زين العابدين صالح عبد الرحمن يكتب: الإعلام الحكومي بين عهدين


في أحدى زياراتي للسودان عام 2009م ذهبت لوزارة الإعلام و قابلت الأستاذة أحسان عبيد الله، و التي كانت تشغل رئيس قطاع الإعلام الخارجي، و طلبت منها بعض المواد الإعلامية قدمت إلي جزء منها كان متوفرا في الوزارة، و الذي كان يختص بالمشروعات التي يطلق عليها أستراتيجية أرشدتني إلي مركز الإنتاج الإعلامي بالقرب من حديقة أوزون في نمرة 2، و قالت أنني سوف اتصل بمديره محمد أحمد الدنقلاوي لكي يقدم لك المواد المطلوبة. و ذهبت إلي هناك، و لكنني لم أتعرف علي المكان. و بالصدفة التقيت بالقرب من كافتريا أوزون بشقيقة الأستاذ عادل راسخ الذي يقيم معنا في استراليا، و مشكورة قد أرشدتني للبناءة. و حذرتني قائلة بالمناسبة أن مركز الإنتاج الإعلامي يتبع لجهاز الأمن و المخابرات. و ذهبت و في مكتب الاستقبال قيل أن المدير في طريقه للمركز، و بعد دقيقتين وصل و ذهبت معه إلي مكتبه، كان قد تعامل معي تعاملا راقيا، باعتبار أنه لم يرفض أسئلتي و جاوب عليها بكل أريحية، و تحاورت معه حول تقييد العمل الإعلامي في السودان، و لماذا يفرض عليه جهاز الأمن كل هذه القيود، رغم أن الشخص يستطيع أن يتحصل علي المعلومة من أي مكان بعد التقدم الذي حدث في وسائل الاتصال، قال الدنقلاوي الذي تحكي عنه الآن هو نفسه يؤرقنا نحن، لأنه يجعلنا في مواجهة مباشرة مع الإعلاميين و الصحافيين و مع الشارع. لكن أي قرار كان صادرا من الجهاز أو أي تصرف يحد من حرية العمل الإعلامي و الصحفي، تأكد أنه قرار صادر من قمة جهاز الدولة، و لا نستطيع أن نقول ذلك، حيث أصبحنا نحن في وش المدفع.
أذكر هذا الحديث؛ باعتبار الزمن السابق كان عليه قيود عديدة، إذا كانت صادرة من قمة جهاز الدولة السياسي، أو من جهاز الأمن و المخابرات، باعتبار أن النظام كان شموليا، و يعتبر الإعلام ناقل فقط لرؤية رئيس الدولة أو حزبه. لكن في النظم الديمقراطية، إذا استكانت قيادات الإعلام و أخذت مسار النظام السابق، لا أحد في السلطة ينتقدها أو يذكرها أن النظام أصبح ديمقراطيا، لأن طبيعة السلطة إذا كانت شمولية أو ديمقراطية لا تريد أحدا ينتقدها، تريد فقط المدح و الإطراء. لكن؛ الإعلاميون هم الذين يقع عليهم عبء كسر القيود و الانطلاق لفضاءات الحرية، و الإعلام في ظل النظم الديمقراطية ليس ناقلا لكل الرؤى أن كانت في السلطة أو في الشارع بل هو أداة مساعدة لخلق وعي جديد يتماشى مع شعارات الشارع ” حرية – سلام – عدالة” و ترسيخ قيم هذا الثالوث في الواقع. الإعلام هو المناط به الإشارة إلي أماكن الفساد و المفسدين، الإعلام هو الذي يحس الجماهير أن تشارك بقوة في الحراك السياسي و في تغيير مسار الأحزاب من أحزاب تسيطر عليها الشلليات و الأفراد و الأسر إلي أحزاب ديمقراطية مفتوحة تتسق مع الشعارات المرفوعة، الإعلام هو الذي يكتشف الأقوال المتناقضية بين القول و الفعل. الإعلام بصراحته و شفافيته و أختراقه للبناءات الصماء و يفتح منافذها لكي ينسرب لها الضوء، هو الذي يعطي القوة للأجهزة الأمنية و العدلية لكي تقوم بدورها الفاعل و أيضا كل الأجهزة الحكومية، الإعلام هو الذي يعرف الجماهير بحقوقها و واجباتها في الديمقراطية، الإعلام هو الذي يمزق ثوب الشمولية و يفتح النفاجات لتيارات الهواء النقي، الإبداع وحده هو الذي يغير الصورة و ليس عناصر الأحزاب المؤادلجة.
لكن كل ذلك لم يحصل بعد الثورة، بل ظل الإعلام كما كان في عهد الشمولية، أن يخدم رؤية السلطة، و أن يشرح قرارات السلطة، باعتبار أن السلطة هي المخدم و يجب أن لا يتم نقدها أو تعكير صفوها، أول أمس استضاف تلفزيون السودان وزير شؤون مجلس الوزراء و وزير الإعلام لكي يحدثوا الناس عن مؤتمر باريس الاقتصادي، و من يشكر الحكومة غير الوزيرين، فكان حديث الوزيرين حديثا سياسيا، و المؤتمر هو مؤتمر اقتصادي سياسي، فكان لابد من حضور مختص في الشأن الاقتصادي لكي يبين للناس تأثير هذا المؤتمر علي مستقبل السودان الاقتصادي، و مادام الوزيرين يمثلان أحزاب سياسية في قوى الحرية و التغيير كانت استضافة أحد أعضاء اللجنة الاقتصادية للحرية و التغيير الذين يعارضون سياسة الحكومة الاقتصادية مطلوبة أو أي خبير أو أكاديمي، و مثل هذا اللقاء يكشف أن الأيديولوجية أن كانت يمينا أو يسارا تعطي نتيجة واحدة، الكل يريد أن يتقرب لرجل الدولة و يطلب وده. مثل هذه اللقاءات يجب أن لا تكون فقط للدعاية ،بل أيضا تتطلب الوعي بالمسألة و توعية الناس بها. فوجود رأيين مختلفين يتحاوران في مثل هذه القضايا مهم لكي تتعلم الجماهير كيف تحترم الرآي الأخر دون أن تضجر منه. الذي يؤمن بالديمقراطية و قارئ لها يجعل في كل خطوة يخطوها تعليم بأصول الديمقراطية، خاصة في مجتمع غابت عنه طويلا و يبدأ من مرحلة التعلم من جديد. فالديمقراطية ليست كتاب يقرأ أو أجراءات و نصوص قانونية، لكنها ممارسة يومية تراكمية تخلق ثقافتها التي تتحول لسلوك يمشي به الناس.
عندما تكونت الحكومة و بدأت في تعين بعض الأيديولوجيين في وزارة الإعلام، و تفتح قنوات لبعض الناس دون الآخرين، كان من المتوقع أن لا تحدث نقلة نوعية في الأجهزة الإعلامية، باعتبار أن العقل الأيديولوجي المشبع بنسق معرفي خاص هو منفر للرآي الأخر، و حدود السماح للرؤية المختلفة معه ضيقة، إلي جانب أنه يعتقد يمتلك الحقيقة و يجب أن لا يسمح بمجادلتها، هو عقل ينفر من الحوار الفكري المفتوح لأنه يعرض قناعته لإهتزازات لا يريد أن يتحمل مسؤوليتها، العقل الأيديولوجي لا يقدم إبداعا و لا يسمح للإبداع أن يظهر إلا بشروطه، لذلك لا يستطيع أن يقدم أكثر من الذي كان مقدما في النظام السابق. يعجز أصحاب الأيديولوجية أن يكسروا قيود التقييد و ينطلقوا إلي فضاءات اوسع لأن الفضاء عنده هو حدود نسقهم المعرفي، و هذه هي إشكالية الديمقراطية في السودان. أنظروا للكتاب المحسوبين علي الأيديولوجية يمينا أو يسارا تجدهم في حالة واحدة نقد النقد لا يستطيعون أن يخروج من هذه الشرنقة لكي يقدموا مبادرات تخرج الوطن من أزماته.
القضية ليست فقط أن تشتم نظام الإنقاذ ليل نهار، القضية كيف تصنع البديل الديمقراطي، الذي يحقق شعارات ” حرية سلام و عدالة” و هي كلمات بسيطة و غير معقدة، لكن تحويلها من حلم إلي واقع هنا تصبح المشكلة، لأنها تصطدم بعقبات عديدة أولها هؤلاء الأيديولوجيين، الذين لا يستطيعون تغير قناعاتهم التي تشكل عقبة أمام الديمقراطية. و الغريب هناك فهم خاطئ للإعلامي صانع السياسات الإعلامية، ليس كل من يشتغل في الإعلام هو يستطيع أن يكون صاحب رؤية إعلامية، و تجاوز الإعلام الشمولي يحتاج إلي أكتشاف أصحاب القدرات الإبداعية الذين يستطيعوا أن يقدموا مبادرات وطنية من خلال أعمالهم تدفع في اتجاه التوافق الوطني الذي تتطلبه الديمقراطية، تدفع بالعقليات الإبداعية القادرة علي الابتكار و توسع دائرة الحوار الوطني دون انتظار من القيادة السياسية أذن، عقليات تكسر عتبات التراث الفاشل و تخلق واقعا جديدا يستطيع المجتمع أن يتحول كله إلي منابر للحوار، و تجدها عند الشباب غير المنتمين و لكن لهم في الإبداع مساحة، لكن هؤلاء ليس لهم طريق للإجهزة التي أصبحت محتكرة، تخرج من ولاء و تدخل ولاء جديد. نسأل الله حسن البصيرة. و لنا عودة لمواصلة المقال أن شاء الله.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب



مصدر الخبر موقع الانتباهه

أضف تعليق