مدير مكتب رئيسة القضاء يكتب عن تدخل لجنة التمكين في القضاء


*مدير مكتب رئيسة القضاء يكتب عن تدخل لجنة التمكين في القضاء*
*عاطف محمد عبد الله*
بسم الله الرحمن الرحيم
لست مجبراً على الكتابة في هذا التوقيت بالذات.. لكنني في المقابل لست حُراً في عدم الإفصاح والتوضيح بشأن مسائل أصبحت تمثل هماً عاماً، ومصلحة شعب وبلدٍ بأكمله.
سأكتبُ إذنْ .. كتاب الصادق الذي لا يروي إلا حقائق ما عرف، وخفايا ما لم تتهيأ لبعض الآخرين أسباب العلم به والإطلاع عليه في كثير مما جرى وما هو جارٍ.
سأكتب بلسانٍ يُعبِّر عني بصفة شخصية، وعن رأيي الشخصي الذي لا يمثل أي كيان رسمي أو غير رسمي، ولا يمثل أو يُعبِّر عن أية جهةً أو مؤسسةً أو اي قسم يتبعٍ لها.
أكتب لأقول إنني كنت -ولا زلت – مصراً على أن للسلطة القضائية خصوصية يجب أن تُعامل بها وتلاقيها من كافة أجهزة الدولة ومؤسساتها بالمستويات كافة، وأقول إنه لم يكن جديراً – أبداً – منذ البداية أن تكون مسألة إنهاء خدمة القضاة خاضعة لقانون إزالة التمكين وتفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989م.
هذا رأيي الذي لا أخشى أن أصدع فيه بالحق، وأعلم بأنه حتماً لن يروق للكثيرين، وأنه لا محالةَ سيعني الكثير جداً بالنسبة لي في مقبل الأيام طالما أن الأمور في بلادنا أضحت تسير على منهج شيطنة الآخر واغتيال الشخصية، لكنني غير آبهٍ في سبيل قول الحق بما هو متصور ومتوقع من ردود الأفعال، وما هو منتظر من استهدافٍ معنوي أو غيره، فالأمور جميعاً بيد الله، ولا قدرة لمخلوق على آخر إلا بإذن الخالق.
لقد ظللت منتمياً إلى السلطة القضائية إنتماءً وجدانياً وروحياً متصلاً، أؤدي عملي وفقاً لما يُحكِّمُه الضمير ويرضاه، مراعياً في مسيرتي القضائية تطبيق القانون وروحه، ملتزماً بواجب المهنية الصارمة، ومدركاً في الوقت نفسه أن بعضاً أو كثيراً مما يُشكل قناعاتي والتزاماتي المرتبطة بوظيفتي القضائية، ربما لن يكون متفقاً ورؤية كثير ممن لا يكترثون لشأن القضاء وما يتوجب له من ضمان الاستقلالية الحقيقية.
إن القاضي يحكُم في الأمور وعليها بما يرضي ضميره هو، لا بما يرضي طموحات الساسة أو النافذين أو غير أولي الحق. وبلا شك، فإن لكل عمل مهني خالصٍ آثار وإن بدت أنها تضر، لكنها تنفع لإحياء الضمير والوجدان المهني.
لست – بهذا – أنشد تسجيل موقفٍ أطلب لأجله شكراً أو ألتمس عليه ثناء، لكنني
أسطره لئلا يكون لضميري عليّ من حجة، ولئلا نجبن عن تبيين حقائقَ ومواقف لا ينبغي لها أن تُستر بغطاء التجرد والتجمُّل.. وهي مواقف ومبادئ لابد من عرضها حتى تبقى في ذاكرة الوجدان والتاريخ كنجمٍ ثاقبٍ يفقأ أعين (بعض) الذين ركبوا القطار بعد عبوره محطة الحادي عشر من ابريل من العام 2019م، ممن برهنوا أنهم ثلة من الطامعين في تسُّيد المواقف وتصدُّر المشاهد على حين غرة وغفوة من عقل التاريخ.
لقد علمت مثل الآخرين -من خلال الوسائط الالكترونية – أن لجنة إزالة التمكين ستعقد مؤتمراً لإذاعة بعض القرارات، ومن بينها قراراً يتعلق بإنهاء خدمة عدد من القضاة، ولم اشأ متابعة المؤتمر، بيد أني علمت بعد نهايته بتمام صدور القرار المعني.
ومع أنني من المؤيدين لمشروع إصلاح السلطة القضائية والفكرة التي تهدف إلى استعادة المواطن لثقته في القضاء الوطني، غير أن ذلك لا يعني بالضرورة تأييدي للكيفية التي يتم عن طريقها إنهاء خدمة القاضي، إذ تقوم قناعتي على أنه لا بد من أن تكون وسيلة البناء والإصلاح بالكيفية الحكيمة العادلة، التي تحفظ للقضاء هيبته ومكانته.
كنت واحداً من الذين تبنوا فكرة مشروع قانون مجلس القضاء العالي ليكون هو القانون الذي يتولى – من بين ما يتولاه – مسألة الإصلاح في السلطة القضائية، ويكون مجلس القضاء العالي بتشكيله المتوازن – البعيد عن شبهات العداء والخصومة والخلاف المهني – هو الجهة التي يُناط بها إنهاء خدمة القضاة وفقاً للنصوص القانونية الاستثنائية الانتقالية التي يتضمنها بالقدر الذي يتواءم والوثيقة الدستورية.
ثم إن مسألة إنهاء خدمة القاضي وإن كانت لأجل (تفكيك بنية التمكين) إلا أنه يجب أن يُراعى فيها انتهاج المسلك الذي يحفظ هيبة ومكانة القاضي والقضاء، وأن تتم الإجراات بمعرفة وطريق الجهة التي بيدها شأن إدارة القضاء في الدولة، فالقاضي – بحكم وظيفته – ليس موظفاً عادياً يؤدي عملاً روتينياً في مؤسسة عادية كسائر المؤسسات التابعة للسلطة التنفيذية، بل هو يمثل رمزاً أساسياً لهيبة الدولة، لذلك واستئناساً بالمبادئ العامة لاستقلال القضاء – المتعارف عليها بسائر الأنظمة القانونية – فقد نصت المادة 30/2 من الوثيقة الدستورية 209م على أن “تكون السلطة القضائية مستقلةً عن مجلس السيادة والمجلس التشريعي الانتقالي والسلطة التنفيذية، ويكون لها الاستقلال الإداري والمالي اللازم”.
ولقناعتي بأن مسألة إنهاء خدمة القاضي عن العمل تعد واحدة من أخطر أنواع أعمال الإدارة لما يرتبط بذلك من ضمان لاستقلالية القاضي في عمله ومهامه القضائية، فإنه يكون من المتعين – في نظري -أن يُوكل أمر تولي هذه المهام الدقيقة لمجلس القضاء العالي لا إلى لجنة إزالة التمكين ولجانها الفرعية، حتى وإن كانت تلك اللجنة من داخل السلطة القضائية نفسها، طالما أن هذه اللجنة لا تعمل تحت إشراف رئيس القضاء أي أنها خارجة عن سيطرة المؤسسة نفسها.
ثم إن اشتمال اللجنة على محامين لا زالوا يمارسون مهنة، ويظهرون أمام المحاكم إدعاءً ودفاعاً عن موكليهم وقضاياهم، من شأنه أن ينال من استقلال القاضي في عمله المهني بوجه أو بآخر،
فكيف للقاضي (أي قاضي موجود بالخدمة) أن يؤدي عمله باطمئنان طالما أنه يدرك أن المحامي الذي يترافع في القضية المعروضة أمامه هو أحد ُ الأعضاء (بلجنة إزالة التمكين)؟. على أقل تقدير سيسعى ذلك القاضي جاهداً لإرضاء المحامي عضو اللجنة بأي شكل من الأشكال، حتى وإن اقتصر الأمر على مجرد المجاملة في تحديد الجلسات، أو التنازل عن قيم الوقار والمكانة، ولم يبلغ درجة المخالفة الصريحة للقانون، فمجرد تمييز الخصوم أو من يمثلونهم عن الخصوم أو الممثلين القانونيين الآخرين بإظهار الاهتمام بهم بدرجة أكبر من المألوف، يعتبر انتهاكاً بيناً لمبدأ المساواة (في الوجه والمجلس) وهو بلا شك إنكارٌ للعدالة، كيف له ألا يميز (تمييز وجهٍ ومجلس) وهو يدرك هذا ممن بيدهم أمر بقائه بالوظيفة أو الإطاحة به !.
أنا لا أتحدث ههنا بدافع الحزن على زميل بعينة، فحتى هذه اللحظة أجهل تماماً أسماء القضاة الذين اًنهيت خدمتهم، كما أجهل بصورة عامة ما إذا كانت أسباب إنهاء خدمة أي منهم تقوم على مبررات مقنعة أو لا، فلست ممن يهتمون بالبحث عن سوءات وهنات الآخرين وتتبع أخبارهم أو السعي لمعرفة ما لا تلزمني معرفته، فكلنا بشر له أخطاؤه وعليه ما عليه من المآخذ، لكن تبقى قيمة الإنسان في إعراضه عن الاهتمام بعيوب الآخرين.
أيااااااا دولةً تنشد العدالةَ بعدل قضائها.. خُذي عنا أن ليست الطرقُ كلها تؤدي إلى روما، وأن الغاية ليست تُبرِّر دائماً وسيلةَ بلوغها..
خذي عنا أن احترامَكِ للقضاءَ يرفعُ من مكانتك ولا ينتقص منها .. وخذي عنا، أن من أسباب ما نبتغي من النجاح والصمود أن يوكل إلى القضاء شأنه، فاعهدوا إلى مجلس القضاء العالي وقانونه أمر الإصلاح المنشود والمرتجى.
صحيح أننا قد نتفق أو نختلف حول المسألة المتعلقة بتشكيل المجلس وهوية أعضائه، لكن يبقى الأمر الذي لا يقبل الاختلاف عليه، أن مجلس القضاء العالي – بذاته – هو السبيل الأمثل لإصلاح القضاء واستعادة الثقة فيه، ويبقى هو الضامن الأكبر لأن تكون نتائج العمل دقيقةً وعادلةً إلى أبعد حد، ومتوافقةً تماماً مع التحول العام الذي يشهده سودان ما بعد 11 ابريل 2019م، خلافاً لما هو متصورٌ ومتوقعٌ من نتائج تؤدي إليها أيٌّ من السبل الأخرى التي تُُطرحُ كخيارات بديلة للإصلاح.
بلا شك هي قناعةٌ شخصية، وتمسك بمبادئ نابعة عن اعتزاز بمهنة القضاء ومكانته، ولا تتعارض بأي حالٍ – في نظري – مع المبادئ الأساسية والرغبة الصادقة والجادة في إصلاح شأن القضاء.
هذا وجيزٌ من كثير بالمقدار الذي لا يعلمه إلا من أحاط بقطر السحاب وعد التراب، وختامه كقول صفي الدين أن:
قد يُقـــــــالُ عِثارُ الرِجْلِ إن عثرتْ ولا يُقــــــــــــــــالُ عِثارُ الرأيِ إن عثرا
من دبَّر العيـــــــــــشَ بالآراء دام له صفواً وجاء إليه الخطَـــــــبُ معتذِرا
يَهونُ بالرأي ما يجري القضاءُ بهِِ مَنْ أخطأ الرأيَ لا يستذْنِبُ القدرا
أحزمُ الناسِ منْ لو مات من ظمأٍ لا يقْربُ الوِردَ حتى يعرِفُ الصدرا
عاطف محمد عبد الله
الخرطوم في يوم الاثنين
2/5/2021



مصدر الخبر موقع النيلين

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: