقيدة بمحدودية التكليف.. وصلت الخرطوم إلى مرحلة صعبة من التدهور البيئي الذي يحتاج لوقفة جادة تتجاوز تلك الدعوات المجتمعية التي تراهن على دور المواطن في إقامة “نفرة شو” لإزالة الأوساخ، لأن إزالتها في عرف مواطن اليوم أصعب كثيراً من إزالة رصيف الشارع لإقامة المتاريس.. يتبدى غياب الدولة بشكل واضح في هذه الجزئية، وبالكاد تحس بوجود الحكومة في حركة بعض المركبات الهلكانة المتناثرة هنا وهناك؛ وهي تنقل النفايات، وتؤدي عملها بانتقائية تشبه تلك الانتقائية التي كانت تمارسها الحكومة السابقة؛ حيث تنشط في مشروع نظافة الشارع الذي سيعبر به الرئيس أو المسؤول الزائر للبلاد، حتى يحس الرئيس أو الزائر بأن الخرطوم هي ذاتها، تلك السمراء التي تغنى بها ولها الراحل سيد خليفة “يا الخرطوم يا العندي جمالك جنة رضوان.. وانا عمري ما شفت مثالك في كل مكان”.. لم تعد هذه المعزوفة صالحة لهذا الزمان، للأسف الشديد، ولم تعد الخرطوم بذلك الألق والضياء الذي يضعها في مرتبة واحدة مع العواصم البيضاء التي يمكن لأي عصفور عابر أن يشرب منها لو شاء.”.
# انتهى خطابي إلى السيد الوالي، الفريق أحمد عابدون الذي ذهب هو الآخر إلى النسيان بعد أن مثل الكاكي، وجاء السيد “ايمن خالد نمر” في زمن الدولة المدنية فوصلت العاصمة القومية في عهده إلى مرحلة متأخرة من العطش الكامل، الأمر الذي يجبر المواطن على مواصلة الصيام لمدة 24 ساعة مكرها لا بطل، هذا هو حكم الراهن في الخرطوم التي فشلت حكومتها في توفير المياه، ويجري فيها أطول انهار العالم، عدنا إلى حمل الماء على ظهور الدواب، وحكومتنا الرشيدة “تدلعنا” وتغرينا بمياه “التناكر”.. ما الذي يمكن أن “يبادر بالرجوع” يا سيدي “عبد القادر الكتيابي” غير البؤس والشقاء و”راحة البال المافي”.. لن نحلم ب”نواعم الايام”.. ولا ب”حدوتة” أن في فمي ماء”.

صحيفة اليوم التالي



مصدر الخبر موقع النيلين

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: