السفير/ الصادق المقلي يكتب: حول زيارة وفد الكنغرس الحالية للبلاد ومسار العلاقات السودانية الأمريكية


السناتور كونز و هو من الحزب الديمقراطي و من المقربين جداً للرئيس بايدن. و كان فى البداية مرشحاً لتولي حقيبة الخارجية.. و هو أحد أهم المؤيدين مطالبة السودان Sudan claims resolution الذي أجازه الكنغرس الأمريكي بالإجماع و قد كان عبارة عن تسوية تمت لمطالبة عضوي الكنغرس عن ولايتى نيويورك و نيوجرسى الخاصة بتعويضات أسر ضحايا حادث سبتمبر ١١.. و التي أبقت على مطالبة السودان في محكمة جزئية في نيويورك قبل أكثر من سبعة عشر عاماً بإعتبار أن النظام البائد متهماً في هذه الحادثة.. بيد أن هذه المطالبة لا تنقص أبداً من إعادة الحصانة السيادية للسودان إذ أن القانون حصن السودان من أية مطالبة جنائية مستقبلاً بخلاف هذه المطالبة التي سوف تأخذ عدداً من السنوات كغيرها من الدول و أهمها السعودية.. التي رغم إصدار قانون جاستا عام ٢٠١٦م الذي رفع الحصانة عنها إلا أن الدعوى ظلت حبيسة الإدراج منذ عام ٢٠٠٣…و أذكر في هذا المقام تصريحاً إيجابياً السناتور كونز فور صدور قانون مطالبة السودان حيث صرح بأن هذا القانون من شأنه أن يؤدي إلى تطبيع العلاقات مع أمريكا و المجتمع الدولي و المؤسسات المالية الدولية متعددة.
فى حواره مع قناة العربية الحدث أبريل المنصرم وصف رئيس مجلس السيادة الفريق أول البرهان مسار العلاقات السودانية الأمريكية بالسلحفائية… . لكن لا بد من القول إن هذا البطء له مسوقاته القانونية من وجهة النظر الأمريكية… فالمصفوفة التي أشار إليها البرهان مدرجة في التشريع الأمريكي المعروف بقانون دعم التحول الديمقراطي في السودان و المحاسبة و الشفافية المالية.. يحتوى على ١٦ بنداً تخص مسار العلاقات بين البلدين آنياً و لا حقاً… فأمريكا دولة مؤسسات لا تعمل بحكاية رزق اليوم باليوم…… الخ..
فبعد نجاح ثورة ديسمبر المجيدة و وضعت مصفوفة هي بمثابة خارطة طريق عبر خطوات ممرحلة لتدرج علاقاتها مع الخرطوم وصولاً للتطبيع الكامل هذه المصفوفة تم وضعها وفقاً للتشريع الأمريكي آنف الذكر و الذي أجازه الكنغرس الأمريكي بغرفتيه و بإجماع الحزبين الديمقراطي و الجمهوري و يؤطر لسياسة الولايات المتحدة تجاه السودان… و هذه المنصفوفة ليست بالعصا أو جزرة كما كانت تتعامل واشنطن مع النظام البائد إنما خارطة طريق متكاملة يحب على الخرطوم أخذها أو تركها… Take it or leave it.. وقد إبتدرت الإيجابية التى إتخذتها واشنطن خطوات إيجابية مع الحكومة الإنتقالية بترفيع التمثيل الدبلوماسي إلى درجة السفير و رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب و منح السودان الحصانة السيادية.. التي تحصنه من أية مساءلة جنائية مستقبلاً بخلاف ما تم الإبقاء عليه بموجب ما يسمى بقانون مطالبة السودان و الذي يخص تعويضات أسر ضحايا البرجين و هي قضية مرفوعة أمام محكمة فى نيويورك منذ عدة سنوات مع دول أخرى على رأسها السعودية.. و قد تستغرق عشرات السنين… و قد أعادت تلك الخطوات بالإيجابية السودان للعالم بعد عزلة إمتدت لثلاثة عقود و عبرها عاد السودان للمجتمع الدولي و مؤسساته المالية المانحة متعددة الأطراف فضلاً عن المنح المليارية التي دفعتها واشنطن للسودان حتى يصبح قادراً للتعامل مع المؤسسات المالية و بالتالي تحفيز المساعي الدولية لإعفاء ديونه الخارجية.. و قد توجت هذه الخطوات بالإتصالات التي جمعت المسؤولين السودانيين مع وكالة التنمية الدولية و تقديم منحة تقدر ب 2 و نصف مليار دولار لاستعادة حركة التنمية فضلاً عن إبداء عدد من الشركات الأمريكية الرغبة للاستثمار في السودان خاصةً في المجال الزراعي… لكن لا بد من الإشارة إلى أن استكمال خطوات المصفوفة من قبل واشنطن مرتبط لحد كبير بخطوات التدرج نحو مدنية الدولة في السودان وفقاً لما نص عليه قانون دعم التحول الديمقراطي في السودان الذي ذكر في عدد من بنود الوثيقة الدستورية التي تنص على المضي قدماً في مدينة الدولة و بصفة خاصة إلى أيلولة رئاسة الدولة من المكون العسكري إلى المكون المدنى..بل أن القانون الأمريكي نص على أن التطبيع الكامل لعلاقات السودان مع المؤسسات المالية الدولية متعددة الأطراف العشرة المذكورة في القانون رهين بشهادة يقدمها الرئيس الأميركي إلى الكنغرس تؤكد على إلتزام الحكومة الإنتقالية بمدينة الدولة.. و الشفافية و المحاسبة المالية.. أضف إلى ذلك بجانب هذه المصفوفة. هنالك أيضاً عامل آخر يتحكم في إكتمال تطبيع العلاقات هو التطبيع الكامل مع اسرائيل.. بحيث كلما حدث تقدم في المصفوفة الأولى و الثانية الخاصة بالتطبيع مع تل أبيب كلما مضت خطوات علاقات التقارب مع واشنطن و مؤسسات التمويل العالمية . نشير أيضاً إلى أهمية إكمال عمليات الإصلاح المتعلقة بالنظام المصرفى و الاستثمار و إجراء تعديلات على قانون الاستثمار لافتاً إلى أن روؤس الأموال الأجنبية مربوط دخولها بإجراء تلك الإصلاحات . ملف التطبيع تسوده الكثير من الضبابية و عدم الرؤية لدى صانع القرار في الحكومة الإنتقالية… و قد أشار الرئيس البرهان إلى أنه قد في الآونة الأخيرة عدة زيارات لوفود رسمية إسرائيل و أهمها الزيارة التي كانت برئاسة وزير الأمن الإسرائيلي… و أكد البرهان إلى أن هذه الزيارات كانت كلها ذات طابع أمني و إستخباراتى.. لكنه ربما نسي أن وزير الخزانة الأمريكي لم يوقع إتفاقية أبراهام مع الأمن أو مع الجيش و إنما الذي وقع إنابةً عن الحكومة الإنتقالية هو السيد وزير العدل.. و ما لفت الأنظار يومها أن التوقيع تم بالسفارة الأمريكية في غياب الطرف الأول المعني بالإتفاق.. أي إسرائيل ؟؟؟!! و قد صرح وزير العدل و وزير الإعلام وقتها أن هذا التوقيع يمهد للتطبيع مع إسرائيل و إقامة علاقات تعاون معها… مما يدل على أن الحكومة الإنتقالية تمضي قدماً في مسار التطبيع… لكن لا بد من الإشارة إلى أن ما تم هو ليس إتفاقاً و إنما هو إعلان مباديء.. يمهد الطريق إلى تطبيع كامل.. و لا بد من التأكيد في هذا المقام.. أن أية زيارات متبادلة أو توقيع أى نوع من الإتفاق مع إسرائيل يكون بمثابة خطأ إجرائي.. لا يستند على أية شرعية محلية أو دولية فيما أرى.. و أرجو أن أصحح أن أخطأت… فالسودان أساساً ليس له أي نوع من العلاقات مع إسرائيل حتى يعمل على تطبيعها.. فهو في حالة حرب مع إسرائيل منذ عام ١٩٦٧م و قمة اللاآت الثلاثة. و قد أخرجت كلمة التطبيع من سياقها… فلا بد أولاً للدولة أن تعقد إتفاقية سلام مع إسرائيل كما فعلت الدول العربية الأخرى.. و هو الأمر الذي لم يحدث حتى اللحظة… و من المصادقة على الإتفاقية من قبل الجهاز التشريعي في البلاد.. ثم من بعد ذلك إتفاقية إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين و الدخول في مرحلة التعاون الثنائي…
و لا بد من الإشارة إلى أنه قد تواتر فى الآونة الأخيرة نوعاً من التنافس بين واشنطن و موسكو في منطقة البحر الأحمر..و لا استبعد أن يكن هذا الأمر ضمن أجندة زيارة وفد الكنغرس الأمريكي.. سيما و أن واشنطن قد إهتمت كثيراً كما يعرف الجميع و منذ بداية تطبيع العلاقات فى البحث عن موطيء قدم لها فى هذه المنطقة البحرية الاستراتيجية… فالنظام السابق قد دخل في إتفاقية تنص على إنشاء روسيا لمركز لوجستي على البحر الأحمر يسمح بوجود سفن حربية تحمل رؤوساً نووية… و الإتفاقية فى حقيقة الأمر لم تتحدث صراحةً عن قاعدة عسكرية و إنما مركز لوجستي.. و لا أدري ما هو الفرق بين القاعدة و المركز و لعل الإجابة لدى ذوى الإختصاص… و قد لاذ النظام السابق بالصمت حيال هذه الإتفاقية التي يبدو أن الحديث عنها تم إبان زيارة الرئيس المخلوع إلى روسيا.. و لم تخرج إلى العلن حتى سقوط النظام… و لكن قد كشف عنها النقاب الرئيس بوتن نفسه إبان هذه الحكومة الإنتقالية و التي أيضاً لم تتطرق لها البتة من قريب أو بعيد فى العلن إلا أن صدر قرار مؤخراً من الحكومة بتعليق العمل بالإتفاقية ريثما تتم المصادقة عليها من قبل الجهاز التشريعي.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب



مصدر الخبر موقع الانتباهه

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: