أيوب صديق يكتب: موتُ الطيب مصطفى وسخائم النفوس المريضة


اندلعت ثورة سبتمبر، فأخرجت نظام الإنقاذ من الحكم، ومقابل ذلك أخرجت من نفوس كثير من الناس أسوأ ما فيها من سخائم.حيث رأيننا ضروباً بشعةً من الأحقاد والضغائن والأكاذيب، ورغباتٍ في التشفي والانتقام من الخصوم. فمن كان بيده قدرٌ من سلطان، طبق ذلك عملياًفي خصومه، تشريعاً وتنفيذا،

حبساً وتشريدا ومصادرة حقوق، ومن لم يكن بيده من السلطان شيءٌدرج على تحريض ذوي السلطان على خصومه، مع بسط لسانه في الوقت نفسه فيهم بالسوء، في أخس صور الخصومة وارذلها.ومن ذوي السلطان من بات يستحل الكذب،لستر إخفاقه فيما أوكل إليه من أمر، مشيراً إلى عِظم الموكل إليه،

الذي كأنه لم يسبق أن تولاه أحد من قبلة، مستخدماً في ذلك ما تُوطيئ على تسميته (دَمار الثلاثين عاما)و كان افتضاح ذلك من أسهل الأمور أمام العامة، عن طرائق كسب عيشهم اليومي، الأمرُ الذي لم يكن يعانون منه إبان من ينسبون إليهم دمار (الثلاثين عاما).
إلا أن أقبح ما شهدناهمن ذلك كله، في هذه الفترة الراهنة، من فجور الخصومة شناعةً ورذالة وانحطاطا، هو ما بلغ ببعضهم حد الشماتة بموت الخصم، والمضي في شتمه مع أنه رحل وترك لهم الدنيا ولعاعتها. ذلك كما حدث بعد وفاة الطيب مصطفى عليه رحمة الله، حيث قابل خصومه وفاته بالشماتة،واصفين

إياه في غير انصاف بالعنصري،حيث يعزون إليه انفصال جنوب السودان. وكأن الكتاب في هذا الشأن قد تواطؤوا على هذه الفرية التي تدل على جهلهم بتطور مسألة جنوب السودان، التي بدأت قبل استقلال هذا البلد المنكوب، وذلك في 18 أغسطس 1955،فكيف لقلم واحد هو قلم الطيب مصطفى،أن

يرجح بكل تلك الأقلام التي كانت تسترضي الجنوبيين للوحدة بكل وسيلة وحيلة، وبما كانت تنفقه الحكومة المركزية على الجنوب من ملايين الدولارات لتؤلفنفوس ساكنيه، الذين كان يحكم أبناؤهم كل الجنوب خالصا لهم، ويشتركون في الحكومة المركزية بنصيب واف. فإن كان قلم الطيب مصطفى وحده قد

رجح بكل ذلك مجتمعا، فهو إذن كان قلما لا تمسك به يد أحدٍ من البشر. فقد كانت رغبة الجهات العالمية وبالذات الأمريكية منها هي فصل جنوب السودان، حيث منت أهله بالمن والسلوى، ولذا كانت نتيجة الاستفتاء فوق 98 في المئة بالانفصال، الذي كان رغبة الحركة الشعبية، التي عملت لها منذ إنشائها،

وإن كانت قد استغلت في سبيل وحدةٍ غير حقيقيةٍ جاهرت بها، عدداً من أبناء الشمال،الذين لفظتهم كأنهم عصف مأكول بعد تحقيقها ما سعت إليه وهو الانفصال.
إن الطيب علي رحمة الله كان له رأي واضح دافع عنه، مؤيداً لرغبة الجنوبيين في الانفصال، وهو الذي قدم ابنه شهيداً في حرب المحافظة على وحدة البلاد، ولما رأي استحالة ذلك انضم إلى صف المنادين بانفصال الجنوب. عندها انبرت إليه الأقلام واصفة له بالعنصري، وأن رغبته في انفصال الجنوب

كانت من منطلق عرقي، وهذه صفة لا يتصف بها رجل صادق التدين ويعلم أنه لا فضل لعرق على عرق آخر في الإسلام. وتلك الأقلام التي انبرت للهجوم عليه، لم تصف السياسيين الجنوبيين الذين ينادون بالانفصالمن الشمالبالعنصريين، نتيجة مقتهم لساكنيه، وهو مقت عبر عنه (باقان أموم) عندما

قال،(ارتحنا من وسخ الخرطوم) وهو لايعني وسخا تتصف به المدينة فسحب دون ساكنيها. ومن المعروف،أنه قبل الطيب مصطفى فقد نادى في سني الخمسينيات الماضية، السفير يوسف مصطفى التنيعليه رحمة الله بضرورة فصل جنوب السودان، وذلك في سلسة مقالات كتبها في صحيفة الأيام بعنوان(

أفصلوا الجنوب) وهو أمرٌ كتبتُ أنا عنه من قبل، ولم يصف أحدٌ يوسفالتنيفي ذلك الوقت بالعنصرية بسبب موقفه ذاك، عندما لم تنحط الخصوماتُ إلى الدرك الذي نشهده الآن.
كان الطيب صلباً في الدفاع عن دينه،عنيفا في مهاجمة الذين يراهم في موقف العداء منه، وما أكثرهم في هذه الفترة التي أعقبت الثورة! كان يصك خصومه صك الجندل،غير عابىءٍبهم وغير هياب لهم، وغير مجامل لأحد منهم.فعندما يراهم قد تخطوا ما هو منصوص على عدم تخطيه، لا يتردد في

مواجهتهمولا تأخذه في الله لومة لا ئم في ذلك. هذا ورغم عنفه لم يُعرف عنه اسفاف في القول، أو سفه في مخاطبة من يخاطبهم، مجادلا لهم فيما يعرف أنه الحق. لقد انصف الطيب مصطفى اثنان من الذين عرفوه في المجال العملي، وهما الأستاذ محمد عبد الماجد و الأستاذ حيدر المكاشفي. أما محمد عبد

الماجد فقد تحدث عنه حديث المنصف،حيث أتاح له الطيب الكتابة في صحيفته الصيحة، وكيف وجدوا فيها متسعا لمهاجمة نظام الإنقاذ الذي كان الطيب على خلاف معه. وقال الأستاذ محمد عبد الماجد:» وللأمانة ونحن في (الصيحة) وجدناه يسبقنا في الهجوم على النظام الذي كان يشعر نحوه بـ(مرارة)

كبيرة. الطيب مصطفى فتح لنا صحيفته، ودفع ثمن ذلك غالياً وهو يرهن بيته وعربته ويشرد من صحيفته التي تم اغلاقها.» هذا قول محمد عبد الماجد، وهو قولُ رجلٍ وفيٍ غايةَ الوفاء، لرجل عرفه غاية المعرفة. أما لأستاذ حيدر المكاشفي فقد قال:»فالمرحوم الطيب مصطفى في شخصه لمن لم يقترب

منه أو يتعامل معه (قدر لي ان اتعامل معه لفترة)، شخصية تختلف تماما عن ما تقرأه له في كتاباته السياسية أو تسمعه ملفوظا منه في الشأن العام، فهو شخص حقاني شفيف ونبيل وودود وود بلد. ولهذا لم نكن نعادي الطيب في شخصه وانما أفكاره وتصوراته، وسبق لي ان دخلت معه في سجال حام كان هو

البادئ به، ولكن رغم وقوفنا على طرفي نقيض كان حريصاً على التحاقي بصحيفته (الصيحة) وقد كان.» هذا قول الأستاذ حيدر المكاشفي, وهوالآخرُقول منصفٌ لرجل عرفه أكثر من الذين أعماهم الحقد والكراهية للحق.
لقد مات الطيب مصطفى عليه رحمة الله، وترك موته دوياً، كما كانتلظفراته دويٌفي حياته، وتلك لم تكن من صفات الخاملين من الرجال. وهذا يذكرنا بقول المتني:
وترْكُكَ في الدّنْيا دَوِيّاً كأنّما تَداوَلَ سَمْعَ المَرْءِ أنْمُلُهُ العَشرُ
فقد شيعته جماهرُ ضخمةٌ جداً من الناس، وذلك يُذكر بما نُسب إلى الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه، في قوله:قولوا لأهلِ البدعِ:»بيننا وبينكم يومُ الجنائزِ» فقد اتفق أهل التاريخ على أن جنازة الإمام أحمد رحمه الله تعالى حضرها عدد هائل من البشر، حتى نص بعضهم أن عددهم جاوز المليون. هذا

وقد درج الناس على شهود جنائزالصالحين من الناس، وإننا لنحسب ان الطيب مصطفى منهم بإذن ربه تعالى.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب



مصدر الخبر موقع الانتباهه

أضف تعليق