صديق البادي يكتب: مؤتمر باريس وما سبقه وما تمخض عنه !!


    الوطن العزيز الشامخ الذي يقع في وسط العالم وسرته يملك كل مقومات النهضة الشاملة والصعود للذرى الشامخات في كافة المجالات وهو مؤهل ليكون مارداً إقتصادياً ورقماً لا يستهان به على المستويين الإقليمي والدولي لو إتحدت كلمة بنيه وحدث فيه استقرار وعم السلام والأمن ربوعه واستثمرت

إمكانياته الهائلة وثرواته الضخمة في شتى المجالات بما فيها إمكانياته وقدراته البشرية والوطن زاخر بالعلماء والخبراء في كافة المجالات وعلى أرفع المستويات وساهم الكثيرون منهم في نهضة دول أخرى عديدة ولهم بصمات ووجود وتأثير في المنظمات الدولية والإقليمية وأعتراف بنبوغهم وتفوقهم  في دول

العالم الأول. وإن دولاً لا تملك ربع ما يملكه السودان من خامات وإمكانيات نهضت وبلغت الثريا وظل هو بعد خمسة وستين عاماً منذ أن نال استقلاله مهيض الجناح كسيحاً قعيداً يحمل صخرة سيزيف وكلما حاول النهوض ومضى في ذلك خطوات يعود ليرسف في السفح بسبب الحروب الاستنزافية المفتعلة

وصراع شريحة من بنيه على كراسي السلطة والجاه في أنانية وذاتية وإنعدام وطنية . والثلاثين عاماً الماضية التي تخللها عقد من الزمان كانت فيها التدفقات النقدية من عائدات البترول ضخمة وبدلاً من توجيهها التوجيه الصحيح للقطاعات الإنتاجية الزراعية والصناعية وغيرهما ضاع جلها هباءً منثوراً في

الترف الكاذب ( والفارغة والمقدودة ) وسد مروي على سبيل المثال الذي أعتبره حكام ذلك العهد كمكرمة آل تغلب التي أنستهم كل مكرمة وتبعها إعلام كثيف ودعاية وشوفونية وصرف باهظ على التسيير والإحتفالات والمظهريات ولو تم إنشاء السد من خزينة الدولة وعائدات النفط المليارية الدولارية لكان

ذلك مقبولاً ولكنه أنجز بقروض أجنبية وديون ثقيلة ينوء بها كاهل السودان لأمد طويل وستتبعها أرباح مركبة . والسد بكل تأكيد إنجاز ولكن العجز في الإمداد الكهربائي لا زال يراوح مكانه . ولأن فترة حكم الإنقاذ كانت طويلة فقد حدثت إنجازات وأقيمت منشآت هنا وهناك ولكنها لا تتناسب وطول أمد سنوات

الحكم الثلاثين والفرص الكثيرة التي أتيحت أهدرت وضاع وقت ومال كثير في الإحتفالات والمهرجانات والعرضة والرقص ولم تكن توجد قيادة قدوة في العمل الجاد والإنتاج كما حدث في دول أخرى إجتازت أصعب الظروف ونهضت كاليابان وألمانيا مثلاً . وفي أخريات العهد السابق تأزمت الأوضاع

وساءت الأحوال بسبب عوامل كثيرة من ضمنها المؤامرات بين قيادات النظام وتصفية الحسابات بين الرئيس السابق وبعض الذين أبعدهم من الذين كانوا حوله ويعتبرون أنفسهم أصحاب الحق الأصيل في النظام والتنظيم أكثر منه ويؤازرهم آخرون وفي النظام السابق بيعت أراض كثيرة لا حصر لها في المدن

وغيرها وتم منح دول أجنبية أراض زراعية شاسعة واسعة بإيجارات زهيدة الثمن لمدة تسعة وتسعين عاماً وأضطر الرئيس السابق عندما إشتدت الأزمات وساءت الأحوال للقيام بجولات ماكوكية بين عدد من عواصم الدول العربية النفطية الغنية بمحوريها وهو يحمل ( قرعة الشحدة ) وكان يعود بها خاوية .

وزار روسيا التي فرضت عليه أن يزور سوريا وتعهد للروس بمنحهم قاعدة عسكرية في البحر الأحمر ووصل مع تركيا لإتفاق حول ميناء سواكن ومبانيه الأثرية وأخذت دول غنية عديدة تسعى للسيطرة على موانيء السودان وساحل البحر الأحمر وإمتنعت الدول الغربية والعربية علي حد سواء عن دعمه

وإنقاذ موقفه في تلك الظروف وأجمعوا على أنه استنفذ أغراضه وعليه أن يترجل عن كرسي الحكم والرئاسة الذي كان متشبثاً به حتى أجبر بثورة شعبية عارمة على الترجل منه وهو كاره . وسقط النظام في اليوم الحادي عشر من شهر أبريل عام 2019م وبدلاً من أن يحدث تقدم للأمام في ظل فترة

الحكم الإنتقالية حدث تقهقر للخلف ومضى النظام الجديد في نفس مسار الرئيس السابق وإنتهج نهجه وحمل ( قرعة الشحدة ) وعول كثيراً على مساعدات الآخرين ومنحهم وهباتهم ولكنه لم يحصل علي شيء يذكر وخلال عامين ونيف وجد أبواب العالم المالية موصدة أمامه ولم تقدم له إلا فتات الفتات رغم

أنه تساقط تحت أقدام الدول الغربية التي لم تقدم شيئاً يذكر في مؤتمر المانحين الذي عقد بألمانيا ولا في غيرها من المؤتمرات والملتقيات وهو يعول كثيراً على مؤتمر باريس وفرنسا تبذل قصارى جهدها لتظل لها السيطرة في غرب إفريقيا بحكم علاقتها الإستعمارية السابقة وتسعى لصد الصين التي أخذت

تتمدد في إفريقيا وكذلك يزعج فرنسا سعي أمريكا وروسيا للتمدد ومضى النظام أكثر وحسب أن التطبيع مع اسرائيل سيكون مدخله ووسيلته لتحسين وتقوية علاقاته بالدول الغربية والمجتمع الدولي وتكون جسراً ومعبراً لتتدفق عليه الهبات والمساعدات والقروض الميسرة بشروط سهلة منها ومن غيرها ولكن

هذا لم ولن يتحقق لأن اسرائيل ليست لها إمكانيات مالية لتقدم منحةً أو قرضاً وفاقد الشيء لا يعطيه ولا يمكن أن تكون جسراً للحصول على مساعدات الدول الغربية ولكن الشيء الذي تحقق هو إعلان وقف العداء الحاد والتوتر الدائم معها ولا داعي لأن يظلوا ( ملكيين أكثر من الملك وكاثوليك أكثر من البابا )

ونأمل أن يتبع وقف العدائيات أن تكون العلاقات طبيعية ولو وقفت في النقطة صفر بلا توترات مع إتقاء شرها وأذاها واسرائيل تهمها مصالحها ولا يمكن أن يكون ذلك على حساب السودان الذي له مصالحه التي ينبغي أن يبني علاقاته الخارجية وفقها وإلا ترسم له اسرائيل أو غيرها سياساته وعلاقاته الخارجية

.
والعامين ونيف الماضيين من الفترة الإنتقالية تحتاج لوقفات ومراجعات والإبقاء على الصحيح النافع وتقويم وإصلاح أي إعوجاج فيها . وقد ترك الحبل على القارب في القطاع الإقتصادي وصرح دكتور عبد الله حمدوك أثناء زيارة له للمملكة العربية السعودية بعد مضي ثلاثة أشهر على تعينيه رئيساً

للوزراء بأن قوى الحرية والتغيير ( حاضنة حكومته والوصية عليها آنئذ ) لم تقدم له برنامجاً إقتصادياً وعلى عجل وبعملية طبخ سريعة قدموا له برنامجاً إقتصادياً وأخذ يدور شد وجذب وإختلاف في الرؤى بين وزير المالية وبين بعض أعضاء اللجنة الإقتصادية بقوى الحرية والتغيير وفي أخريات أيامه

بالوزارة أصدر وزير المالية الأسبق ود البدوي قراراً تم تنفيذه ورفعت بموجبه مرتبات العاملين في الدولة بنسبة خمسمائة وخمسين في المائة وفرح جميع العاملين بهذه الزيادات الهائلة وحق لهم أن يفرحوا ولكن بعد مضي أشهر قليلة أصبحت هذه الزيادات وبالاً على البلاد والعباد وأضحت كارثة وإرتفعت

الأسعار إرتفاعاً جنونياً وحدث تضخم رهيب وهبطت قيمة الجنيه السوداني للحضيض بل أن الخمسين جنيه أصبحت تساوي قيمة كوب شاي أحمر واحد والموظف الذي ظل يعمل في الدولة لثلاثين عاماً أو أكثر ووصل للدرجة الأولى فأن راتبه الشهري في بداية هذه الدرجة أربعة وعشرين ألف جنيه أي أن

دخله في اليوم ثمانمائة جنيه وهو مبلغ يكفيه بالكاد لدفع قيمة المواصلات والفطور وما تبقى يمكن أن يكفيه لشراء رطلين من اللبن. وهذا المبلغ الذي يصرفه الموظف الذي بلغ الدرجة الأولى في الشهر كله قوته الشرائية تساوي مائتين وأربعين كوب قهوة لأن سعر كوب القهوة مائة جنيه ونفس المرتب قوته

الشرائية تساوي أربعمائة وثمانين كوب شاي سادة أما العمال فأن العامل الذي أمضى سنوات طويلة في الخدمة فإن راتبه يكون في حدود سبعة آلاف وخمسمائة جنيه أي أن استحقاقاته في اليوم مائتين وخمسين جنيه وقيمة صحن الفول ثلاثمائة جنيه والحال يغني عن السؤال بالنسبة لقطاعات واسعة من الشعب

السوداني والأمور تسير بسر إلهي والله سبحانه وتعالى كفيل بعباده .
وفي ظل النفق الإقتصادي المظلم والطريق المسدود وضعت حكومة الفترة الإنتقالية آمالها على مؤتمر باريس الذي أخذت تتغنى به وتعزف له المزامير . وإنعقد المؤتمر في الوقت المحدد له في يوم الأثنين الموافق السابع عشر من شهر مايو الجاري ومن الطبيعي أن تقدم الحكومة الفرنسية لضيوفها

السودانيين بشارة خير وعربون تعاون فأعلنت عن قرضها التجسيري الذي يقدم للبنك الدولي تسديداً لديون السودان وأعلنت حكومة الولايات المتحدة بعد إعلان رفع عقوباتها عن السودان دفعها لقرض تجسيري مماثل وعلى كل حال فأنهم يشكرون على قرضهم التجسيري ويشكرون على إعلانهم إعفاء

ديونهم وهي تمثل نسبة ضئيلة بالنسبة للديون المتراكمة التي ينوء بها كاهل السودان ( والقحة ولا صمة      الخشم ) وأعلن عن نيتهم في استثمارات كثيرة في السودان في مجالات النفط والمعادن والإتصالات والطرق والكهرباء و …. الخ وليست هناك مصفوفة للتنفيذ لعدم وجود دراسات وخطط تفصيلية

وحتى الآن هي في رحم الغيب وكما قال شيخ العرب ( كلام عوك في    عوك ) وينطبق عليها المثل ( الكسرة في الترية وملاحها في أبرية ) وأبرية والترية هما نجمان في السماء!! والحرب الباردة بين السودانيين حول المدنية أو العسكرية نقلت لباريس وحاول خطباؤهم من الطرفين نقله لمنصة الخطابة هناك

بتدبير مسبق ومنهم من دافع عن المدنية وهاجم بطرف خفي العسكرية ومنهم من تصدى للدفاع عنها بطريقة مرنة بإعتبار أن المكونين يكملان بعضهما أما الرئيس الفرنسي فقد رهن وقوفهم مع السودان باجراء إنتخابات عامة فيه وإقامة نظام ديمقراطي وتطابق ذلك مع تصريح وزير الخزانة الأمريكي . وسأفرد

الحلقة القادمة إن شاء الله للموضوع المتعلق بتمديد الفترة الإنتقالية لأجل غير معلوم أو إجراء إنتخابات عامة وإقامة نظام ديمقراطي كما طالبت بذلك فرنسا وأمريكا .. وفرنسا تدرك الإمكانيات الهائلة والكنوز والثروات التي يزخر بها السودان وتضع عينها عليها كما يفعل الخواجات الآخرون . وظل دكتور

حمدوك يردد أن السودان سيشهد شراكات استثمارية ضخمة مع الدول الكبرى . والسؤال هل ستأتي هذه الدول وشراكاتها والمستثمرون ليستفيدوا هم ويتركوا للسودانيين الفتات أم أن السودان سيستفيد من هذه الشراكات إذا نفذت فعلاً وفي كل الأحوال فإن البدء في التخطيط والتنفيذ سيستغرق سنوات

والسودان الآن في وضع إقتصادي سيء وكما يقول المثل ( الجيعان ما بنتظر فورة البرمة ) ونأمل ألا تكون مثل هذه الشراكات والاستثمارات مدخلاً للاستعمار الإقتصادي . وعلى ذكر فرنسا يحق لنا أن نتساءل عن ( نظام الإنقاذ السابق وذهب أرياب والشركة الفرنسية والغموض والسر المخبأ في بير!!)

ونرجو أن يؤدي مؤتمر باريس لنتائج يستفيد منها السودان لئلا ينطبق على الذين حضروا المؤتمر ( جينا لي مكة تغنينا قلعت طواقينا !!)

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب



مصدر الخبر موقع الانتباهه

أضف تعليق