فض الاعتصام.. متاريس في طريق العدالة




لا يتذوق كثير من الثوار في السودان طعم عيد الفطر منذ عامين، ليس بسبب الأعراض المصاحبة عادة لفيروس كورونا المستجد، وإنما بسبب انتظارهم الطويل لتحقيق القصاص لشهداء مجزرة القيادة العامة، في 29 رمضان 1440هـ.

الخرطوم – التغيير: علاء الدين موسى

يصادف يوم الثلاثاء 29 رمضان 1442هـ، الذكرى الثانية لواقعة فض اعتصام القيادة العامة، الذي راح ضحيته مئات الضحايا بين قتيل ومصاب ومفقود.

ورغم مرور كل تلك الفترة لم يجر تقديم الجناة للعدالة، ولم تفلح اللجنة التي كونها رئيس الوزراء السوداني، للتحقيق في الواقعة برئاسة المحامي نبيل أديب، في التوصل إلى نتائج ملموسة، على الأقل حتى موعد نشر التقرير.

ونتيجة كل هذا التأخير، باتت تلحق باللجنة نعوت التلكؤ والإبطاء في تحقيق العدالة.

وفي محاولة لدفع الأمور أماماً، ظهرت دعوات لإحياء ذكرى فض الاعتصام بتناول الإفطار أمام القيادة العامة، إلا أن قيادة الجيش قابلت تلك الدعوات بإغلاق جميع الطرق المؤدية لمقراتها، فيما يمكن تفسيره بأنه خشية إعادة سيناريو الاعتصام.

فض الاعتصام

في الساعات الأولى من صبيحة 29 رمضان 1440هـ الموافق، الثالث من يونيو عام 2019، بدأت قوات عسكرية إخلاء قسرياً لاعتصام القيادة العامة للجيش.

ولم تتوان القوات في استخدم الرصاص الحي، الذي حصد أرواح أكثر من 130 شخصاً، وجرح وفقدان العشرات، إلى جانب وقوع انتهاكات أخرى منها العديد من حالات الاغتصاب.

وحينها أقر المتحدث باسم المجلس العسكري المحلول، شمس الدين كباشي، بإصدارهم أوامراً بفض الاعتصام وفقاً للإجراءات العسكرية المُتبعة، “ولكن حدث ما حدث” على حد وصفه.

واقتحم عشرات آلاف من السودانيين، نهار السادس من أبريل في العام 2019، محيط القيادة العامة للجيش السوداني بالخرطوم، ورفعوا شعارات اسقاط حكومة الإخوان التي قتلت وشردت الآلاف منهم، بعد احتجاجات استمرت لأشهر، توجت باقتلاع رأس النظام والتحفظ عليه في مكان أمن.

بيد أن المعتصمين السلمين لم يبارحوا مواقعهم بعد سقوط المخلوع في 11 من أبريل ليحول المكان إلى مقر للاعتصام السلمي للمناداة بالحكم المدني، قبل أن تحل عليهم فاجعة الفض بالقوة المميتة.

ولم يتمكن السودانيون في العام الماضي من إحياء الذكرى الأولي لفض الاعتصام، بسبب الإغلاق الكامل الذي فرضته السلطات السودانية ضمن الإجراءات الاحترازية المتعلقة بجائحة كورونا.

إفطار القيادة

وأعلنت مبادرة حراك عن تنظيمها إفطار رمضاني الثلاثاء، لإحياء ذكرى شهداء فض الاعتصام، وهو أمر ايدته منظمة أسر الشهداء كمبادرة، وشددت على تمسكها بتحقيق أهداف واستحقاقات الثورة السودانية، وفي مقدمتها القصاص العادل لكل الشهداء، لترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب دون الاعتبارات للرتب والمناصب السيادية.

حق الشهداء

وقال ممثل أسرة الشهيد وليد عبد الرحمن، خالد عبد الرحمن لـ”التغيير” نأمل أن يكون إفطار اليوم بداية “حقيقة للفعل الثوري لإرجاع حق الشهداء وأسرهم، حتى لا يفلت المجرمين من العدالة”.

وأضاف: “نفس القتلة موجودين في السلطة، ويعملون في تناغم، ولا يريدون الوصول لنتائج من فض الاعتصام”.

وتابع: “الحكومة لم تحقق أهداف الثورة وفشلت في تنفيذ مطالب وشعارات الثورة خاصة العدالة”.

وطالب خالد، بالقصاص وتنفيذ العدالة بحق مرتكبي هذه الجرائم ومحاسبتهم حتى يتحقق الأمن والأمان.

المحكمة الدولية

وكانت منظمة أسر شهداء ثورة ديسمبر، أعلنت مؤخراً لجوئها لمحكمة الجنايات الدولية، للتحقيق في أحداث فض اعتصام القيادة العامة، وقال رئيس المنظمة، عباس فرح، إن المنظمة أوكلت مجموعة من المحامين الأوروبيين للدفاع ومتابعة القضية في المحكمة الجنائية الدولية بموجب تفويض منحته لهم المنظمة.

في وقت رفضت المنظمة التعامل مع اللجنة التي شكلتها الحكومة للتحقيق في جرائم فض الاعتصامات أمام القيادة العامة للجيش بالخرطوم والولايات، برئاسة المحامي نبيل أديب.

تحقيق جنائي

يقول رئيس لجنة التحقيق في فض الاعتصام نبيل أديب إن لجنته تقوم بتحقيق جنائي يهدف إلى التعرف الانتهاكات التي ارتكبت، وعلى المسؤوليات الجنائية لمن تورط فيها.

نبيل اديب

وأضاف أديب لـ”التغيير”: “نحن نحقق في مجموعة جرائم مترابطة شهد تنفيذ جزء منها عدد ضخم من الشهود، ويتوجب على اللجنة سماع كل منهم للتوصل لنتائج من مجموع ما اتفقوا عليه”.

وتابع: “ولكن دون إغفال بعض الزوايا الخاصة التي مكنت بعضهم من رؤى مختلفة”.

زمن طويل

أشار أديب إلى أنه بالرغم من وقوع هذه الجرائم على الملأ، إلا أن هنالك جزء أساسي ويتعلق بالتخطيط والترتيب لها تم في الخفاء، وهو الأمر الذي يتطلب تنقيباً في القنوات التي تمت فيها، ونوع القرارات التي أخذت والغرض من ورائها.

وأشار إلى أن التوصل لكل ذلك يتطلب سماع بينات عديدة بعضها تم الحصول عليها بسماع آلاف الشهود وبعضها تمّ الحصول عليها عن طريق مستندات مسجلة بالكتابة أو بالصورة أو الصوت والبعض بينات مادية..

وأوضح: “لذلك فإن التوصل للمسؤوليات المتعددة عن تلك الجرائم وتحديد الاتهامات عنها وتحويلها للمحكمة هي مسالة معقدة وتحتاج لزمن طويل”.

واستدرك نبيل أديب: “مع ذلك فلقد انجزت اللجنة حتى الآن اغلب ما هو مطلوب منها، ولكننا ما زلنا في انتظار خبراء يفحصون الأدلة التي تحتاج لعلم متخصص لفحصها، والذين لم يتم توفيرهم حتى الآن”.

وفي أكتوبر من العام 2019 أعلنت الحكومة السودانية، تشكيل لجنة وطنية مستقلة للتحقيق في الأحداث التي صاحبت فض اعتصام القيادة العامة.

صدق الحكومة

وطالب المحامي صالح، وهو عضو باللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني، محمود بتوفير الفرص والامكانات للجنة التحقيق في فض الاعتصام لتقوم بدورها كاملاً لطمأنة أسر الضحايا التي تطالب بضرورة القصاص.

وقال صالح لـ”التغيير” إن هذا امتحان لصدق الحكومة في الوصول إلى نتائج ايجابية تطمئن من خلالها الضحايا واسرهم وكافة أفراد الشعب السوداني والعالم، واذا فشلت ستكون خيبة أمل للشعب.

وأشار محمود إلى أن جريمة فض الاعتصام تمثل جريمة ضد الانسانية وليست جريمة حرب، لأن الطرف الثاني غير مسلح ولجرائم الإبادة الجماعية شروط معينة.

ونادي بضرورة تحديد مسؤولية الأشخاص الضالعين في هذه المجزرة الشنيعة.

وقال محمود إن التفويض الممنوح لرئيس لجنة التحقيق في فض اعتصام القيادة محدد المعالم، واعتقد بخبرته وأعضاء اللجنة يمكن أن يتجاوزوا كثير من المشاكل التي ستواجههم مثل الحصانات والقوانين التي لم يتم الغاؤها حتى الآن.

وعقب مرور عامين على الأحداث التي راح ضحيتها العشرات، لم تكشف اللجنة عن نتائج التحقيقات التي أجرتها خلال الفترة الماضية، رغم تأكيدها المستمر بأنها شارفت على إعداد تقريرها الختامي، لا سيما عقب استجوابها لمعظم قادة المجلس العسكري المحلول، الذي كان يحكم البلاد حين وقوع الأحداث آخرهم رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، ونائبه محمد حمدان دقلو (حميدتي).



مصدر الخبر موقع صحيفة التغيير

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: