ونسة رمضانية .. انت حزبك شنو ؟


اذكر في العام ٢٠٠٧ كنت في ميناء ممباسا بكينيا لتخليص سيارة . إجراءات الجمارك أخذت فترة طويلة ، وأكثر ما يضايقني من الاسفار و الترحال في تلك الأيام هو انعدام الصحف السودانية .
فقد افسدني الوالد بإدمان قراءة الصحف في سن مبكرة من طفولتي . كنت نديمه في قراءتها مع كوب الشاي بعد صلاة العصر ..
عندما غادرته و استقبلت الحياة أصبحت مدمنا لقراءة الصحف …
الانترنت غالي جدا في تلك الفترة ، فقيمة ساعة التصفح في مقاهي ممباسا تساوي نصف قيمة الإقامة في الفندق زي النجمتين الذي نزلنا فيه مع رفيقي اليوغندي و ما ادراك بقيمة فندق في ديار يسترزق أهلها من الاجانب ، حبيب هو السائق الذي اصطحبني إلى هناك …
لذا كنت اتحايل على ارتفاع قيمة التصفح بطباعة صفحات الصحف التي تهمني لقراءتها لاحقا في الفندق و ما شجعني للأمر هو زهد قيمة الطباعة مقارنة بالتصفح .
لكن أصبح الأمر شاقا لأن أجهزة الحاسوب في تلك المقاهي لا تدعم اللغة العربية في تلك الفترة . فكانت كلمات السطر تكون معكوسة من اليسار لليمين كالانجليزية تماما في حالة الطباعة ، مع عدم ترابط الحروف بعضها ببعض . مثلا جملة : ( رئيس مجلس الوزراء ) تظهر بعد الطباعة من اليسار إلى اليمين بحروف متفرقة هكذا :
( ءارزول أ س ل ج م س ي ئ ر)
كنت إمام امرين أما أن انفق مزيد من المال (الذي قارب على النفاذ بسبب طول زمن الاجراءات) للتصفح، و اما توفير المال بطباعة الصفحات بهذه الطريقة و تصويبها لاحقا في الفندق . اخترت الخيار الثاني ، فكنت انكب على الورق بعد صلاة العشاء أصحح الصفحات و اكتبها بصورة سليمة في خلفية الصفحة ، ثم اقرأها صباحا ، لأنني اكمل المهمة بعد فترة تتجاوز الأربعة ساعات .
في الحقيقة بعد أن كان الأمر شاقا، أصبحت استمتع به غاية المتعة فزدت في عدد الصفحات التي اطبعها ، و هذا الأمر اغلق عندي باب الفراغ الذي يتحتم قضاءه في بعض الكافيهات أو المنتزهات أو المراقص، على كل يجب الخروج من الفندق لفعل شئ . لذا انشغلت بمهمة الصحف ، لكن بالمقابل أصبح رفيقي اليوغندي حبيب ضجرا من انشغالي ب (الكلام الفارغ) كما كان يسمي اهتمامي المبالغ في تصفح الصحف و معرفة أخبار السودان ، لأن عدم خروجي لا يمكنه من التجوال وحيدا ، فالأمر يرتبط بالمال في بلد يعتمد أهلها في ارزاقهم على الاجانب ، و كنت قد حددت له مبلغا لمهمة قيادة السيارة من ممباسا إلى جوبا ، بالإضافة لمصاريف الإقامة و الإعاشة، و كل صرف خارج هذين البندين يكون خصما من مبلغ الاتفاق . وهذا لا يروق له .
على كل قضيت أكثر من عشرة أيام و انا اتصفح الصحف بهذه الطريقة الشاقة .
الشاهد في هذه الفذلكة هو اهتمامي الباكر بالصحافة و إدماني لها و حرصي عليه مهما شق الامر .فانعدام الكهرباء لم يمنعني عنها في جوبا ، فاتصفحها ليلا و الناس نيام على ضوء الشموع التي اثبتها في أطراف السرير خلف موضع راسي يمينا و يسارا …
متابعة الصحافة خلال أكثر من ثلاث عقود، والاطلاع الواسع على الكتب و مذكرات السياسين مكنتني أن اقرأ الساحة السياسية في البلاد بعمق ، و تكونت لدي رؤية تخصني حول أزمة الحكم و عدم الاستقرار الذي نعيشه منذ الاستقلال . و بما أن سياساتنا و ازماتنا مكررة بالكربون فمن السهولة قراءة و تحليل مآلات الامور ، فعنمدما نتبع نفس الطريقة لحل مشكلة ما ، فبالتأكيد سنتحصل على نفس النتيجة ، فيمكننا قراءة مآلات الامور في حادثة ما ، بقراءة ما حصل قبل خمسين أو ثلاثين عاما في نفس المشكلة ، فنحن نعيش في بلد تتكرر فيها الأزمات وكذلك الحلول و النتائج فلا عجب في ذلك .
ثورة المعلومات و الوسائط الإلكترونية فتحت أبوابا واسعة للبسطاء أمثالنا لنشر أفكارهم ورؤاهم، و تحليل بعض أزمات البلاد و التعليق على الاحداث اليومية المتغيرة ..
ليس بالضرورة أن تكون كل هذه الآراء أو التحليلات صحيحة ، لكنها على أية حال هي رؤيتنا للأحداث من الزاوية التي نقف فيها ، و تستند الرؤية على المعلومات و الزخيرة المعلوماتية التي اطلعنا عليها سابقا أو المتوفرة حاليا …
هذه التحليلات و التعليقات تنال اعجاب البعض احيانا لأنها وجدت موقعا في نفوسهم و اهوائهم وفق ما يعتقدون صحته ، و تنال غضب الآخرين لأنها تخالف ما يرجونه مني . يراني البعض متقلبا لا أثبت على رأي، انادي بسقوط الكيزان اليوم ، و انادي بالحرية السياسية للإسلاميين ضحى الغد . اصفق لسياسات التحرير التي تنتهجها حكومة حمدوك، و في نفس الوقت اهاجم بضراوة عشوائية لجنة التمكين . فإنقسم قراء الصفحة إلى أربعة أقسام جزء من الكيزان يصفقون ما وافق هواهم . و يصفونني بالشيوعي عندما تختلف رؤيتي عنهم . جزء من القحاتة( القحاتي عندي هو من يصفق لحكومة الثورة ظالمة أو مظلومة و ينطلق من عداء عاطفي يتحكم في عقله تجاه كل الإسلاميين بمختلف تقسيماتهم ) . هذا الجزء يرى أنني أصبحت كثير الانتقاد لحكومة الثورة ، و هذا يتنافى عما كنت ادونه أيام انتقادي للكيزان و مناداتي لاسقاطهم .
جزء ثالث و هم قليل يرى أن ما أكتبه مجرد آراء و نظرة مبدئية لما يحدث في الساحة ، فيحترم خياري سواء اتفق أو اختلف مع ما يعتقده .
الجزء الرابع و الاخير لا يهتم أبدا بساس يسوس، فإن وجد شيئا من انطباعاتي حول ثقافات الشعوب المختلفة ، و تدوين لبعض الأحداث و المواقف الشخصية تابعها و تفاعل معها و إلا تجاوز البوست دون ضياع زمنه في نقاش مواضيع لا يهتم بها ….
ما أعبر عنه هنا أكتبه بمنظار المواطن المراقب المتابع للساحة، لا اقول بمنظار الصحفي لان القلم يتقاصر عن ذلك . لكنه أبدا ليس بمنظار السياسي . فأنا لم اتحزب يوما ولم انتمي إلى أي حزب سياسي ، لأن الإنقاذ لم تترك لجيلنا مساحة اختيار الحزب الذي يناسب رؤيتنا و طموحاتنا ، إنقضت على الديمقراطية قبل عام واحد من أول انتخابات كنا نمني أنفسنا أن نشارك فيها ، و حين سقطت استلم الحكم أحزاب و عساكر ليس من مصلحتهم إجراء أي انتخاب في الوقت الراهن ، بل في المستقبل المنظور ، وربما نقبر دون أن نمارس حقنا في التصويت و الانتخاب كبقية الشعوب الحرة .
اقول للكثير من الأصدقاء الذين يسألونني باستمرار عن توجهي السياسي، انا مجرد فلوتر لم انتمي إلى حزب سياسي أبدا، و كل ما أكتبه هنا اتفقنا أو اختلفنا حوله هو رؤيتي و نظرتي للامور كمواطن مهتم بالشأن العام في بلاد مثخنة بالصراع السياسي الذي اقعد بها عن الاستقرار و التطور . شخصيا لو كنت سانتنمي إلى حزب سياسي فإنني اختار اليوم حزب بناء السودان ، فتتشابه أفكار مؤسسوه مع أفكاري و رؤيتي لقراءة ازماتنا السياسية . فاليوم الذي أقرر التحزب فسيكون خياري الذي أمارس عبره حقوقي ، ارجو ان تتعرفوا على هذا الحزب الوليد و عن برامجه .
ليس بالضرورة أن نتفق في كل ما أكتبه هنا ، لكن بالضرورة أن نحترم خيارات بعضنا البعض ، فغايتنا التي ندعيها جميعا هي المصلحة العامة لبلادنا التي نحبها و نعشق ترابها ، فتختلف مساراتنا نحو هذه المصلحة فكل يدعي ان رأيه الصحيح و الآخر ليس كذلك . لكن دعونا نتفق على الحد الأدنى من المشتركات لتكون نقطة انطلاق لإصلاح ما افسدته الأيام بين السودانيين جميعا دون إبعاد أو إقصاء الا وفق ما يقتضيه القانون أو الدستور ….
لكم جميعا مودتي و احترامي ..
سالم الأمين بشير/غرة مايو ٢٠٢١



مصدر الخبر موقع النيلين

أضف تعليق